هنا رد المطيري على الخراشي او تعقيب الدكتور حاكم المطيري على نقد الشيخ سليمان الخراشي لكتابه الحرية او الطوفان
الدكتور حاكم المطيري

الأخ المكرم الشيخ سليمان الخراشي وفقه الله لما يحبه ويرضاه السلام عليكم ورحمة الله وبعد:

فقد اطلعت على الدراسة النقدية لكتابي (الحرية أو الطوفان) وأشكر لكم اهتمامك به وأعتذر عن تأخري في الرد لظروف سفري وكثرة أشغالي،وأعتذر للأخوة الأفاضل عن عدم ردي على الأسئلة الأخرى التي لا علاقة لها بموضوع الكتاب لضيق الوقت،وبإمكانهم معرفة الأجوبة عنها بالدخول على موقعي الخاص موقع الدكتور حاكم المطيري أو موقع حزب الأمة،أما بالنسبة لما ورد في الدراسة النقدية فلي عليها ملحوظات أرجو أن يتسع لها صدر الشيخ الناقد حفظه الله :
1- افتقدت الدراسة للموضوعية والحياد العلمي اللذين تقتضيهما أصول الجدل والمناظرة فلم يحرر الأخ الناقد موطن الخلاف ومحل النـزاع بيننا لمناقشته فيه،فبعد أن أثنى على الخطاب الراشدي ووافق على ضرورة بعثه من جديد عاد ونقض ذلك كله بالدفاع عن الخطاب المؤول وتبريره وحشد الأدلة لبيان مشروعيته مع ما بين الخطابين الراشدي والمؤول من تناقضات!
ولو حرر الشيخ الفاضل محل الخلاف لكان بإمكاني مناقشته في قضية محددة لا في كل قضية تتعلق بالموضوع مع اتساعه وتشعبه وخطورته،فمن وافقني على الأصول العامة للكتاب وعلى أن للخلفاء الراشدين هديا وسننا في باب الإمامة تم طمسها وهجرها بالخطاب المؤول وأنه يجب بعثها من جديد كما جاء في الحديث(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور) وأنه يجب معرفة محدثات الأمور التي تخالف هدي الخلفاء الراشدين لتجنبها والحذر منها وهي التي تمثلت في الملك العضوض والملك الجبري وسننهما القيصرية والكسروية كما في الحديث(تكون خلافة على منهاج النبوة ثم يكون ملكا عضوضا ثم ملكا جبريا ثم تعود خلافة على نهج النبوة) وكما في حديث (لتتبعن سنن من كان قبلكم …. فارس والروم) وقد اجتهدت في الكتاب في تتبع سنن الخلفاء الراشدين وهديهم وما حدث من المحدثات بعدهم في باب الخلافة وإمامة الأمة حتى بدا الفرق واضحا بين المرحلتين والخطابين بالأدلة التاريخية،فمن وافقني على ذلك من حيث العموم والإجمال فلا غضاضة في أن يخالفني فيما سوى ذلك من الآراء الواردة في الكتاب،وليس رأي من خالفني فيها بأحق بالصواب من رأيي فيها،وقد تعرض لدراسة الكتاب عدد كبير من الكتاب في الخليج ومصر والشام،واتصل بي كثير من أهل العلم وأثنوا على الكتاب ووافقوني على الأصول العامة فيه وإن خالفني بعضهم في بعض الجزئيات التي لا تنقض أصل فكرة الكتاب،ولم أرد على أحد منهم،فمن حق الجميع دراسة الكتاب ونقده والاستدراك عليه،إلا إن الشيخ الفاضل سليمان الخراشي طلب مني وألح علي مشكورا بالنظر في دراسته النقدية لكتابي ولولا ذلك لما تجشمت عناء مناقشته،ولما سمحت لنفسي بالاستدراك على دراسته،إذ من حقي أن أكتب ومن حقه أن ينقد،ومن ألف فقد استهدف،وتمنيت لو لم يتحدث في بداية دراسته عن الهزيمة النفسية إذ مثل هذه الاتهامات والتحليلات لا تدفع حقا ولا تنفي صدقا،وأحق الناس بها من يخضعون لظلم الطغاة فيداهنون في دين الله وينكصون عن القيام بما أوجب الله عليهم القيام به من الصدع بالحق ويستسلمون للواقع،أما من يدعون إلى تغيير الواقع وإصلاحه فهم أبعد ما يكونون عن الهزيمة النفسية ولا يصدق عليهم هذا الوصف مطلقا،وإنما المهزوم من يرضى بالوقع ويستسلم له ويبرره ويدافع عنه ويحول بين الأمة وشق طريقها لتغييره.
وإن ما أدعو إليه اليوم لم يكن وليد الظروف الحادثة منذ الحملة الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي سنة 2001م،بل كنت أدعو إليه قبل ذلك بسنوات،وقبل أن أدرس في الخارج،وكنت أرى الخلل والانحراف في مضامين الخطاب السياسي الإسلامي السني المعاصر منذ أن كنت طالبا في كلية الشريعة بجامعة الكويت،ثم طالبا في جامعة الإمام محمد بن سعود في السنة المنهجية للماجستير سنة 1991م حيث قدمت بحثا في نظام الحكم في الإسلام للأستاذ الفاضل الأحمدي أبو النور لمادة الحديث الموضوعي،ثم في جامعة أم القرى بمكة المكرمة بعد ذلك،وقد كانت خطة البحث التي أعددتها لرسالة الماجستير في أم القرى حول هذا الموضوع بعنوان(السنن الإلهية والاجتماعية في قيام وسقوط المجتمعات الإنسانية)،ثم رأى بعضهم عدم إمكانية قبول هذه الخطة فتركتها بعد أن وضعت تفاصيلها،وإنما كان الدافع لي في البحث في هذا الموضوع إيماني المطلق بأن للقرآن هدايات اجتماعية وسياسية وتشريعية كافية في إخراج الأمة مما هي فيه،ولي كتابات ومقالات في الصحافة منذ سنة 1991م تحمل هذه الفكرة،فالقرآن وحده هو الداعي لي للتدبر والتفكر،وكذا حال الأمة وما هي فيه من سقوط وضعف وتخلف لا يمكن أن يكون سببه الإسلام يدعو كل ذي بصيرة للبحث في هذا الموضوع،فهذا الذي حملني للبحث عن الحقيقة في القرآن وهداياته،وليس ضغط الواقع والهزيمة النفسية التي يتحدث عنها الناقد الفاضل،فالهزيمة النفسية تدعو إلى الانكفاء على الذات،والاستسلام للواقع،والخوف من المستقبل،وهو ما لا أثر له في كتاب (الحرية أو الطوفان) مهما حاول الناقد الفاضل إقناع قرائه بذلك،فلم يستطع الناقد في كل دراسته النقدية إقامة دليل واحد على صحة دعواه هذه،ولم يبين كيف فسر حاكم التاريخ الإسلامي تفسيرا غربيا غريبا تحت ضغط الواقع والهزيمة النفسية!مع أن كل الروايات التي أوردتها هي من التاريخ الإسلامي لا من التاريخ الغربي،ولم يكن لي كبير اجتهاد في تفسيرها،بل كان العرض فيها أكثر من الشرح والتحليل،كما ذكر ذلك عدد من نقاد الكتاب!
2- ومن أصول الجدل والمناظرة تحري الحق ولا يكون ذلك إلا بالنظر والاجتهاد لا بالتقليد للغير فإن المقلد لا يدري أصاب الحق أم أخطأه،فالأحكام لدى المقلد تكون مسبقة وإنما يجادل للدفاع عن تلك الأحكام التي تلقنها من شيوخه ومدرسته وكما في الحديث(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) لبيان مدى أثر المجتمع والأسرة فهي التي تشكل عقل الفرد وثقافته في أخطر موضوع وهو الدين والاعتقاد،فالإنسان ابن بيئته ومجتمعه أكثر من كونه ابن عقله،ولهذا نجد أهل كل بلد يتوارثون المذهب والعقيدة بحكم الجغرافيا والديمغرافيا وقلما نجد من يخالف ثقافة مجتمعه بسبب التقليد والشعور الكاذب بالرضى عن النفس الذي يجده أهل كل دين،ولهذا عاب القرآن على من قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ودعا لتدبر القرآن والنظر وإعمال العقل والفكر.
والمقصود أن الشيخ الفاضل نقد الكتاب وفق أحكام مسبقة عنده يظن أنها أصول أهل السنة،وهذا من حقه إذا كان مقصوده مجرد الدفاع عن المذهب والمدرسة الفكرية التي ينتمي لها،إلا أنه لا يسوغ له ذلك في باب المحاورة والجدل والمناظرة التي يشترط لها التحري للحق بقطع النظر عما عليه المذهب والطائفة والشيوخ،وهو ما لا يتأتى من المقلد لغيره مهما كان علمه وفضله،إذ أنه ينظر بعقل غيره لا بعقله!ولهذا أشار القرآن في قوله تعالى(وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) وقال (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)،فالناقد الفاضل يحاكم الكتاب لا عن نظر واجتهاد بل عن تقليد منه للمدرسة العقائدية التي ينتمي إليها والذي يتصور أن كل أصولها حق لا ريب فيها وما عليه إلا المنافحة عنها وإن خالفت هدي الخلفاء الراشدين!حيث ينظر إلى مسائل الكتاب ومدى توافقها مع ما يظنها أنها أصول أهل السنة والجماعة في نظره مع أن الخلاف هو في هذه الأصول نفسها التي لا تمثل بالضرورة أصول أهل السنة كلهم فضلا عن سلف الأمة كلهم وقد لا تعدو أن تكون آراء لبعض أهل السنة في مرحلة من مراحل تاريخ الأمة خالفهم فيها غيرهم كما سيأتي بيانه.
3- كما إن من أصول الجدل والمناظرة تحديد الحكم والمرجع الذي يحتكم له المتناظران فلا يسوغ مناظرة أحد ومجادلته فيما لا يسلم فيه لخصمه،فإذا كانا حنبليين وكانا يناقشان مسألة فقهية وفق مذهب أحمد لزمهما الالتزام بأصول المذهب،فإن كان أحدهما حنبليا والآخر شافعيا كان المرجع أصول الفقه العامة لدى الطرفين، فإن كان كل منهما من طائفة إسلامية لزمهما التحاكم للكتاب والسنة التي يثبتانها جميعا دون ما اختلافا في إثباته،وقد افتقدت دراسة الشيخ الناقد هذا الأساس حيث حاكم كتاب (الحرية أو الطوفان) لغير الأصول التي قام عليها الكتاب والتي اتخذتها أنا مرجعا وهي القرآن والسنة وسنن الخلفاء الراشدين التي أمر النبي صلى الله عليها وسلم بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ وترك المحدثات التي أحدثها من جاء بعدهم،حيث تحول الأمر من خلافة راشدة على هدي النبوة إلى ملك عضوض وملك جبري وسنن قيصرية وكسروية كان أول من أنكرها وردها هم الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم كما فصلت ذلك في (الحرية أو الطوفان) وقد أخذ الشيخ الفاضل يحاكم الكتاب إلى آراء الرجال وأقوالهم التي تحتاج نفسها لحجة وبرهان ودليل!
4- كما إن من أصول الجدل والمحاورة أن لا تجعل الدعوى دليلا بل الدعاوى في حاجة للأدلة بينما الصبغة العامة للدراسة النقدية التي كتبها الشيخ الفاضل تقوم على هذا الأساس الباطل،ومن الأمثلة على ذلك أني أثبت بالأدلة حق الأمة في اختيار الإمام وحرمة اغتصابها هذا الحق وذكرت من أقول عمر بن الخطاب في الصحيحين وغيرهما بالأسانيد الصحيحة والمقبولة ما يؤكد هذا الحق حتى قال كما في صحيح البخاري(إني قائم العشية فمحذر الناس هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم) وقال أيضا كما في صحيح البخاري(من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)،وقد جاءت روايات كثيرة صحيحة تفسر هذه العبارة وفيها (فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه) أي من يغتصب حق الأمة في اختيار الإمام،وقد قال عمر هذه الخطبة بمحضر الصحابة فكان إجماعا من أقوى الإجماعات،فجاء الشيخ الناقد وأخذ يحتج علي بما يسميه أصول أهل السنة في تحريم الخروج على أئمة الجور الذين يغتصبون حق الأمة في الإمامة مع أن هذا الأصل هو محل الخلاف وموطن النـزاع بين السلف قديما كما نقل ذلك ابن حجر وهو مذهب لجماعة من الصحابة ومن بعدهم كما نقل ذلك ابن حزم وكما نقله عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب حيث قال في كتابه جواب أهل السنة(وقد اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وكذلك أهل البيت فذهبت طائفة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين والأئمة بعدهم إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ..)وقد نقلت في كتاب (الحرية أو الطوفان) من أقوال مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ما يشير إلى أنهم يرون جواز الخروج على أئمة الجور حتى قال مالك (إنما يقاتل مع الإمام العدل سواء كان الأول أو الخارج عليه،هؤلاء ـ أي أئمة الجور الذين يغتصبون الإمامة بلا شورى ـ لا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف)،وما قاله مالك هو عين قول عمر بن الخطاب حين قال(من تأمر عن غير مشورة من المسلمين ـ أي بلا رضاهم واختيارهم ـ فاضربوا عنقه)قال الحافظ ابن حجر (رواه ابن سعد بإسناد صحيح) وهو على شرط الشيخين،وقد نقل الشيخ عبدالرحمن المعلمي في كتابه التنكيل الخلاف في هذه القضية بين أهل السنة وحقق القول الراجح وأن الأمر منوط بالمصلحة والمفسدة ومع ذلك جعل الشيخ الناقد هذه القضية الخلافية أصلا يحاكم الكتاب إليها مع أنها هي الدعوى التي وقع الخلاف والنـزاع فيها منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم،فلا يحتج بها على المخالف بدعوى أنها أصل من أصول أهل السنة والجماعة مع ثبوت الخلاف فيها بين سلف الأمة وأهل السنة أنفسهم كما نقلناه عنهم فهذا مخالف لقواعد الجدل والمناظرة،ولا يجدي نفعا نقل دعاوى الإجماع عليها إذا ثبت الخلاف فيها،وقول عمر ومالك أولى من قول من قال بأن من اغتصب الإمامة والخلافة بالقوة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقول من قال نحن مع من غلب،وهنا يتجلى الفرق بين الخطاب الراشدي الذي أجمع عليه الصحابة في عهد عمر قبل الفتنة والاختلاف من وجوب قتل من اغتصب الإمامة بالقوة وأنه لا يحل للأمة تركه دع عنك طاعته،والخطاب المؤول الذي طرأ بعد ذلك والذي أوجب السمع والطاعة للغاصب الجائر والدعاء له والقتال معه!
5- ومن الملحوظات على الدراسة النقدية تركيزها على ثنايا الموضوع وجزئياته دون أصوله وكلياته فليس من أصول الجدل والمحاورة إشغال المحاور في كل كلمة وكل عبارة عابرة في الكتاب وكأن المقصود هو النقد لذات النقد لا النقد للوصول للحق والصواب،كالوقوف عند العبارة الواردة في كلام مالك بن نبي (وشاءت الأقدار) ومناقشتها ونقل كلام الشيخ ابن عثيمين فيها مع أنها ليست من موضوع الكتاب ولا موضوع الدراسة النقدية بل وردت في ثنايا كلام المفكر الإسلامي مالك بن نبي!ففي مناقشتها تضييع لوقت المحاور والقارئ فيما لا يخدم الفكرة الرئيسة للمحاورة،مع العلم أن في مجاز اللغة ـ أو أساليبها عند من لا يرى المجاز ـ ما يرفع الحرج عن مثل هذه الألفاظ ـ إذا صح الاعتقاد ـ كقولهم أغاثهم المطر أي أغاثهم الله بالمطر،وكقولهم قتلهم الجوع أي ماتوا بسبب الجوع إذ الله هو الذي يميت ويحيي،ونحو ذلك من مجاز اللغة واتساع أساليبها فقول مالك بن نبي (شاء القدر) يعني (شاء الله فيما قدره وقضاه) كقولهم (جرى بذلك القدر) أي أجرى الله ذلك بقدره الذي قدره وقضاه بعلمه وقدرته،لا أن القدر شيء مخلوق له قدرة وفعل،هذا إذا كان القدر بمعنى التقدير من قدره يقدره تقديرا،وهو علم الله السابق بكل ما هو حادث وكائن،وكتابة الله جل جلاله للأشياء في اللوح المحفوظ قبل حدوثها في عالم الوجود،ثم إيجادها على وفق تقديره لها،أما إذا كان القدر بمعنى القدرة أي قدرة الله وقوته التي لا يخرج عنها شيء كما جاء تفسير ذلك عن أحمد بن حنبل،وكما قال سبحانه(إنا كل شيء خلقناه بقدر)،فالأمر فيها أيسر إذ المعنى:شاءت قدرة الله أن يكون كذا وكذا،وسائغ في اللغة نسبة الفعل للصفة لا لكون الصفة هي الفاعل على الحقيقة بل لأن اتصاف الفاعل بها سبب لوقوع الفعل منه،كما في حديث(سبقت رحمتي غضبي) أي جعل سبحانه رحمته وعفوه قبل غضبه وعقابه لاتصافه بالرحمة الواسعة،وكما في قوله تعالى(ورحمتي وسعت كل شيء)،فليست الرحمة شيئا غير الله بل الرحمة وصف قائم به سبحانه،فقولنا وسع علم الله ورحمته كل شي ونسبتنا الفعل هنا وهو الاتساع للعلم والرحمة لا يعني أنهما فاعلان من دون الله،بل المعنى مرادف تماما لقولنا وسع الله جلل جلاله كل شيء رحمة وعلما،لكونه سبحانه متصف بصفة الكمال المطلق الذي ليس كمثله شيء ومن ذلك اتصافه بالعلم الشامل المطلق الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء،والرحمة الشاملة لكل مخلوقاته لا يخرج عنها شيء،فهو سبحانه الذي أحاط بكل شيء علما ووسع كل شيء رحمة وبرا،فالله هو الفاعل وليس الرحمة والعلم التي هي صفاته،وإنما نسب الفعل لهما من باب نسبة الشيء لما يقع به وبسببه،وهو أسلوب من أساليب العرب ويسميه البيانيون المجاز المرسل،كقولهم سال الوادي أي سال الماء في الوادي،فنسبوا الفعل للوادي لكونه الظرف الذي وقع فيه الفعل وهو الجريان والسيلان،ونحو ذلك حديث(أعوذ بعزتك) أي أعوذ بك يا ذا العزة التي لا تقهر ولا تخفر أو أعوذ بك يا عزيز لا يقهر ولا يجار عليه،فليست الاستعاذة بعزة الله استعاذة بغير الله،إذ لا وجود للصفات دون الذوات في الخارج،ولا ذوات بلا صفات تمتاز بها عن غيرها من الموجودات في عالم الوجود،وليست الصفة سوى الوصف القائم بالموصوف أو التي تقوم بالموصوف،فجازت الاستعاذة بعزة الله وهي استعاذة بالله لا بغيره لكون اتصافه جل جلاله بالعزة التامة والقوة المطلقة التي لا تخفر سببا في لجوء عباده إليه واستغاثتهم به وحده لا شريك الله،فقول القائل(شاءت قدرة الله) أو (شاء القدر)أي شاء الله بقدرته وإنما جاز نسبة الفعل للقدر لوقوع الحوادث به لا لكونه هو الفاعل بل الله جل جلاله هو الذي يقدر كل شيء بعلمه وقوته وقدرته المطلقة.
والحاصل أن قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى على جلالته ليس حجة شرعية فالعلماء يحتج لهم ولا يحتج بهم،مع أن الصواب اجتناب الألفاظ الموهمة مثل هذا اللفظ ولا يحمّل اللفظ أكثر مما يحتمل،وكان الأولى بالناقد أن يذكر من الحجج الشرعية ما يؤيد ما ذهب إليه من الاستدراك على مالك بن نبي رحمه الله تعالى لا أن يحتج بأقوال الشيوخ التي لا تخرج عن كونها آراء واجتهادات وليست حججا شرعية يلزم الناس اتباعها.
ومثل ذلك الوقوف عند موضوع جمال الدين الأفغاني والإحالة على بعض الدراسات التي لا يسلم لها مع أن أعلم الناس بالأفغاني هو الشيخ محمد رشيد رضا وقد وصفه بالمجدد وأفاض في ذكر مآثره وذب عنه ورد الشبه التي أثارها بعض من لا يعرفه حق المعرفة،وممن أثنى عليه وزكاه الشيخ المحدث أحمد شاكر ـ وكفى به إماما في الجرح والتعديل ـ حيث وصفه بما لم أصفه أنا به كما نقلته في (الحرية أو الطوفان) وقد كان والده الشيخ محمد شاكر من تلاميذ الأفغاني، وعلى كل حال لو وقفنا عند كل شخصية ورد ذكرها في الكتاب وما دار حولها من الجدل والخلاف لما سلم لنا أحد،وإنما أوردت كلام الأفغاني وغيره في ثنايا الحديث عن ظهور خطاب سياسي جديد بعد عقود من الركود الفكري والسياسي كان للأفغاني اليد الطولى في بعثه وهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها إلا مكابر بقطع النظر عن آرائه الأخرى ومواقفه،فالمقصود من الكتاب دراسة المراحل التاريخية للخطاب السياسي الإسلامي منذ ظهوره إلى يومنا الحاضر فلا يمكن تجاوز دور جمال الدين الأفغاني سواء رضيناه أو سخطناه،بل يكاد المؤرخون المعاصرون على اختلاف توجهاتهم يجمعون على أنه باعث الحركة الإصلاحية الفكرية المعاصرة في العالم الإسلامي كما شهد له بذلك العلامة المحدث أحمد شاكر فليس جمال من الأسافل كما جاء في الدراسة النقدية،ولا يشك من عرف تاريخه وجهاده في سبيل جمع كلمة الأمة ورص صفوفها لمواجهة الاستعمار الصليبي الغربي أن وصفه بالأسافل من الظلم والعدوان الذي شان هذه الدراسة النقدية،بل هو من الأكابر وإن أخطأ أو وقع منه تقصير وكما قال الذهبي (الإنصاف عزيز)،وقد قال في شأنه محدث العصر وفقيه مصر العلامة القاضي الأثري أحمد شاكر في مقدمة كتابه(الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر)ثم جاءت النهضة العلمية الإسلامية الحاضرة وقد نفخ في روحها رجال كانوا نبراس عصرهم وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وأرسى قواعدها والدي محمد شاكر رضي الله عنهم جميعا فاستيقظت القلوب ….الخ)،فانظر إلى كلامه في جمال الدين وترضيه عنه والاعتراف بجميل فضله على النهضة العلمية في العالم الإسلامي وأنه نبراس عصره!
نعم لو كان في كلام الأفغاني الذي أوردناه في الكتاب ما يستحق النقد والاستدراك لكان لذلك وجه أما نقد الكتاب لمجرد النقل عن الأفغاني فهو الذي لا معنى له أبدا،كيف! وهو أشهر من دعا إلى العودة إلى ما كان عليه سلف الأمة في فهم الدين ومعرفة أحكامه وأن سبب تخلفها بشيوع البدع والخرافات والانقسامات كما في (خطراته) وهو ما تجلى في كتابات تلاميذه ومنهم الكواكبي كما نقلناه عنه!
6- ومن الملحوظات أيضا عدم تحري الدقة في النقل والنقد حيث أوهم الناقد القراء بأني أدعو إلى حرية لا ضابط لها مع العلم بأنني ذكرت في أصول الخطاب الراشدي أن الحاكمية للكتاب والسنة وأنهما مصدر التشريع ودستور الدولة وأكدت ضرورة عودة الأمة إلى تحكيم الشريعة التي عطلها الاستعمار…الخ فكيف تجاوز الناقد الفاضل هذه الحقائق الواضحة في الكتاب وضوح الشمس في رائعة النهار ليثير الشك في معنى الحرية التي أدعو إليها مع أنني لم أدع إلا إلى الحرية التي كان عليها المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين قبل أن يصبحوا عبيدا للطغاة كما هو حالهم اليوم فهم في عبودية للرؤساء والطغاة أشد من عبودية بني إسرائيل لفرعون وملئه.
7- ومن الملحوظات أيضا غياب الموضوعية في النقد،كنقد العبارة قبل معرفة مراد المؤلف منها ووجه إيراده لها،ومن ذلك الاستدراك على المؤلف في إيراده عبارة النووي في تفسير معنى(كفرا بواحا)،فقد جعلها الشيخ الناقد دليلا على عدم الأمانة في النقل بدعوى أن آخر العبارة فيه نص صريح من النووي على حرمة الخروج على أئمة الجور! وفات الشيخ الناقد حفظه الله أن المقصود من إيراد العبارة هنا بيان معنى المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (إلا أن تروا كفرا بواحا)،وإثبات أن المراد بالكفر هنا المعاصي الظاهرة بدليل ورودها في روايات صحيحة أخرى بلفظ (إلا أن تروا معصية)،فنقلت عبارة النووي التي فسر فيها كفرا بواحا بالمعاصي الظاهرة لموافقة هذا التفسير للروايات الأخرى،ولكون لفظ (كفرا بواحا) جاءت نكرة لا معرفة فتعم المعاصي،كقوله صلى الله عليه وسلم(سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)،وقوله(لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)،فهذه المعاصي يصدق عليها أنها كفر،وليس بالضرورة هي الكفر الذي يخرج من الملة،فهذا هو المقصود من إيراد عبارة النووي في هذا الموضع لبيان خطأ من اشترطوا للخروج وقوع الكفر المخرج من الملة مع أن السلف من الصحابة والتابعين كالحسين وابن الزبير خرجوا على من لم يصل أمره إلى الكفر بهذا المعنى،أما آخر العبارة الذي فيه نص النووي على تحريم الخروج مطلقا فقد نقلته كاملا في (الحرية أو الطوفان) في مبحث خاص في هذا الموضوع ص 164وذكرت دعواه التي نقل فيها الإجماع على حرمة الخروج على أئمة الجور،وأوردت رد ابن حزم على أصحاب هذه الدعوى التي شاعت بشيوع المذهب الأشعري حيث كان ابن مجاهد تلميذ الباقلاني هو أول من ادعاها،وقد كان للمذهب الأشعري أثره الخطير على الفقه السياسي حيث تصدى الأشاعرة لكل من ناوئ السلطة التي عززت من مكانتهم ونشرت مذهبهم لما تضمنه من أصول عقائدية تفتح الباب على مصراعيه أمام الظلم والاستبداد ومن ذلك القول بالإرجاء وأن الإيمان هو التصديق ولا كفر إلا بالجحود ليمنعوا من الخروج على الأئمة مهما انحرفوا وخرجوا عن حدود الشريعة ما داموا يدعون الإيمان القلبي! ولهذا كان المأمون يقول(الإرجاء دين الملوك)!ومن ذلك قولهم بالجبر وأن لا فعل للإنسان على الحقيقة! ومنه أيضا نفيهم مبدأ السببية!وكلها آراء تحمل على تعطيل ملكة العقل وتدعو لترك العمل وتبرر الواقع وترفض تغييره وتنتظر ما يأتي به القدر!
ومن أصول الأشعرية أيضا التي أثرت في الواقع السياسي ما قرروه في باب الإمامة في أصول الدين وفي كتب الأحكام السلطانية من أن البيعة للخليفة تنعقد بصفقة رجل واحد،وجواز العهد للأبناء،وجواز العهد لاثنين وثلاثة،وجعل اغتصاب الإمامة بالقوة سببا لانعقادها لمن اغتصبها،والقول بحرمة الخروج على الإمام الجائر مطلقا دون مراعاة لمصلحة أو مفسدة ….الخ!

لا تعليقات حتى الآن

  1. لله درك , بارك الله فيك , وأكثر من أمثالك , ردّ علمي يثلج الصدر .

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × خمسة =