شهداء الثورة بين جرائم الطغاة وفتنة الدعاة

شهداء الثورة بين جرائم الطغاة وفتنة الدعاة

بقلم د. حاكم المطيري

 

حاكم المطيري

الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وبعد ..
جاء في الحديث الصحيح (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون)، وجاء في رواية (أخوف ما أخاف على أمتي حيف الأئمة) وفي رواية (جور السلطان)!
كنت أظن – وأكذب الحديث الظن – أن الخلاف في حكم قتلى الثورة العربية هو فقط في هل هم شهداء لهم أحكام الشهداء في الدنيا والآخرة؟ أم شهداء في حكم الآخرة فقط؟ أم ليسوا شهداء وإنما هم كسائر أموات المسلمين؟

ولم أتصور أن يصل الخلاف فيهم إلى ما هو أبعد من ذلك كأن يدعي أحد بأنهم خوارج وحرورية! وأن يدعي أحد أن ابن علي في تونس وبشار في سوريا والقذافي في ليبيا وحسني في مصر وعلي صالح في اليمن وأشباههم ولاة أمر تجب طاعتهم، وأن طاعتهم من طاعة الله ورسوله، ومن خرج عليهم ولو بشكل سلمي فيجب قتله وسفك دمه؟! ومن مات منهم مات ميتة جاهلية!

وحين يصل الخلاف إلى هذا الحد، وإلى حد تصور أن هؤلاء ولاة أمر شرعيون، وأن طاعتهم من طاعة الله ورسوله، وأنهم يدخلون في عموم قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، وليس في عموم قوله {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، ولا في عموم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}! وحين تنزّل فيهم وعليهم نصوص السمع والطاعة، والصبر على جور أئمة المسلمين، فإن الموضوع حينئذ يخرج بنا عن مسألة القتلى وحكمهم، إلى مسألة أخرى أشد خطرا في الدين والاعتقاد تتمثل في : ما هو الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما حقيقة التوحيد الذي دعا إليه؟ وما هو الطاغوت الذي يجب الكفر به؟ وما هي الإمامة الشرعية التي يجب لها السمع والطاعة؟ ومتى تكون السلطة شرعية ومتى لا تكون؟ …الخ

إلى عشرات الأسئلة التي هي مقدمات طبيعية لا يمكن فهم موضوع حكم شهداء الثورة ما لم يتم فهم تلك المقدمات! مع أن عامة المسلمين بفطرتهم السليمة لا يحتاجون إلى كل ذلك!

لقد جاءتني رسائل كثيرة من بعض الدعاة وطلبة العلم الشرعي يستشكلون بعض ما جاء من ردود على المقال، مع أن تلك الردود هي دليل أزمة فكرية تعيشها الأمة بسبب عجز دعاتها وعلمائها حين فاجأتهم الأحداث وتجاوزتهم، وإذا الأمة تشق طريقها نحو حريتها وكرامتها وإنسانيتها المسلوبة، بعد عقود من التيه، الذي لم يستطع الدعاة خلاله إخراجها مما هي فيه، بعد أن تحالف قسم كبير منهم في كل بلد مع نظامه وطاغوته على حساب حرية الأمة وكرامتها وحقوقها، فلم يأخذوا بالعزيمة ويجاهدوا الطاغوت، ولا هم اعتزلوه كما أمر الله بقوله {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}!

فلما مضت وحدها تدك عروش الطغاة، وتنسفها في اليم نسفا، فتذرها قاعا صفصفا، فإذا أولئك المفتونون يحنون من حيث يشعرون أو لا يشعرون، إلى الطغاة وعهودهم، الذين أشربوا حبهم في قلوبهم واتخذوهم أندادا من دون الله، يوالون من يوالونهم، ويعادون من يعادونهم، فلم يجدوا لتبرير صمتهم طول هذه المدة، ولتبرير تخلفهم عن الوقوف مع الأمة في ثورتها ضد الظلم والاستبداد، وضد الفوضى والفساد، وضد الخيانة والعمالة التي تأباها كل شعوب الأرض على حكوماتها، إلا بادعاء أن الدين يمنعهم من ذلك! وأن في أعناقهم بيعة لطواغيتهم! وأن من خرج عليهم فمات مات ميتة جاهلية! وأن أهل السنة يحرمون الخروج ..الخ!

فإذا الأمة بين طغيان الرؤساء الذين يقاتلونها، وفتنة الدعاة الذين يضلونها ويخذلونها!
والسؤال هنا هل هذه الحكومات العربية الإجرامية – التي تحكم الأمة بالحديد والنار، بدعم من العدو الخارجي، الذي فرضها على الأمة – لها ولاية شرعية؟ وإذا كانت كذلك فهل لها أن تقتل شعبها إذا خرج يدعوها بشكل سلمي إلى رفع الظلم عنه؟ وإذا كان لا يحق لها ذلك فما حكم من قتلته؟ وهل يصدق عليه أنه مقتول ظلما وبغيا أم لا؟ وهل يدخل في عموم النصوص (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) (ومن قتل دون ماله فهو شهيد) أم لا؟

فأقول سبق في مقالي (الأحكام الفقهية لشهداء الثورة العربية)، بيان القول في أقسام الشهداء وأحكامهم بحسب ما جاءت به السنة، وبحسب أقوال الأئمة، وبينت أنه لا خلاف بين الفقهاء في إثبات وصف الشهادة لـ :

1- المقتول ظلما، ممن خرج في المظاهرات يدعو إلى رفع الظلم، بشكل سلمي، ولم يقاتل، فقتل على يد السلطة، كما جرى في تونس ومصر واليمن وسوريا.
2- والمقتول دون حقه، ممن قاتل دفعا لعدوان السلطة التي اعتدت عليه، كما جرى ويجري في ليبيا.
3- والمقتول في المظاهرات، ممن خرج احتسابا وتغييرا للمنكر.

فكل هؤلاء شهداء، ويسمون شهداء، ويطلق على أعيانهم هذا الوصف كما تواترت به السنة، بلا خلاف بين الأئمة، وإنما اختلف الفقهاء في هل هم كشهداء المعركة لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وهم الشهداء في حكم الدنيا والآخرة؟
أم يغسلون ويصلى عليهم كشهداء الغرق والحريق والطاعون ونحوهم ممن وردت السنة بإطلاق وصف الشهادة عليهم ، وقد بلغ عددهم عند بعض الفقهاء عشرين صنفا، وهم الشهداء في حكم الآخرة، دون حكم الدنيا؟

والفرق بين شهيد المعركة وشهيد الحريق ونحوه هو في أحكام الدنيا فقط، فشهيد المعركة لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن بلباسه، بخلاف شهيد الغرق والحريق والطاعون ونحوهم فإنهم شهداء إلا أنهم يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم كسائر أموات المسلمين، وأما في حكم الآخرة فهم جميعا شهداء لهم الثواب الموعود للشهداء يوم القيامة، فلا يتعرضون لفتنة القبر ولا فتنة البرزخ ولا فتنة الحساب، بل يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب، رحمة من الله بهم لما تعرضوا له من فتنة وتمحيص في الدنيا والوفاة بتلك الأسباب التي هي من أشد البلاء، ويختص شهداء المعركة عن باقي الشهداء بكونهم أحياء عند ربهم يرزقون، وبأنهم أعلى درجة في منزلة الشهادة من غيرهم من الشهداء، حتى أن شهيد المعركة يشفع في سبعين من أهله ممن وجبت لهم النار!

فأكثر الفقهاء كأبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وهو مذهب الزيدية وغيرهم يرون بأن المقتول ظلما، والمقتول دون حقه، والمقتول لقيامه بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لهم حكم شهيد المعركة في الدنيا والآخرة، وذهب مالك وغيره إلى أن لهم حكم شهيد الغرق والحريق.

فالخلاف بين الفقهاء ليس في تسميتهم شهداء ولا في ثوابهم في الآخرة، بل في حكمهم الدنيوي!
وإذا كان الخلاف له وجه في المقتول ظلما، والمقتول دون حقه، وأنه شهيد فقط في حكم الآخرة، فيطلق عليه وصف الشهادة في الدنيا والآخرة، إلا أنه يغسل ويصلى عليه كشهيد الغرق والحريق والهدم والمبطون الخ.

فلا وجه للخلاف في المقتول بسبب تصديه للسلطان الجائر، فهو كشهيد المعركة سواء بسواء، للحديث الصحيح في مسلم عن الأمراء السوء (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)، وحديث (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وحديث (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله).. الخ

فقد أثبتت هذه النصوص وغيرها كثير بأن القائم بالحق والآمر بالمعروف أمام السلطان الجائر مجاهد في سبيل الله، بل هو أفضل الجهاد، فإن قتله فهو شهيد بل سيد الشهداء!
فمثل هذا لا يغسل ولا يصلى عليه على الصحيح، وإن غسل وصلي عليه فلا حرج.
وعند النظر في أحوال من خرجوا في الثورة العربية نجد أنهم لا يخرجون عن هذه الأقسام بحسب الظاهر إما أنهم :

1- مظلومون ابتداء تعرضوا للظلم في أموالهم وأرزاقهم وحرياتهم وكرامتهم وأعراضهم فخرجوا يطالبون بحقوقهم بشكل سلمي، ولم يقاتلوا ولا قصدوا القتال، فتم قتلهم أثناء ذلك ظلما وعدوانا من قبل السلطة ورجالها، فيصدق فيهم حديث (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ..) ، وفي رواية (من قتل دون مظلمته فهو شهيد) .

2- أو مدافعون عن المظلومين، وإن لم يقع عليهم ظلم مباشر، إلا أنهم خرجوا بشكل سلمي لنصرة المظلومين والدفاع عنهم، وهؤلاء قاموا بالواجب الشرعي كما قال تعالى {وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وجاء في الصحيحين (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، وجاء في الصحيحين أيضا (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع.. ونصرة المظلوم..)، وقال (لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا)، وقال (إذا رأت أمتي الظالم ولم تأخذ على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده)..الخ
فإن اعتدت السلطة عليهم، فقتلت أحدا منهم، فهو مقتول ظلما وعدوانا وبلا وجه حق بلا خلاف، وهو كشهيد المعركة عند الأكثر.

3- أو مصلحون محتسبون خرجوا بشكل سلمي بنية إعلاء كلمة الله، وتغيير المنكر، فيدخلون في عموم (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر).

4- أو مجاهدون خرجوا على طاغية فقاتلهم، فقاتلوه لدفع عدوانه، فهم شهداء معركة بلا خلاف.

فهذه أحوال من خرجوا في الثورة العربية من حيث العموم، فالمقتول منهم شهيد، سواء كان مقتولا دون حقه ظلما وعدوانا كالقسم الأول وهم الأكثر، أو مقتولا ظلما وعدوانا لنصرته المظلومين كالقسم الثاني، أو مقتولا لقيامه بإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، وهم كثير من أهل الصلاح والفضل، ممن خرجوا في هذه الثورة نصرة لدين الله وتغييرا للمنكر، أو مقتولا في معركة مع جيش الطاغية فهو شهيد معركة، وإنما يبعثون يوم القيامة على نياتهم كما في الصحيح (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)!

وهذا التفصيل كله على فرض أن الحكومات العربية اليوم حكومات شرعية إسلامية لها ولاية على الأمة، فكان الواجب على السلطة في كل بلد – على فرض شرعيتها – أن تنصفهم وترفع الظلم عنهم، وأن تمنحهم حقهم، بما في ذلك حقهم في الشورى واختيار السلطة نفسها، وهو الحق الذي جعله الله لهم في قوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم}، لا أن تقاتلهم وتقتلهم وتشن الحروب عليهم كما في ليبيا وسوريا واليمن، وقد أجمع الفقهاء على أنه إذا خرجت خارجة على الإمام الشرعي، دعاهم للفيئة والرجوع، فإن ذكروا ظلما وقع عليهم، وجب عليه رفعه عنهم وإنصافهم، ويحرم قتالهم إذا لم ينصفهم كما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال عن الخوارج (إن خرجوا على إمام عادل فقاتلوهم، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم، فإن لهم بذلك مقالا).([1]) وكما في الصحيح (دعوه فإن لصاحب الحق مقالا)..

والإمام العادل هو كل إمام اختارته الأمة بالشورى والرضا، واجتمع عليه المسلمون، ولم يظهر منه فجور ولا جور، فإذا أخذها بالسيف والقوة فهو جائر وإن كان من أهل الصلاح، كما ثبت عن عمر في صحيح البخاري (من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)، وفي رواية (فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه)!

فولاية مثل هؤلاء الذين يغتصبون السلطة بالقوة ليست شرعية، بل ولاية قهرية بحكم الواقع لا بحكم الشارع، ولها أحكامها الاضطرارية كما فصلته في (تحرير الإنسان)!
فإذا قويت الأمة على الأخذ على أيديهم، ورد باطلهم، فلها ذلك!
وكان الإمام مالك إذا سئل عن القتال مع الخلفاء في عصره ضد من خرج عليهم يقول: (إن كان الخليفة كعمر بن عبد العزيز فقاتل معه، وإن كان كمثل هؤلاء الظلمة، فلا تقاتل معهم).([2])
لأنه لا يرى لهم ولاية شرعية تقتضي وجوب السمع والطاعة لهم والقتال معهم ضد من خرج عليهم!

وقد سئل عن خروج محمد ذو النفس الزكية على أبي جعفر المنصور مع أنه أخذ البيعة من أهل المدينة، فقال الإمام مالك :(إنما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته).([3])
وسئل الإمام مالك أيضا عن الوالي إذا قام عليه قائم يريد إزالة ما بيده: هل يجب الدفع عنه؟ فقال: (أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم، وأما غيره فلا ودعه وما يريد، فينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم الله منهما جميعا).

وقال مالك أيضا :(إذا بايع الناس رجلا بالإمارة ثم قام آخر فدعا إلى بيعته فبايعه بعضهم أن المبايع الثاني يقتل إذا كان الإمام عدلا، فإن كان مثل هؤلاء فلا بيعة له تلزم، إذا كانت بيعتهم على الخوف، والبيعة للثاني إن كان عدلا، وإلا فلا بيعة له تلزم).([4])
فأبطل الإمام مالك بيعة من أكره الناس على بيعته وأخذ السلطة بالقوة، وأبطل ولايته، وإنما ولايته على الناس ولاية جبرية قهرية بحكم الواقع لا بحكم الشارع، ولها أحكام الاضطرار، فإن قام عدل ينازعه فالبيعة للعدل!

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ولا خلاف بين علماء السنة أنهم يقاتلون – أي الخوراج – مع أئمة العدل مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لكن هل يقاتلون مع أئمة الجور؟ فنقل عن مالك أنهم لا يقاتلون، وكذلك قال فيمن نقض العهد من أهل الذمة لا يقاتلون مع أئمة الجور).([5])
فالإمام مالك – إمام أهل السنة في عصره – لا يرى القتال مع أئمة الجور من خلفاء المسلمين حتى لو خرج عليهم أهل الذمة إذا وقع عليهم ظلم!

أما الجمهور فذهبوا إلى أنه لا يحرم القتال مع الإمام الجائر بشرط أن يكون القتال نفسه مشروعا، كأن يجاهد العدو الحربي، أو يقاتل قطاع الطريق، أما إذا كان يقاتل من خرجوا عليه بسبب ظلمه لهم، ولم ينصفهم، فإنه يحرم إعانة الجائر عليهم بالإجماع، سواء كان يقاتل الخوراج أو أهل الذمة أو غيرهم!

قال ابن حزم (وهكذا جاء عن أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان داود الظاهري وأصحابهم: أن الخارجة على الإمام إذا خرجت سئلوا عن خروجهم، فإن ذكروا مظلمة ظُلموها أُنصفوا، وإلا دُعوا إلى الفيئة، فإن فاءوا فلا شيء عليهم، وأن أبوا قوتلوا، ولا نرى هذا إلا قول مالك أيضا، فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن نرد ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه إذ يقول تعالى{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، ففعلنا فلم نجد الله تعالى فرق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره، بل أمر تعالى بقتال من بغى على أخيه المسلم عموما حتى يفيء إلى أمر الله تعالى، وما كان ربك نسيا، وكذلك قوله عليه السلام:(من قتل دون ماله فهو شهيد)عموم لم يخص معه سلطانا من غيره، ولا فرق في قرآن، ولا حديث، ولا إجماع، ولا قياس بين من أريد ماله، أو أريد دمه، أو أريدت امرأته، أو أريد ذلك من جميع المسلمين، وفي هذا الإطلاق هلاك الدين وأهله، وهذا لا يحل بلا خلاف)انتهى كلام ابن حزم.([6])

وقال ابن تيمية أيضا (مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد قالوا يغزى مع كل أمير برا كان أو فاجرا، إذا كان الغزو الذي يفعله قتالا مشروعا قوتل معه، وإن قاتل قتالا غير جائز لم يقاتل معه، فيعاون على البر والتقوى، ولا يعاون على الإثم والعدوان، فالظالم لا يجوز أن يعاون على الظلم، لأن الله تعالى يقول{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقال موسى{رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين}، وقال تعالى{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}، وقال تعالى {ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها }، والشفيع المعين فكل من أعان شخصا على أمر فقد شفعه فيه، فلا يجوز أن يعان أحد لا ولي أمر ولا غيره على ما حرمه الله ورسوله).([7])

وهذا بإجماع الفقهاء، فالسلطة الشرعية لا تعان على الظلم والإثم بأي حال من الأحوال، فإذا قاتلت السلطة الشرعية طائفة من الأمة ظلما وعدوانا، فللطائفة الدفع عن نفسها، وكان الواجب كما قال تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، ولهذا رضي علي بالتحكيم مع كونه إماما شرعيا، إلا أنه لما دعوه إلى الصلح أجاب إليه كما أمر الله بذلك المؤمنين إذا اقتتلوا، ورأى علي أن الآية عامة في السلطان وغيره!

فإذا افترضنا جدلا أن الحكومات العربية حكومات شرعية فالواجب عليها إنصاف شعوبها المظلومة، فإن قاتلت الحكومات شعوبها ظلما وعدوانا، وردوا عدوانها، فقتيل الطائفة المظلومة شهيد، والواجب الدعوة إلى الصلح والحكم بينهم بما أنزل الله، ومن ذلك حكم الله في الشورى وحق الأمة بأن لا يحكمها إلا من اختارته بالرضا، فإن أبت السلطة ذلك وبغت وعادت للقتال، فيجب على الأمة نصرة الطائفة المبغي عليها {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}!

وعلى فرض أن المتظاهرين سلميا بغاة على السلطة، فإن الله لم يأمر بقتالهم مباشرة، بل أمر بالصلح معهم بالحق والعدل، فإن رفضوا الصلح والحكم بالعدل وبغوا وجب قتالهم، وكذلك السلطة إن رفضت الصلح وبغت عليهم وجب قتالها حتى تفيء إلى أمر الله كما هو نص الآية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (فلم يأمر الله بقتال الباغية ابتداء، فالاقتتال ابتداء ليس مأمورا به ; ولكن إذا اقتتلوا أمر بالإصلاح بينهم ; ثم إن بغت الواحدة قوتلت ; ولهذا قال من قال من الفقهاء : إن البغاة لا يبتدءون بقتالهم حتى يقاتلوا). وقال أيضا (فإن كانت إحدى الطائفتين تبغي بأن تمتنع عن العدل الواجب، ولا تجيب إلى أمر الله ورسوله، وتقاتل على ذلك أو تطلب قتال الأخرى وإتلاف النفوس والأموال; فإذا لم يقدر على كفها إلا بالقتل قوتلت حتى تفيء إلى أمر الله).

أما إذا كانت السلطة غير شرعية أصلا، أو ثبت ردتها، كحال أكثر الحكومات العربية اليوم – التي لا تحكم أصلا بالإسلام، ولا تلتزم بقطعيات الأحكام، وتستحل المحرمات القطعية بقوانينها الوضعية، وهي في حكم الطائفة الممتنعة عن الالتزام بالشرائع، كما قال شيخ الإسلام في أمثالها من الطوائف التي أقامت لها دول كالقرامطة في المشرق والعبيدية في المغرب، مما يوجب على الأمة جهادها حال القدرة – فالأمر هنا يختلف، ويكون كل مقتول بيدها ممن خرج عليها من المسلمين شهيد كشهيد المعركة سواء بسواء!

قال في مغني المحتاج في فقه الشافعية في تعريف الشهيد بأن (الشهيد الذي يحرم غسله والصلاة عليه :كل (من مات) ولو امرأة أو رقيقا أو صغيرا أو مجنونا (في قتال الكفار) أو الكافر الواحد، سواء أكانوا حربيين أم مرتدين)!
وفي حاشية قليوبي وعميرة في فقه الشافعية تعريف الشهيد بأنه قتيل المسلمين (..(في قتال الكفار) أي في محاربة كافر ولو واحدا أو مرتدا…)..

فإذا قامت سلطة ثبتت ردتها، وظهر كفرها، وشنت حربها على شعبها، فكل قتيل من المسلمين بيدها شهيد بلا خلاف.
وإذا خرجت الأمة في ثورة سلمية أو مسلحة على سلطة غير إسلامية، أو سلطة ثبتت ردتها عن الإسلام، فجرى بينها وبين الأمة قتال، فالمقتول من المسلمين شهيد معركة عند الشافعية وغيرهم، وهو من أشرف أنواع الجهاد في سبيل الله، إذ دفع المرتد الداخلي عن الولاية على الأمة أوجب من دفع الحربي الخارجي بلا خلاف!

مبحث : في بيان معنى أحاديث السمع والطاعة :

وأما الاحتجاج بأحاديث السمع والطاعة وحديث (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) لتحريم هذه الثورة، فباطل من وجوه :

أولا : إن حقيقة دين الإسلام وغايته أن تكون الطاعة لله وحده، وطاعة من سواه تبع لطاعته، كما قال تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، وكما قال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، بمعنى لآمرهم فيطيعون، كما قال المفسرون، فلا طاعة لغير الله، ولا سمع لمن خالف أمره وشرعه ودينه، فهذا من توحيد الله جل جلاله، المعلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية.

ثانيا : كما إن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو هداية الخلق وبيان الحق والقسط والعدل الذي يحبه الله ويرضاه لهم، كما قال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}، وقال سبحانه {قل أمر ربي بالقسط}، وقال جل جلاله عن الغاية من دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم {وأمرت لأعدل بينكم}، فلا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالعدل والقسط الذي أمره الله به.

ثالثا : كما حرم الله جل جلاله الظلم على عباده مطلقا، ونفاه عن نفسه فقال {ولا يظلم ربك أحدا}، وقال {ومن يظلم منكم نذقه عذابا أليما}، وجاء في الحديث الصحيح قال الله تعالى (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، وتوعد سبحانه بإهلاك الظالمين فقال {لنهلكن الظالمين}.. الخ
فلا يتصور شرعا وعقلا أن يجوز الله الظلم أو يأذن به في دين الإسلام!

رابعا : وقد حدد الله ورسوله حدود الطاعة للسلطة في الإسلام كما في قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}!

فاشترطت الآية شرطين لطاعة أولي الأمر :

1- أن تكون طاعة أولي الأمر في طاعة الله ورسوله، فإن خرجت عن طاعة الله ورسوله فلا طاعة لهم كما في الحديث الصحيح (إنما الطاعة بالمعروف)، وحديث (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وكما في صحيح مسلم اسمعوا وأطيعوا (ما قادكم بكتاب الله)، وفي رواية (ما أقام فيكم كتاب الله)، وهذا هو المقصود أصلا من إقامة السلطة في الإسلام وهو أن تقيم الدين وتحكم بالكتاب، ولهذا قال سبحانه {فإن تنازعتم في شيء} أنتم وولاتكم {فردوه إلى الله والرسول}، ولم يقل فردوه إلى ولاة أمركم، فجعل طاعة الله ورسوله هي الحكم والفيصل على الجميع، فإذا كان الله قد أرسل رسوله وأمره بقول تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك}، فكذلك الخلفاء من بعده ليس لهم من الطاعة إلا ما وافق حكم الله جل جلاله.
ولوضوح هذا الأصل كانت أول خطبة خطبها أبو بكر وهو أول خليفة بعد رسول الله في بيان هذا الأصل العظيم، حيث حدد فيها حدود طاعته بقوله (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم) وعلى هذا أجمع الصحابة رضي الله عنهم، وأن طاعة السلطة في الإسلام منوطة ومرهونة بكونها في دائرة طاعة الله ورسوله فقط.

2- أن يكون أولي الأمر منا {وأولي الأمر منكم}، وهذا هو الشرط الثاني، فلا سمع ولا طاعة شرعية دينية لمن لم يكن من أهل الإيمان والإسلام، كما قال تعالى {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}!
وكذلك لا سمع ولا طاعة لمن ظهرت ردته كما في حديث البيعة الصحيح (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان)، أي فلا سمع ولا طاعة بل الواجب الخروج عليه وجهاده!
وعدم الحكم بردته بتأويل سائغ لا يمنع من سقوط ولايته على الأمة إذا ظهر كفر بواح مع قدرته على منعه، فنص الحديث اشترط لوجوب السمع والطاعة عدم ظهور كفر بواح فحينئذ تسقط الطاعة والولاية، سواء حكم بردة السلطان أو لم يحكم لوجود مانع وعذر!
ومن صور الردة التي تسقط الولاية حتى لو لم يحكم بكفر من صدرت منه:

1- موالاة الأعداء ومظاهرتهم على الأمة كما قال تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، بينما آية الطاعة اشترطت أن يكون أولي الأمر منا!

2- ومن صور الردة الظاهرة عدم الحكم بما أنزل الله كما قال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}، فمن عطل الشرع، وحكم بين الأمة بغير ما أنزل الله، باختياره ورضاه، فهو طاغوت يجب البراءة منه وعدم اعتقاد ولايته أو موالاته!
قال القاضي عياض (أجمع العلماء على أن الإمام لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة – أي مكفرة – خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر).([8])
وقال ابن حجر (ينعزل الإمام بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك).([9])
وقال ابن بطال (إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها).([10])
فإذا كان الواجب بإجماع العلماء الخروج على مثل هؤلاء وقتالهم لمن قدر عليه، فهو جهاد في سبيل الله، والقتيل فيه شهيد معركة بلا خلاف.
وكذلك لا سمع ولا طاعة ولا ولاية لمن ظهر نفاقه وزندقته، بل الواجب جهاده كما قال تعالى {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}…
فلا يتصور أن تكون للكافر أو المنافق ولاية شرعية دينية على المؤمنين مع الأمر بجهادهم!
فولاية المؤمنين هي لله ولرسوله ولمن تولاهما كما قال تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}..
وكذلك لا ولاية ابتداء للظالم وغير العدل كما قال تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}، وقال {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}، وقد اشترط الله العدالة فيمن يحكم في الصيد {يحكم به ذوا عدل منكم}، واشترطه في الشهداء {واشهدوا ذوي عدل منكم}، فكيف بالقاضي فضلا عن الإمام الذي يولي القضاة ليحكموا بالعدل!
قال ابن كثير في تفسيره للآية (قال سفيان بن عيينه لا يكون الظالم إماما..وقال ابن خويز منداد: الظالم لا يكون خليفة، ولا حاكما).([11])
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية (استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يجب أن يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله على ما تقدم من القول فيه، فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل لقوله تعالى {لا ينال عهدي الظالمين}، ولهذا خرج ابن الزبير والحسن بن علي رضي الله عنهم، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وخرج أهل المدينة على بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة).([12])
وقال ابن خويز منداد: (وكل من كان ظالما لم يكن نبيا، ولا خليفة، ولا حاكما، ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد، وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض).([13])
وقال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير (وفي الآية {لا ينال عهدي الظالمين} أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقا لإسناد الإمامة إليه، أعنى سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك، قال فخر الدين قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، وفي تفسير ابن عرفة تسليم ذلك، ونقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور: إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه، وأما بغيره من المعاصي فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع، وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود، ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة..).([14])
فهذه بعض أحكام السمع والطاعة وشروطها وحدودها، كما جاءت في القرآن والسنة، وكما فهمها علماء الأمة من السلف والخلف، ليس فيهم من يقول بأن لغير المسلم أو المرتد ولاية شرعية كحال كثير من الأنظمة العربية اليوم، ولا أنه يجب إعانة الظالم على ظلمه لا على الغير ولا على النفس، ولا أنه يجب الصبر على عدوانه، ولم يحتج أحد على جواز ذلك بحديث (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك)، فلا يتصور أن يحرم الله الظلم ويوجب التصدي للظالم والأخذ على يده وأطره على الحق أطرا، ويأمر بتغيير المنكر، كما في الصحيحين (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده)، وكما في حديث البيعة في الصحيحين (وأن نقوم بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم)، ويأمر بجهادهم باليد (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)! وفي المقابل يأمر بالسمع والطاعة لهم وإن أخذوا مال الإنسان أو اعتدوا عليه! فهذا تناقض صريح لا يقع أبدا من الشارع الحكيم!
وإذا كان لا يجوز بالإجماع إعانة الظالم والسلطان الجائر على ضرب بريء أو أخذ ماله ولو كان غير مسلم كما قال تعالى {وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} فكيف يتصور أن يأمر الله المسلم أن يعين الجائر على ظلم نفسه وأخذ ماله؟! أو أن يصبر على ذلك ولا يدفع عن نفسه كما أذن له على لسان نبيه (من قاتل دون ماله فهو شهيد)؟!
وكيف يأمر الله المؤمنين بقبول الظلم وإقراره على أنفسهم بينما ذكر أهم صفات أهل الإيمان وأنهم يدفعون الظلم وينتصرون ممن ظلمهم فقال {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم}!
وفي الصحيحين عن ابن عمر (على المرء المسلم السمع والطاعة إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)!
فإذا أراد السلطان المسلم الجائر ضرب إنسان، أو أخذ ماله، فإن كان هذا الضرب والأخذ للمال ظلما فهو معصية، فلا سمع ولا طاعة، بنص هذا الحديث الذي في الصحيحين، بل يجب الامتناع ومقاومة الجائر كما في حديث (من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد)!

فكيف ترد كل قطعيات القرآن والسنة هذه بمثل هذه الزيادة الضعيفة (وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) التي ضعفها أئمة الحديث أنفسهم ونقاده كالإمام الدارقطني وهو أعلم أهل عصره بعلم العلل بلا خلاف!
مبحث : في بيان معنى لفظة (اسمع وأطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك) :
وهذه زيادة وردت في حديث محفوظ مشهور عن حذيفة، ولم يذكر عامة الرواة عنه هذه الزيادة، فالموقف منها على ثلاثة أنحاء:

الأول : الحكم عليها بالضعف وردها، أولا لكونها مرسلة منقطعة، وقد أخرجها مسلم في المتابعات لا في الأصول، وثانيا لأنها زيادة تفرد بها راو ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد في حديث محفوظ مشهور، وهذا عند نقاد الحديث علة ترد بسببها هذه الزيادة لو كانت متصلة، فكيف وهي مرسلة منقطعة بلا خلاف!
قال الدارقطني في التتبع فيما استدركه على الصحيحين رقم 53 (وأخرج مسلم حديث معاوية بن سلام عن زيد عن أبي سلام عن حذيفة .. وهذا عندي مرسل لم يسمع أبو سلام من حذيفة)!
وقد وافق الدارقطني على الحكم بالإرسال بين أبي سلام وحذيفة، كل من الحافظ المزي في تهذيب الكمال، والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، والعلائي في جامع التحصيل، والنووي في شرح مسلم حيث قال (قال الدارقطني : هذا عندي مرسل، وهو كما قال الدارقطني)!
وقال محقق الكتاب الشيخ مقبل بن هادي (في حديث حذيفة هذا زيادة ليست في حديث حذيفة المتفق عليه، وهي قوله ((وإن أخذ مالك وضرب ظهرك))، فهذه الزيادة ضعيفة، لأنها من هذه الطريق منقطعة)!
فهذه الزيادة منكرة عند أهل التحقيق، لأنه اجتمع فيها تفرد في الزيادة، وضعف في الرواية!

الثاني : قبول الزيادة بشرط تفسيرها على نحو يوافق النصوص القرآنية والنبوية القطعية، بأن يقال وإن أخذ مالك بالحق وقضى به لخصمك، أو ضرب ظهرك في حد من حدود الله بالحق، فلا تخرج عليه كحال أهل الجاهلية الذين لا يعرفون السمع والطاعة في مثل هذا الأمر، كما قالابن حزم (وكل هذا لا حجة لهم فيه، أما أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق، وهذا ما لا شك فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإن امتنع من ذلك من وجب عليه فهو فاسق عاص لله تعالى، وأما إن كان ذلك بباطل فمعاذ الله أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على ذلك! برهان هذا قول الله عز وجل {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقد علمنا أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام ربه تعالى قال الله عز وجل {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي}، وقال تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}، فصح أن كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو وحي من عند الله عز وجل ولا اختلاف فيه ولا تعارض ولا تناقض،فإذا كان هذا كذلك فيقين لا شك فيه يدري كل مسلم أن أخذ مال مسلم أو ذمي بغير حق وضرب ظهره بغير حق إثم وعدوان وحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)، فإذ لا شك في هذا ولا اختلاف من أحد من المسلمين، فمن أسلم ماله للآخذ ظلما، وظهره للضرب ظلما، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأي وجه أمكنه فهو معاون لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرام بنص القرآن)…

الثالث : حمل الزيادة على معنى خاص لا يتعارض مع النصوص الأخرى، وهو الحث على لزوم الجماعة ولزوم الخلافة في عصور الفتن، حتى وإن تعرض المسلم للتعذيب بسبب ذلك، فالخلافة العامة عصمة من الفتنة العامة، وقد ضبطت اللفظة على المبني للمجهول (وإن أُخذ مالك، وضُرب ظهرك)! كما في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 15/344 !
ويكون المعنى الزم الخلافة والجماعة، حتى وإن أوذيت بسبب ذلك على يد أهل الفتنة والفرقة فأخذوا مالك وضربوا ظهرك، كما فعل الخوارج في المسلمين حين كانوا يمتحنونهم بالبيعة لهم، ونقض بيعة خلفاء المسلمين!
ويزيده وضوحا رواية أبي داود الطيالسي لحديث حذيفة وفيه التحذير من دعاة الفتنة حيث ورد في روايته ثم يكون (دعاة الضلالة فإن رأيت يومئذ لله عز وجل في الأرض خليفة، فالزمه وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك، فإن لم تر خليفة فاهرب حتى يدركك الموت وأنت عاض على جذل شجرة).
فالمقصود ليس الصبر على الجائر حتى وإن أخذ المال واستحل الضرب، بل الصبر على لزوم الخلافة العامة وجماعة الأمة، مهما تعرض المسلم للأذى على يد دعاة الضلالة والفرقة بسبب لزومه للخلافة والجماعة!
ويزيده بيانا حديث حذيفة بن اليمان المتفق عليه في الصحيحين([15]) حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا كنا في جاهلية وشر فأتانا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: نعم!
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟
قال: نعم! وفيه دخن.
قلت: وما دخنه يا رسول الله؟
قال: قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر!
قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم! دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها.
قيل صفهم لنا يا رسول الله قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم!
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال:اعتزل تلك الفرق كلها)!
وفي رواية أحمد (قلت ثم ماذا ؟ قال ثم تكون دعاة الضلالة، قال فإن رأيت يومئذ خليفة الله في الأرض فالزمه، وإن نُهك جسمك وأُخذ مالك، فإن لم تره فاهرب في الأرض ولو إن تموت وأنت عاض بجذل شجرة).([16])
ففيه تحذير من طاعة دعاة الضلالة والدعاة على أبواب جهنم، حتى وإن أخذوا ماله وضربوا ظهره، والأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، إن كانت الخلافة قائمة، وإلا وجب على الفرد اعتزال تلك الفرق كلها، ووجب على الأمة بمجموعها القيام بواجبها في أن تقيم الجماعة الواحدة والخلافة الراشدة!

فقسم هذا الحديث الصحيح عن حذيفة الأطوار التي تمر بها الأمة، وأنظمتها السياسية، وخطابها السياسي إلى ثلاث مراحل:

أولا: مرحلة الخير المحض، وهو عهد النبوة والخلفاء الراشدين، حيث يسود الخطاب السياسي المنزل، وحيث الأمة الواحدة، والإمامة والخلافة الواحدة، ثم تحدث فتنة وشر، وهو ما جرى من فتن في آخر عهد الصحابة، وهي إرهاصات التحول إلى مرحلة جديدة.

ثانيا: مرحلة الخير الذي فيه دخن، حيث يظهر الخطاب المؤول، ويكون الناس جماعة واحدة على دخن فيهم وبينهم، وتختلط السنة بالبدعة، والخطاب المنزل بالمؤول، حيث يكون خلفاء يخلطون الخير بالشر، والمعروف بالمنكر، والسنة بالبدعة، كما قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم (يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر).
وهم الذين قال فيهم كما في الحديث الصحيح في مسلم (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)، وقال أيضا (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما)..الخ
وهؤلاء هم الذين تنزل عليهم أحاديث الصبر على ما قد يقع منهم من أثرة، مع أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعانتهم على الحق.
وهذه هي مرحلة الخطاب المؤول التي ظلت الخلافة فيه قائمة نحو ألف ومائتي عام، منذ استشهاد آخر خليفة صحابي وهو عبد الله بن الزبير سنة 73هـ إلى سقوط آخر خلافة للمسلمين وهي الخلافة العثمانية على يد الجيوش الصليبية الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى!

ثالثا: ثم مرحلة الشر المحض، وهي مرحلة الخطاب المبدل كلية، وما أقامته الحملة الصليبية على أنقاض الخلافة من دويلات طوائف على أسس قومية ووطنية، لتغيب لأول مرة في تاريخ المسلمين الخلافة الجامعة، ولتتشرذم الأمة والجماعة الواحدة، وتتعطل الشريعة الحاكمة، حيث الفتنة العمياء الصماء فلا جماعة ولا خلافة، ليقوم فيها دعاة من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيه، حيث يحكم الأمة ويتصرف فيها خطاب سياسي مبدل، قوميا تارة، واشتراكيا تارة، وشيوعيا تارة ثالثة، ورأسماليا ليبراليا تارة أخرى!!

ومما يؤكد أن الانحراف المقصود بهذا الحديث هو الانحراف في الخطاب السياسي، ما جاء في آخره(قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال:الزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: اعتزل تلك الفرق كلها)!
فجعل العصمة من هذه الفتنة العامة، لا بلزوم الكتاب والسنة الذين يجب لزومهما في كل وقت وحال، بل بلزوم النظام السياسي الإسلامي المتمثل في الخلافة الجامعة، والأمة الواحدة، وفي رواية أحمد وأبي داود (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه وإن أُخذ مالك وضُرب ظهرك)!

فدل على أن المحدثات والبدع هي في الخطاب السياسي الذي يسوس شئون الأمة على غير هدى الكتاب والسنة وسنن الخلفاء الراشدين، كما في الحديث الصحيح (من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، حيث بدأت بالملك العضوض، ثم يأتي زمان تزول فيه الخلافة كلية، ويكون البديل عنها جبابرة وطواغيت ودعاة على أبواب جهنم، كل طاغوت يحكم في بلده وفق هواه وشهواته وياسقه!

ثم ستعود بعد ذلك خلافة على نهج النبوة من جديد، كما جاء في أحاديث صحيحة أخرى عن حذيفة نفسه!
فربط حديث حذيفة الانحراف بما سيجري من افتراق الجماعة والإمامة، وهو موضوع سياسي، إذ توحيد الأمة السياسي قرين توحيدها الديني كما في الحديث الصحيح (إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا….)!

ويزيده وضوحا ما جاء عن حذيفة نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم تكون ملكا عاضا، ثم تكون ملكا جبرية، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).([17])
وعن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه قال سمعت حذيفة رضي الله تعالى عنه يقول (لكأني براكب قد أناخ بكم فقال الأرض أرضنا والمال مالنا، فحال بين الأرامل والمساكين وبين المال الذي أفاء الله على آبائهم).([18])

فكل هذه الأحاديث التي كان يحدث بها حذيفة بن اليمان تتحدث عن فتن سياسية، وعن انحراف في الخطاب السياسي، وعن بعض ملامح هذا الانحراف، وأنها تطرأ على الخلافة وتحولها من خلافة راشدة وشورى على نهج النبوة، إلى خلافة ملك عضوض، ثم ملك جبري قهري، واستبداد بالسلطة، واستئثار بالأموال، وأن من يفعلون ذلك سيدعون أن الأرض أرضهم والمال مالهم، بعد أن كانت الأرض للأمة والمال مالها!

وقد وردت أحاديث كثيرة كحديث حذيفة، تحدد ملامح الانحراف في الخطاب السياسي وتحوله من خلافة راشدة، ثم خلافة رحمة، إلى خلافة ملك عضوض، ثم إلى جبابرة وطواغيت ومن ذلك:

1- عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت، يستحل فيها الخمر والحرير)، وفي رواية (إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبرية يستحل فيها الدم)، وفي رواية من حديث قتادة عن الخشني عنه (أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، ثم تصير جبرية وعبثا)، وفي رواية من حديث عبد الرحمن بن جبير عن أبي عبيدة مرفوعا (أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا، وفيه رحمة، ثم جبروت تضرب فيها الرقاب، وتقطع فيها الأيدي والأرجل، وتؤخذ فيها الأموال).([19])
2- عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملكا وجبرية، ثم ملكا عضوضا يستحل فيه الحر والحرير).([20])
3- عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(إنه بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم كائن خلافة ورحمة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الحرير والخمور والفروج والفساد في الأرض).([21])
4- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال(إنها ستكون ملوك ثم جبابرة ثم الطواغيت).([22])
5- وعن كعب قال( أول هذه الأمة نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم سلطان ورحمة، ثم ملك جبرية، فإذا كان ذلك فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها).([23])
ويظهر من مجموع هذه الأحاديث أنه تكون بعد النبوة ثلاث نظم سياسية:

أولا: خلافة رحمة على نهج النبوة، وهي التي تعبر عن مضامين الخطاب المنزل، وهي تنقسم إلى فترتين: خلافة نبوة، وهو عهد الخلفاء الراشدين، وخلافة رحمة، وهم الخلفاء من الصحابة بعد الخلفاء الراشدين، كما فصلته في (تحرير الإنسان).

ثانيا: خلافة مشوبة بملك فيه رحمة، وسلطان ورحمة، وملك أعفر مختلط، وهو الذي يمثل الخطاب المؤول، وهم الخلفاء الذين تتابعوا بعد عهد الصحابة من خلفاء بني أمية وبني العباس وبني عثمان، حيث يكون الأمر فيه بالمغالبة والقوة وهو خلافة الملك، مع العدل والصلاح والحكم بالشريعة والجهاد في سبيل الله، إلا أنه تختلط فيه السنة والبدعة، والمعروف والمنكر، وسلطان ورحمة، وملك أعفر، ويختلط فيه الخير والشر، والرحمة والشدة، والاستبداد والعدل، كما في الحديث الصحيح (تعرف منهم وتنكر)، ثم يزول هذا الأمر كلية.

ثالثا: ثم تزول الخلافة كلية ويخلفها جبرية وطاغوتية وعبث لا رحمة فيه، وجبابرة وطواغيت، يستحلون فيها كل المحرمات، وتضرب فيها الرقاب، وتسفك الدماء، وتقطع الأيدي والأرجل، وتؤخذ الأموال، ويستباح الخمر والربا والزنى، فلا خلافة، ولا جماعة واحدة، ولا شريعة حاكمة، ولا جهاد قائم، وهم الذين قال فيهم الحديث (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوها فيها)، وهم الذين أوجب الشارع على الأمة اعتزالهم!

وهو الواقع المعاصر الذي زالت فيه الخلافة الإسلامية كلية لأول مرة في تاريخ الأمة، بعد أن ساد المسلمون العالم مدة ثلاثة عشر قرنا بالخلافة والجماعة، فحدث ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بحذافيره، وحل محل ذلك خطاب سياسي مبدل، على يد الحملة الصليبية في الحرب العالمية الأولى، التي أقامت على أنقاض الخلافة دويلات الطوائف والفتنة، حيث تم تعطيل الشريعة الإسلامية كلية، وتم استباحة الربا والخمر والزنى، وقام فيها الطواغيت في عامة أمصار المسلمين، وتسلطت أنظمة حكم بدعم من الاستعمار الأجنبي بما لا عهد للأمة به في تاريخها كله، حتى تحول العالم العربي خاصة إلى سجن كبير لشعوبه، وحتى بلغ سجناء الرأي في بعض دوله في مدة واحدة مائة ألف سجين، وقام فيه دعاة للطواغيت من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، يدعون إلى أبواب جهنم!

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري (وقوله هم من جلدتنا أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا وفيه إشارة إلى أنهم من العرب ..وقوله (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام)، قال البيضاوي المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان..).

رابعا: ثم ستزول هذه الأنظمة، لتعود من جديد خلافة على نهج النبوة، وستعود وحدة الأمة من جديد، وتعود أحكام الشريعة من جديد بالعدل والقسط والرحمة والعلم، وتعود للأمة حريتها وخلافتها في الأرض من جديد،كما بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكما تشهد به إرهاصات الواقع المعاصر،وما ذلك على الله بعزيز، إلا إن الإصلاح لن يحدث فجأة، كما أن الانحراف لم يحدث فجأة، بل على مراحل كما هي سنن الله التي لا تتخلف، وكما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء)، وكما في الحديث الآخر عن معقل بن يسار رضي الله عنه مرفوعا(لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره).([24])

فمن ظن أن كل سلطة هي سلطة شرعية مهما كانت طبيعة النظام السياسي، وأن كل ذي سلطان مهما كان حاله يجب طاعته، فقد خالف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، بل إن أهل السنة والجماعة لا يعترفون بأي نظام حكم إلا بالخلافة على أصولها، كما جاء في الحديث الصحيح (من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)!
وفي الصحيح (يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)..
وفي الحديث الأخر الصحيح (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما)..

فأهل السنة والجماعة وهم عامة الأمة، يرون الخلافة الواحدة هي النظام الشرعي الوحيد في الإسلام، ولا يعترفون بتعدد الأئمة، ولا بافتراق الأمة، فإذا كانت الأمة جماعة واحدة على إمام واحد، يحكم بينهم بما أنزل الله، فهذا الذي تجب طاعته بالمعروف، فإن كان زمن فتنة وفرقة، ولا خلافة ولا جماعة، كما هو حال الأمة اليوم، فلا بيعة تلزم الأمة لواحد من المختلفين، فقد سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)، فقال: (أتدري من ذاك، ذاك الذي يقول المسلمون كلهم هذا هو الإمام)!

وفي رواية أخرى قال أحمد (تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع المسلمون عليه كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه).([25])
واحتج بفعل ابن عمر نفسه، راوي هذا الحديث، فإنه كان يقول: (لا أبذل بيعتي في فرقة، ولا أمنعها في جماعة)، وعن سعيد بن حرب العبدي قال:(كنت جليسا لعبد الله بن عمر في المسجد الحرام، زمن ابن الزبير، وفي طاعة ابن الزبير رؤوس الخوارج نافع بن الأزرق، وعطية بن الأسود، ونجدة، فبعثوا شابا إلى عبد الله بن عمر يسأله: ما يمنعك أن تبايع لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين؟ فرأيته حين مد يده وهي ترجف من الضعف فقال: والله ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة).([26])
وسأله عبد الله بن صفوان (يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تبايع أمير المؤمنين يعني ابن الزبير؟ فقد بايع له أهل العروض، وأهل العراق، وعامة أهل الشام؟ فقال: والله لا أبايعكم وأنتم واضعوا سيوفكم على عواتقكم تصبب أيديكم من دماء المسلمين).([27])
وهذا مذهب محمد بن علي رضي الله عنه المشهور بابن الحنفية، فقد أراد منه ابن الزبير البيعة فأبى، وأراد منه عبد الملك البيعة فرد عليه برسالة(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى عبد الملك بن مروان سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد عرفت رأيي في هذا الأمر قديما، وإني لست أسفهه على أحد، والله لو اجتمعت هذه الأمة علي إلا أهل الزرقاء ما قاتلتهم أبدا، ولاعتزلتهم حتى يجتمعوا، نزلت مكة فرارا مما كان بالمدينة فجاورت ابن الزبير وأراد مني أن أبايعه فأبيت ذلك حتى يجتمع الناس عليك أو عليه، ثم أدخل فيما دخل فيه الناس فأكون كرجل منهم).([28])
فإذا كان ابن عمر ومحمد بن الحنفية وأحمد بن حنبل لا يرون البيعة ولا السمع والطاعة حال افتراق الأمة على رجلين في الحجاز والشام، فكيف بهذا العصر الذي هو عصر الشر المحض والدعاة إلى أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، وهو الذي لا جماعة فيه ولا خلافة عامة، بل فرقة عامة وتشرذم ودويلات طوائف وملوك وجبابرة وطواغيت، لكل دولة دعاة يدعون لطاعة طاغوتها، ولها خطاب يخالف خطاب القرآن والسنة، وما كان عليها الخلفاء الراشدون، بل وما كان عليه الخلفاء المسلمون حتى في عصر المحدثات، حيث تغيب اليوم الخلافة تماما، وتتعطل أحكام الشريعة، وتستحل فيه المحرمات والموبقات وتسفك الدماء ظلما وعدوانا وطغيانا، وهو هذا الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم منذ سقوطها تحت جحافل الاستعمار الغربي في الحرب العالمية الأولى، تلك الحملة التي فرضت على الأمة واقعاً سياسياً واقتصاديا وتشريعيا وثقافيا وعسكريا يصطدم بأصول دينها وأحكام شريعتها، فأسقطت خلافتها، وفرقت وحدتها، وأقصت شريعتها، وعطلت قدرتها وقوتها، وأقامت بدلا من ذلك دويلات قطرية وحددت حدودها وفق مصالحها الصليبية الاستعمارية في العالم الإسلامي، وهو ما لم يحدث في تاريخ الأمة كله مدة ثلاثة عشر قرنا، فتحولت تلك الدويلات القطرية إلى كيانات هشة ضعيفة متخلفة وقواعد عسكرية للدول الاستعمارية والقوى الدولية!

كما فرضت تلك الحملة الاستعمارية الصليبية على الأمة القوانين والتشريعات الوضعية الغربية الفرنسية والبريطانية والسويسرية حتى غدت المصدر التشريعي الرئيسي في عامة أقطارها ولم يعد التحاكم للشريعة وللكتاب والسنة قائما بل ولا مسموحا به إلا هامشيا!

وتم استباحة الربا الصريح بكل صوره حتى شاعت مؤسساته في كل قطر وصار الاقتصاد فيها قائما عليه حتى تحولت أكثر بلدان العالم الإسلامي والعربي خاصة إلى أكبر مدين للدول الغربية الصليبية التي تتحكم بأسواقها ومنتجاتها وقراراتها الاقتصادية وأصبح العالم العربي كله يعيش حالة من التبعية للغرب والتخلف الاقتصادي والتنموي والمعرفي.

كما تم فرض ثقافة غربية صليبية تحرم على الأمة حقها في الجهاد في سبيل الله والدفاع عن أرضها ودينها وحقوقها وثرواتها بذريعة مكافحة الإرهاب – في الوقت الذي تشن أمريكا وأوربا الحروب الصليبية على الأمة – حتى وصل الأمر إلى كافة المنابر الثقافية والإعلامية والمناهج التعليمية، فتشكلت ثقافة دينية وسياسية ممسوخة ترسخ وجود الاحتلال، وتكرسه باسم الإسلام تارة، وباسم المصلحة الوطنية تارة أخرى!

كما فُرض على الأمة حصار معرفي صناعي وتقني وربطت تلك الأقطار والدويلات بمعاهدات عسكرية بالدول الصليبية تحول دون قدرتها على الدفاع عن نفسها والاستقلال بقرارها وسيادتها، حتى تحولت إلى أكبر قاعدة عسكرية للجيوش الغربية الصليبية الاستعمارية تنطلق منها لشن حروبها على شعوب العالم الإسلامي، وإذا الأمر يصل حد موالاتهم والقتال معهم لترسيخ شوكتهم وهو باب ردة جامحة كما قال تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} بينما اشترط في الولاية الشرعية على المؤمنين أن تكون منا {وأولي الأمر منكم}!

ومع هذا كله فما من بلد من هذه البلدان وهذه الفرق – التي افترقت عن الخلافة وفارقت الإسلام والكتاب والسنة وهدي الخلفاء الراشدين على اختلاف مستويات هذا الافتراق – إلا ولها دعاة ضلالة على أبواب جهنم يدعون الأمة إلى طاعة أنظمتها وطغاتها، ويعظمون أمرهم ويوجبون طاعتهم ومولاتهم باسم الإسلام والسنة وسلف الأمة! ويزينون باطلهم حتى صار المنكر معروفا والمعروف منكرا وصارت طاعة الطواغيت – الذين يعطلون حكم الله ويحاربون الله ورسوله والمؤمنين – من طاعة الله ورسوله!

هذا مع أن القرآن قد أمر المؤمنين بالكفر بهم كما قال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}!
وحذر من اتباعهم وطاعتهم فقال {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}!
وأمر بجهادهم والتصدي لهم فقال {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان}!
وقد بين القرآن معنى الطاغوت الذي جاءت الرسل كلها للتحذير منه كما قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}..

فبين القرآن أن الطاغوت ثلاثة أنواع إما:

1 ـ طاغوت العبادة {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها}.
2ـ أو طاغوت الحكم والتحاكم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} وهو يصدق على كل من يحكم بغير حكم الله ورسوله كأكثر الحكومات العربية اليوم!
3 ـ أو طاغوت الاتباع والتولي والطاعة {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}!
وقد أخبر القرآن بأن الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت سواء منهم من يقاتل في سبيل طاغوت العبادة، أو في سبيل طاغوت الولاية والطاعة والاتباع، أو في سبيل طاغوت الحاكمية، سواء بيده أو لسانه وقلمه وفتواه!
وقد أمر القرآن بجهاد كل هؤلاء بكل أنواع الجهاد وصوره فقال تعالى {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان}!
وهذه الآيات تصدق على الذين افتتنوا في تعظيم الطغاة وتعظيم أمرهم والدعوة إلى وجوب طاعتهم – مهما خرجوا عن طاعة الله ورسوله ومهما اختلفت طبيعة أنظمتهم وحكوماتهم – بدعوى أنهم ولاة أمر!
وقد وصل بهم الحال وتطورت بهم الأحوال حتى زعموا أن ما يدعون إليه من طاعة الطاغوت وموالاته ونصرته بل ومحبته والتحاكم إليه هو السنة وما كان عليه سلف الأمة! وأن من يدعو إلى العودة إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة والعودة إلى سنن الخلفاء الراشدين وهديهم في باب الإمامة وسياسة الأمة بالعدل والقسط خوارج وحرورية..الخ!
وأخذوا ينزلون كلام الأئمة وسلف الأمة في خلفاء المسلمين من بني أمية وبني العباس وبني عثمان – حيث الخلافة قائمة والشريعة حاكمة والجهاد ماض – على طواغيت دويلات الطوائف الصليبية التي أقامها الاستعمار في المنطقة على أنقاض الخلافة العثمانية، وعلى حكوماته العميلة له على اختلاف أشكالها وصورها وكفرها من شيوعية واشتراكية وإباحية وشهوانية ومادية ممن قال الله فيهم {اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا}!
ولا يفرقون بين من قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (أمراء يهتدون بغير هدي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر) – وهو الخير الذي فيه دخن حيث وجود الخلافة عاصم للأمة من الفتنة العامة – ومن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (دعاة على أبواب جهنم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) وهو زمن الفتنة العامة والشر المحض حيث لا خلافة قائمة ولا أمة واحدة وإنما فرق شتى أمر الشارع باعتزالها فقال (فاعتزل تلك الفرق كلها)!
فجعلوا جميع الرؤساء المجرمين، والطغاة الملحدين، كالخلفاء المسلمين في وجوب موالاتهم وطاعتهم والرضا بحكمهم ونصرتهم وتثبيت أمرهم والقتال معهم..الخ مهما خالفوا وغيروا وبدلوا!
فجمعوا بين من فرق الله ورسوله بينهم في الأسماء والأحكام، وعطلوا فيهم ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمة الإسلام!
والمقصود مما سبق بيان ما يلي:

1- أن للولاية الشرعية شروطها، وهي أن تكون خلافة واحدة، فإذا افترقت الأمة فهو زمن فتنة فلا تجب فيه بيعة أحد، ولا تلزم المسلمين بيعة أحد حتى يجتمعوا، كما هو قول أئمة أهل السنة ومنهم أحمد بن حنبل، كما يشترط لها أن تكون عن شورى ورضا، فلا شرعية مع الإكراه والقوة كما قال مالك، والشرط الثالث أن يكون الخليفة عدلا لم يشتهر بجور ولا فجور، فالولاية التي توفرت فيها هذه الشروط فهي الولاية الشرعية التي أجمع عليها الصحابة والأئمة وسلف الأمة، وهي التي طاعتها من طاعة الله ورسوله، وهي التي تلزم لها البيعة في عنق كل مسلم حال وجودها.

2- وأن كلام الصحابة وسلف الأمة وأئمة أهل السنة في الصبر على جور الأئمة والسمع والطاعة لهم، إنما يقصدون به الصبر على الخلفاء المسلمين – في ظل خلافة الإسلام، الذين يحكمون بالشريعة ويحمون البيضة – مراعاة للمصالح الكلية، فلا يقصدون الصبر على كل سلطان وإن كان كافرا أو مرتدا أو زنديقا أو سفيها يوليه العدو الصليبي الحكم ويقوم بحمايته، ولا يقصدون كل دولة وإن كانت قومية أو وطنية، ولا يقصدون كل نظام سياسي غير الخلافة، سواء كان شيوعيا أو بعثيا أو اشتراكيا أو ليبراليا أو شهوانيا!
فمن ظن ذلك في الصحابة وسلف الأمة وأئمة أهل السنة وأنهم يقصدون السمع والطاعة لمثل هذه الأنظمة الطاغوتية فهو لم يعرف الإسلام والسنة وما كان عليه سلف الأمة!
وكيف يتصور ذلك والقرآن يدعو إلى الكفر بهم والبراءة منهم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}!

3- ولا يوجد اليوم إمامة وولاية شرعية إسلامية في ظل غياب الخلافة، ولا بيعة شرعية عامة تلزم الأمة في ظل الافتراق، ولا سمع ولا طاعة شرعية للحكومات الموجودة اليوم، لعدم وجود الخلافة الواحدة والأمة الواحدة، كما هو قول أئمة أهل السنة قديما وحديثا، وكما أفتى بذلك الشيخ الألباني من المعاصرين كما نقلته عنه في (تحرير الإنسان ص 203) حيث سئل عن البيعة للحكومات الحالية فقال (من قال لك أنه فيه بيعة اليوم؟ البيعة لا تكون إلا للخليفة الذي يبايعه المسلمون جميعا)! وسئل عن تعدد الحكومات والأمراء فقال (لا يجوز لا يجوز)!
وإنما الولاية لهذه الحكومات إما ولاية قهرية جبرية اضطرارية بحكم الأمر الواقع، وهذا حال الحكومات العربية، أو ولاية تعاقدية اختيارية دستورية، ولكل أحكامها في فقه النوازل!

4- وأن للأمة ولشعوبها في هذا الدول الثورة على هذه الحكومات القهرية الجبرية غير الشرعية وتغييرها ولو بالقوة فضلا عن الثورة السلمية التي تحقق المطلوب بأقل التضحيات، ولا يشترط أن لا يخرج الناس عليها إلا من أجل الدين، بل لكل إنسان أن يشارك في الثورة للدفاع دون أي حق أو مظلمة له، وإن كان خروجه لأجل الدين أعلاها وأشرفها..

5- وأن كل من خرج عليها بشكل سلمي يدعو للإصلاح ورفع الظلم فقتلته فهو شهيد، وكل من رد عدوانها وقاتلها فقتل فهو شهيد.

وأما كيف يكون التعامل مع هذه الحكومات غير الشرعية في حال العجز عن تغييرها، أو في حال استبدالها بما هو أخف شرا وضررا منها، فهذا ما فصلت فيه القول في كتابي (تحرير الإنسان)، وفي كتابي (نحو وعي سياسي راشد)، وكتابي (الفرقان)، وغيرها من الدراسات، وكلها في موقعي وفي موقع مجلة مؤتمر الأمة، والله الهادي إلى سواء السبيل..

________________________________________
([1]) مصنف ابن أبي شيبة 7/559 بإسناد صحيح .
([2]) انظر تبصرة الحكام 2/96 .
([3]) ابن جرير الطبري 4/427 ، حوادث سنة 145هـ ، وسير أعلام النبلاء 8/80 .
([4]) العقد المنظم بحاشية تبصرة الحكام 2/195 – 197 .
([5]) الفتاوى 6/116 .
([6]) المحلى 11/98 – 99 .
([7]) الفتاوى 6/116 .
([8]) شرح مسلم للنووي 12/229 .
([9]) فتح الباري 3/123 .
([10]) المصدر السابق.
([11]) تفسير ابن كثير 1/227.
([12]) جامع الأحكام للقرطبي 2/93.
([13]) جامع الأحكام للقرطبي 2/93.
([14]) التحرير والتنوير 1/406 .
([15]) صحيح البخاري ح 6673،وصحيح مسلم ح 1847،وسنن أبي داود ح 4246 ،وأحمد في المسند 5/ 386.
([16]) سنن أبي داود ح 4244 ،وأحمد في المسند 5/ 403 بإسناد حسن.
([17]) رواه أحمد في المسند 4/273 ، والطيالسي في مسنده 438، وهو صحيح الإسناد، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح (5) .
([18]) حلية الأولياء 1/275 بإسناد صحيح عن حذيفة قوله وله حكم المرفوع إذ مثله لا يقال بالرأي.
([19]) رواه الدرامي في السنن ح 2101 ، والبزار ح 1282، من حديث مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة، ورجاله ثقات غير أن فيه إرسالا، فلم يسمع مكحول من أبي ثعلبة، وقال الحافظ ابن حجر في الإمتاع ص 28 حديث حسن. ورواه نعيم بن حماد في الفتن ح 235 عن يحيى بن سعيد العطار عن أيوب عن قتادة عن أبي ثعلبة به، والعطار ضعيف، ورواه نعيم أيضا ح 233 من طريق عبد الرحمن بن جبير عن أبي عبيدة، وهو مرسل.
([20]) رواه الطبراني في الكبير 22/223 ،من حديث مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، ورجاله ثقات غير أن فيه إرسالا، فلم يسمع مكحول من أبي ثعلبة، وهو حديث أبي عبيدة الذي قبله، وقال الحافظ ابن حجر في الإمتاع ص 28 حديث حسن.
([21]) رواه أبو داود الطيالسي ح 228، وأبو يعلى الموصلي في مسنده ح 873، والطبراني في المعجم الكبير 1/128 و20/53، وابن عبد البر في التمهيد 14/245 كلهم من حديث ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة عنهما، وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في الإمتاع ص 28 من طريق الطيالسي وقال حديث حسن. ورواه الطبراني في الكبير 1/157 وحماد بن نعيم في الفتن ح 239 كلاهما من طريقين فيهما ضعف عن حبيب بن أبي ثابت عن رجل من قريش عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة وبشير بن سعد نحوه، وليس في رواية نعيم عن رجل من قريش عن أبي ثعلبة، بل أرسله حبيب عن أبي عبيدة وبشير بن سعد، ويتقوى بما سبق.
([22]) ابن أبي شيبة في المصنف رقم 30565 و37193 بإسناد صحيح، وشمر بن عطية الرواي عن أنس ذكره ابن سعد في طبقاته في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقد توفي في حدود سنة 120 هـ، فالراجح سماعه من أنس الذي تأخرت وفاته إلى ما بعد 90 هـ، خاصة أنه لم يعرف بتدليس، فعنعنته عن أنس محمولة على السماع، وقد صحح ابن حبان والحاكم حديث الأعمش عن شمر، وروى شعبة عن الأعمش عن شمر حديثا، وهو لا يروي عن الأعمش إلا ما صرح فيه بالسماع، فثبت سماع الأعمش من شمر، والحديث موقوف له حكم المرفوع.
([23]) نعيم في الفتن رقم 237 ومن طريقه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء 6/25،بإسناد حسن.
([24]) رواه أحمد في المسند 5/26 عن الزبيري عن خالد بن طهمان عن نافع عن معقل، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 5/356(فيه خالد بن طهمان وثقه أبوحاتم وابن حبان، وقال يخطئ ويهم، وباقي رجاله ثقات)، وقال الحافظان الذهبي وابن حجر عن ابن طهمان (صدوق)، وقد رمي بالاختلاط ولهذا ضعفه ابن معين، إلا أن الترمذي حسن له حديثا من رواية أبي أحمد الزبيري وكذا صححه له الحاكم حديثا من روايته عنه، فالظاهر أن سماعه منه كان قبل اختلاطه.
([25]) رواه الخلال في السنة أثر رقم 10،بإسناد صحيح عن الإمام أحمد،وانظر أيضا الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص23،ومنهاج السنة 1/112 .
([26]) رواه البخاري في التاريخ الصغير رقم 794،والبيهقي في السنن الكبرى 8/193 ـ ط عطا ـ بإسناد حسن،ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 31/190.
([27]) رواه البيهقي في السنن الكبرى 8/192 ـ ط عطا ـ بإسناد صحيح على شرط البخاري،ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 31/190.
([28]) طبقات ابن سعد 5/ 108.

شعبان 1432 هجرية 

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =