السحر وأشياء أخرى : 1/5- آيات متشابهات

قصة هاروت وماروت
مقالات الدكتور نور : السحر واشياء أخرى 1/5

أحاديث آخر الزمان : السحر وأشياء أخرى : 1/5- آيات متشابهات

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ

وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ
وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)
/البقرة/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكن اعتبار هذه الآية أنها من الآيات المتشابهات وليست من المحكمات
لأن المفسرين اختلفوا فيها قديماً وحديثاً ولهم فيها آراء متباينة وكثيرة
القرآن الكريم – كما تعرفون – فيه آيات مُحكمات واضحات الدلالة ولا يختلف فيها اثنان، وهنّ أم الكتاب، وجميع آيات أصول الإيمان وأحكام التكليف هي من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، لكن في القرآن أيضاً آياتٌ قليلة هي من المتشابهات التي يلتبس معناها على معظم الناس.
في هذه الحالات يقول ابن كثير:
“من ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكّم مُحكمه على متشابهه فقد اهتدى، ومن اتبع المتشابه وعارض به المحكم فقد فُـتن و ضل.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لو بحثتم في تفسير هذه الآية لوجدتم تبايناً كبيراً بين المفسرين وخصوصاً في تأويل جملة واحدة (غامضة) في هذه الآية وهي (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ)
وأكثر شيء اختلف عليه المفسرون في هذه الجملة هو إعراب كلمة (ما) ، و ماهية المَلَكين هاروت و ماروت.
هناك من اعتمد على الاسرائيليات لتفسيرها، وهناك من غيّر الحركات في كلمة ( مَلَكين) فقال أن هاروت وماروت هما مَلِكان ( بكسر اللام، وجمعها ملوك) لأن الملائكة معصومة ولا يمكن أن تعلم السحر.
وهناك من قال أن المَلَكين ليسا مَلَكين بالمعنى الحرفي وإنما بالمعنى المجازي، وزعموا أنهما شخصان مخادعان أوهما الناس أنهما من الملائكة، أو ظن الناس فيهما هكذا.
وهناك من قال أنهما ملكان هبطا من السماء ونزعت عنهما العصمة وأودعت فيهما شهوات البشر فامتحنا فسقطا
هناك من افترض وجود تأخير أو تقديم في ترتيب كلمات العبارة
وقال أنه لم ينزل على الملكين شيء من السماء وكلمة (ما) في العبارة هي نافية ، وقصة الملكين لا وجود لها أصلاً، وترتيب الجملة في الآية هو ما كفر سليمان وما أنزل على الملكين.
وهناك من عارضهم وقال أن (ما) هي اسم موصول ومعنى الجملة: الشياطين يعلمون الناس السحر، ويعلمون الناس العلم الذي أنزل على الملكين
وهناك من قال أن الشياطين يعلمون الناس السحر، أما

الملكين هاروت وماروت

فكانا يعلمان كيفية مواجهة هذا السحر، ولكن ذلك يتضمن تعليمهم كيف يعمل السحر ليتعلموا منهما كيفية مواجهته.
إلى آخر هذه الأقوال المتضاربة التي قد تقترب من الحقيقة أو تبتعد عنها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في التفسير الميسر نقرأ ما يلي :

http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura2-aya102.html

واتبع اليهود ما تُحَدِّث الشياطينُ به السحرةَ على عهد ملك سليمان.
وما كفر سليمان وما تَعَلَّم السِّحر كما زعم اليهود، ولكنَّ الشياطين هم الذين كفروا بالله حين علَّموا الناس السحر؛ إفساداً لدينهم.
وكذلك اتبع اليهود السِّحر الذي أُنزل على الملَكَين هاروت وماروت، بأرض “بابل” امتحاناً وابتلاء من الله لعباده، وما يعلِّم الملكان من أحد حتى ينصحاه ويحذِّراه من تعلم السحر، ويقولا له: لا تكفر بتعلم السِّحر وطاعة الشياطين، فيتعلم الناس من الملكين ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرقا.
ولا يستطيع السحرة أن يضروا به أحداً إلا بإذن الله وقضائه.
وما يتعلم السحرة إلا شراً يضرهم ولا ينفعهم، وقد نقلته الشياطين إلى اليهود، فشاع فيهم حتى فضَّلوه على كتاب الله.
ولقد علم اليهود أن من اختار السِّحر وترك الحق ما له في الآخرة من نصيب في الخير. ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم عِلْمٌ يثمر العمل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي التفسير القديم المعتمد على الإسرائيليات نقرأ:
http://shamela.ws/browse.php/book-37048/page-330
عن ابن عمر عن كعب الأحبار قال:
ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت
فقال لهما: “إني أرسل إلى بني آدم رسلاً وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئاً ولا تزنيا ولا تشربا الخمر”
قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه.
/مصنف عبد الرزاق ، وكذلك في مسند الامام احمد أخرجه عن ابن عمر مرفوعاً إلى النبي ، وهو بسند ضعيف وبمتن آخر فيه بعض الاختلاف بالتفاصيل و ذكر فيه امرأة تدعى الزهرة أغوت الملكين /
و جميع العلماء المعاصرين تقريباً ردوا هذه الرواية، وكذلك قال الحافظ بن كثير: “إنها من أخبار بني إسرائيل، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلا تثبت قصة في إنزال الملكين “
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشيخ الشعراوي

رحمه الله ينفي أيضاً صحة الحديث الضعيف الوارد في مسند الامام أحمد ومصنف عبد الرزاق ويفسر هذا الجزء من الآية كالتالي:
https://www.youtube.com/watch?v=rcNIjWQjeaM&t=217s
هاروت و ماروت هما ملكان حقيقيان أرسلهما الله إلى الأرض كفتنة و امتحان
وبما أن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون الله، ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كُلِّف به من الله جل جلاله، وهذان الملكان كلفا بأن يُعلما الناس نوعاً من السحر، وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك، والفتنة هي الامتحان.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}.. إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي إلى الكفر، وأنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه، وأن ضررها لا يقع إلا بإذن الله.. فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما الشيخ راتب النابلسي فيفسر هذا الجزء كالتالي:

https://www.youtube.com/watch?v=wCQBuUVd2oY
هاروت وماروت رجلين من البشر كانا يتظاهران بالصلاح فظن الناس فيهما أنهما ملَكين من السماء وأن ما يعلمانه من سحر هو من الله
والله ينفي أنه أنزل سحراً على هذين الرجلين اللذان يظن الناس أنهما ملكين، وبذلك يكون حرف (ما) هنا هو حرف نفي
و لفظ الملَكين جاء حسب العرف الجاري والشائع بين الناس
أي كما نطلق أحياناً قول آلهة اليونان ، مع انهم ليسوا آلهة حقاً
أو كما يستخدم الناس بعض مصطلحات الفرق الضالة أثناء الرد عليهم.
وقد كان من مكر هذين الرجلين أن يقولا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ وذلك إمعاناً منهما في ارتداء قناع الصلاح كما يفعل عادة جميع الدجالين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفسير بسام جرار

https://www.youtube.com/watch?v=BA5ix2VawYg
الملكان هما ملكان حقيقيان أرسلهما الله عندما انتشر السحر بين اليهود كي يعلما الناس مضادات السحر.
لكن كان يقتضي منهما أن يعلما أيضاً كيف يعمل السحر حتى يتعلموا كيفية ابطاله أي كما يتعلم الصيدلاني آلية عمل السم كي يعرف كيف يركب الترياق المضاد.
أي أن هذا العلم هو سيف ذو حدين أو (فتنة)، لكن الناس كانت غالباً تأخذ الجانب السيء وتتعلم منهما ما يفرقون به بين المرء و زوجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفسير صالح المغامسي

https://www.youtube.com/watch?v=1TxNByVU3hU
هاروت وماروت هما ملكان حقيقيان أنزلا إلى الأرض و صارا يعلمان الناس السحر بأمر من الله كي يفرّق الناس ما بين قدرة السحر المحدودة و بين المعجزات الالهية ويرد بذلك عملياً الافتراءات التي زعمها اليهود وشياطين الجن والإنس ضد النبي سليمان الذي آتاه الله ملكاَ استثنائياً وسخر له الجن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفسير نبيل العوضي
https://www.youtube.com/watch?v=DamrNuF3ThI
هاروت وماروت ليسا ملكين وإنما هما شخصان فاسدان إما من الجن أو من الانس أو أحدهما من الجن و الآخر من الانس
و تقدير الآيات حسب رأيه هوكالتالي :
اتبع بعض اليهود وأشباههم ما تتلو الشياطين من افتراءات وأكاذيب على ملك سليمان وعلى الملكين جبريل وميكائيل الذين يكرهما اليهود – كما يقول هو – ، لكن الله يبرأ نبيه سليمان ويبرأ جبريل وميكائيل من تهمة تعليم السحر فيقول:
ما كفر سليمان وما أنزل على الملكين من شيء و انما شياطين الانس و الجن هم الذين كفروا وهم الذين يعلمون الناس السحر ببابل
ومنهما يوجد شخصان فاسدان : هاروت و ماروت يعلمان الناس بمكر و خداع ما يفرقان به بين المرء وزوجه .. ..إلى آخره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحل برأيي المتواضع في هذه الآية هو من ثلاث خطوات:
1- التحليل إلى العناصر الأولية
2- ثم إعادة البناء والتركيب
3- ثم رد المتشابه إلى المحكم ضمن نظرة بانورامية شاملة في القرآن.

وسأعتمد ما أجمعت عليه معظم القراءات من أن (ملَكين) هي بفتح اللام و جمعها ملائكة وليس ملوك وذلك لسببين:
السبب الأول أن هذا هو الشائع في جميع القراءات تقريباً
و السبب الثاني: وحسب معرفتي المتواضعة بالتاريخ وبحثي البسيط لم يرد في تاريخ بابل القديم ملوكاً تحمل اسم: هاروت أو ماروت أو أسماء قريبة من هذين الاسمين
لكن في المقابل ورد في الكتاب المقدس عند الديانة الزرادشتية (المجوسية) التي كانت منتشرة في بابل وسائر العراق أسماء سبعة من رؤساء الملائكة المحيطة بإله الخير والمسمى عندهم ( أهورا مزدا ) منهم ملكان اسمهما: هاورڤاتات و أمريتات ، وهما اسمان قريبان من هاروت وماروت، وقد لا يعني هذا التشابه شيء بالضرورة ولكن وجب الذكر لأن أعداء الاسلام من النصارى العرب استغلوا هذا التشابه للطعن في القرآن واتهموا النبي أنه اختلس اسمَي هذين الملكين من الزرادشتية وجاؤوا بكوكتيل من المزاعم العنكبوتية الواهية، ولا يحتاج اثبات بطلانها الى عظيم جهد
https://www.youtube.com/watch?v=RzV0Pz6yDxs

إذاً على الأرجح القراءة الصحيحة للكلمة هي مَلَكين (بفتح اللام) وجمعها ملائكة، وليست مَلِكين (بكسر اللام) وجمعها ملوك، و الله أعلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ذلك علينا تقطيع الآية إلى جمل مستقلة كاملة، عندئذ سنجد أن هذه الآية تتكون من 9 جمل فعلية ، وفي كل جملة هناك فعل وفاعل و مفعول به أو أكثر، وقد يوجد ظرف وجار ومجرور ..الخ
لكن المفارقة الغريبة التي لاحظتها وأنا أتأمل في الآية أن كل جملة من الجمل التسع تحتوي على كلمة ((ما)) ، أي هناك تسع مرات وردت فيها كلمة ((ما)) في الآية بمعدل مرة واحدة في كل جملة، وكلمة ((ما)) هي أحد مصادر الخلاف في تفسير الآية ، لأنه كما يعلم الجميع أن كلمة ((ما)) لها ثلاث وظائف نحوية:
1- تأتي كاسم موصول بمعنى الذي
2- و تأتي نافية للجملة الاسمية، ونافية للجملة الفعلية في الزمن الماضي والمضارع على حد سواء
3- وتأتي نافية للجملة الاسمية وتعمل عمل ليس ( ما الحجازية)
وفي هذه الآية وردت ((ما)) بحالاتها الثلاث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- وَاتَّبَعُوا ((مَا)) تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ >> (اسم موصول بمعنى الذي)
2- وَ((مَا)) كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا >> (نافية للفعل الماضي)
3- يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ((مَا)) أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ>>> (مختلف عليها)
4- وَ((مَا)) يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ >> (نافية للفعل المضارع)
5- فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ((مَا)) يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ >> (اسم موصول بمعنى الذي)
6- وَ((مَا)) هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ (نافية)
7- وَيَتَعَلَّمُونَ ((مَا)) يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ >> (اسم موصول بمعنى الذي)
8- وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ((مَا)) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ >>( نافية -حجازية)
9- وَلَبِئْسَ ((مَا)) شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ >>(اسم موصول بمعنى الذي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أجل أن نفهم النص سيكون علم النحو والاعراب هو الخطوة الأولى التي تزيل الضباب عن الصورة
بعد ذلك سنحلل كل جملة من جمل الآية بالتفصيل ونحاول أن نرصد علاقة الكلمات والجمل مع بعضها البعض ، وسوف نحدد الاسم الذي يعود عليه كل ضمير متصل ومستتر في كلمات هذه الآية .
ثم نعيد تركيبها ونستخرج اللمسات البيانية والبلاغية منها ، ثم نرد المتشابه الى المحكم ونجعل المحكم هو الحكم و المهيمن على المتشابه.
و سنحاول أن نفهم الفرق ما بين السحر و بين الشيء الذي أنزل على الملكين – إن كان أصلا أنزل عليهما شيء – و هذا ما سنعرفه عندما نفهم معنى كل كلمة في هذه الآية التي أنا شخصيا كنت أقرأها كثيراً في السابق دون أن أفهمها كما يجب و أمر عليها مرور الكرام.
و سنتطرق أيضاً في السلسلة إلى أمور أخرى تتعلق باللغة العربية..
سوف نفعل هذا معاً ، وأنا أعلم أن هذه مغامرة خطيرة و ربما هي رحلة في حقل ألغام لأن الآية فيها جملة واحدة تعتبر من المتشابهات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
/ آل عمران /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاءت مشيئة الله أنه حتى في هذه الآيات التي تتحدث عن الفرق ما بين المحكم والمتشابه اشتبه على العلماء مكان موضع الوقف في الآية السابعة.
وصار- بسبب هذا الاختلاف – قولان في طريقة التعامل معها
القول الأول هو السكوت و ردّ العلم بها إلى الله وحده، لأنهم وضعوا علامة الوقف عند جملة (وما يعلم تأويله إلا الله )
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ.

أما القول الآخر فإنهم وضعوا علامة الوقف بعد عبارة (والراسخون بالعلم ) و قالوا بجواز البحث العلمي فيها إن كانت الغاية طلب الهدى من الهادي سبحانه و تعالى.

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ۗ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و انا من أنصار القول الثاني ، لكن بشروط صعبة .
الشرط الأول هو الاستعانة بالله وحده و طلب الهدى والرحمة من لدنه وحده.
و الإكثار من ذكر هذا الدعاء خلال عملية البحث:
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.
و بعد التوكل على الهادي يجب أن يكون معنا بعض الأسباب التي نأخذ بها ونحن نجتاز أدغال الطريق المظلمة.
سيكون معنا عدة مصابيح علمية كاشفة نهتدي بها :
المصباح الكاشف الأول سيكون اللسان العربي المبين ، وسوف نستعين أيضاً بمصباح التاريخ ، ومصباح العلوم الحديثة ، أما المصباح الأهم فسيكون القرآن العظيم نفسه.
وخلال هذه الدراسة المتواضعة ربما تكتشفون أموراً جديدة وكأنكم تقرؤون الآية لأول مرة.
و الفهم الذي ستصلون إليه – إن شاء الله – سيكون مختلفاً عن جميع التفاسير السابقة و إن كان فيه بعض النقاط المشتركة مع بعضها بطبيعة الحال

ـــــــــــــــــــــــــ نـور ــــــــــــــــــــــــــ
لا تقلقوا ، سنمشي في هذه الرحلة معاً، وخطوة خطوة، وهذه هي مجرد خارطة الطريق.
و لن نصطحب في رحلتنا إلا أصحاب الأرواح الصافية ، و العقول الراجحة
و النفوس المتواضعة والقلوب التي لها علاقة خاصة ومتينة باسم الله الهادي.
أما اصحاب الزيغ أو الهوى أو الغرور أو الذين يبتغون ما تشابه ابتغاء الفتنة
أو حتى الطيبين إن كانوا من ذوي العقول المحدودة ، فهذه الرحلة ليست لهم.
بدأت الرحلة القصيرة و السريعة ، و للحديث بقية

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة عشر + 17 =