صُنَّاع الحدث وركَّابه

محمد جلال القصاص

alqassass

من عشر سنوات أو يزيد بدأ متطرفوا الكنيسة الأرثوذكسية المصرية بشكلٍ معلن في التطاول المنظم على الإسلام والمسلمين، من خلال القنوات الفضائية والأنشطة التنصيرية الداعمة في المواقع العنكبوتية ودور النشر وما يعرف بخلايا التنصير التي تتحرك بين الناس، خرجوا كالجراد المنتشر من كل مكان وانتشروا في كل مكان.

 

كان من الطبعي أن يتصدى لهؤلاء المختصون بالدعوة الإسلامية، ولكنهم لم يفعلوا، ووقف بوجه هؤلاء شباب من المغمورين، وكانت البداية من البالتوك؛ غرفة وغرفتين وثلاث ..، وتطور الأمر فخرج من (البالتوك) وانتقل للمواقع الإسلامية الكبرى كـ( صيد الفوائد) و(طريق الإسلام) و(المصريون)، وبعد قليل صار هؤلاء الشباب يناظرون ويكتبون المقال والبحث العلمي والكتاب ويلقون الدروس والمحاضرات، ثم انتشروا أخيراً في الفضائيات ببضاعتهم وأشخاصهم.

 

هؤلاء هم “صناع الحدث” في مواجهة الكنيسة، وهم من أوقف الله بهم زحف متطرفي الكنيسة الأرثوذكسية المصرية.

لا أكتب لأعاتب، أو لأمدح قوماً واستبطن ذم قومٍ، أبداً . كل هذا بعيد. فقط أردت أن أرصد أموراً في هذا الظاهرة، أو ألقي الضوء على أمورٍ تتعلق بقراءة الحدث من خلال رصد هذه الظاهرة.

 

أولاً :النمو من خلال الحركة:
هذه الظاهرة المواجهة للأرثوذكس المتطرفين في مصر تسير وفق الآلية التي نعرفها في تغيير حياة الناس، وهي النمو من خلال الحركة،( كزرعٍ أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه). والنمو من خلال الحركة يحدد الكفاءات.. التخصصات، ويضع كل واحدٍ حيث يحسن، وهذا الأمر مشاهد بين هؤلاء الكرام، فإن دعى النصارى لمناظرة وجدت نفراً محددين يخرجون للمناظرة وليس كل أحد، وحين يخصص موضوع المناظرة أكثر تجد الأصابع تشير إلى نفرٍ بأعينهم في كل موضوع.

 

والنمو من خلال الحركة يرشد السائرين، فالتجارب ترصد ولا تتكرر الأخطاء، والإيجابيات تستثمر، ويتضح ذلك في رصد ثلاث محطات:
المحطة الأولى: حادث خطف وفاء قسطنطين من قبل الكنيسة وقتلها كما يتردد.
والمحطة الثانية :حادث الاعتراض على المسرحية التي تطاول فيها النصارى على القرآن والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
والمحطة الثالثة: حادث خطف الكريمة كامليا شحاته.

هناك تطور ملحوظ في الحركة المواجهة للتطرف الكنسي الأرثوذكسي.

 

ويحدث تطور في الأحداث الجديدة وخاصة التي تتعلق بإسلام الفتيات، فقد استعملت تقنية الفيديو، ولم تتمكن الكنيسة من القبض على واحدة بعد كامليا.

فنحن أمام حركة انتصبت على أقدامها، وحددت أهدافها،وصححت مسارها، وبدأت تسير قدماً واشتد سيرها ، ولسنا أمام حركة تتعرقل وتتراجع.

 

ثانيا: النمو الرأسي والأفقي

وهذه غير الأولى، ففي النقطة الأولى أشير إلى الآلية التي يسير بها العمل، وهنا أشير إلى حجم الفاعليات المضادة للكنيسة ونوعها.
بالأمس حين بدأ التصدي للمتطرفين من النصارى في مصر. كان النشاط وليداً صغيراً في غرفة أو غرفتين بالبالتوك ثم كبر وانتشر في الغرف والمواقع ثم خرج للفضائيات ثم المواقع الصحفية والقنوات الإخبارية.
وكان العدد محدوداً، والمهارات قليلة ،وكذا الوسائل كانت قليلة لا تكاد تخرج عن غرفة البالتوك، والآن كثرت المهارات وتخصص الناس.

ولم يكن بوجه النصارى غير المهتمين بأمرهم فقط ، والآن بدأت شرائح أخرى من المجتمع تدخل في الصراع ، وعلى رأسها عوام الناس، وعوام المثقفين ، وهذا ينذر بحراك جماعي.

 

ثالثاً : غياب الإطار الحزبي.

لا يوجد لصناع الحدث هؤلاء إطار محدد من الأطر المعروفة على الساحة كـ( الإخوان والجهاد والتبليغ .. الخ ) ، وهذا يتماشى مع المرحلة الجديدة التي دخلها العمل الإسلامي ، فالعمل الإسلامي خرج من مرحلة الجماعات إلى مرحلة الأفراد ( قطبي .. سروري .. جامي ..) والآن دخل عملياً في مرحلة التيارات ( التوجهات)، فتستطيع أن تقول أن الساحة الآن ثلاث توجهات:(ضد التنصير) ( ضد الشيعة) (ضد الليبرالية)، وفي كل جبهة تذوب الأطر القديمة .. المسميات القديمة التي كانت بين أفراد الصحوة الإسلامية ( إخواني) ( سلفي) ( جهادي) ( قطبي) .. الخ . وأمارة أن مرحلة الجماعات مرت أن الجماعة الكبرى المتبقية الآن فقدت صلاحيتها عملياً فمع حنكتها الممتدة لقرابة قرن من الزمن في السياسة لا تستطيع سد الفراغ السياسي ولا حتى تبني قضية واحدة من قضايا الأمة الرئيسية ،وهي الآن في المشهد السياسي فقط وبعيدة تماماً عن حل أو حتى ربط قضية واحدة من قضايا الأمة الإسلامية، والفاعل فيها هم أفراد فقط.

غياب الأطر واصطفاف العاملين في توجهات أمر إيجابي لدرجة بعيدة، ففيه تخصصية، كل يعمل حيث يحب أو حيث يحسن، وفيه قضاء على الحزبية القديمة ، وبه ـ بحول الله وقوته وتقديره فيما أرى ـ تصعب مهمة أولياء الشيطان الذين يقعدون بطريق الجادين.

رابعاً: ركَّاب الحدث :

في كل تغيير يحدث في حياة الناس يوجد نوعين من الفاعلين: نوع يصنع الحدث ونوع يركبه ويفيد منه بعد صناعته؛ أو تستقر الأمور لغير الذين جدَُّوا واجتهدوا في البدايات؛ أو: أولئك الذين يجاهدون من أجل تغيير الواقع ليسوا هم الذين تستقر لهم الأمور في الغالب!!
ويرجع ذلك لاختلاف طبيعة العمل في الحالتين، فالمجاهدة والمكابدة من أجل التغيير ليست كقيادة أمة.النوعية التي تصلح لهذا غير النوعية التي تصلح لتلك، وإن صح في البداية قيادة مَن يجاهدون لزملائهم ولكنهم سرعان ما ينزع الأمر من أيديهم.

 

الذين يجاهدون من أجل (التغيير) اسميهم (صناع الحدث)،وأولئك الذين يحصدون الثمرة اسميهم (ركَّاب الحدث).

 

(ركَّاب الحدث) يكونون ممن لهم وجاهة في أعين الناس ، وغالباً ما يأتون في النهاية قبل السيطرة بقليل ثم يفيدون من جهد (صناع الحدث) ومن ثم يظهرون في أعين العامة وكأنهم هم الفاعلون ، أو يطورون عمل المخلصين من (صناع الحدث) ويصلون بالأمر إلى بر الأمان، أو يسرقون ـ إن كانوا من المجرمين ـ جهد المخلصين ويسيرون بالأمة لغير الطريق الذي تريد.

 

والشواهد على كلا الحالتين .. أعني حالة يتدخل فيها (ركّاب الحدث) من المجرمين فيسيرون بالأمة لغير مرادها والحالة الأخرى التي يتدخل فيها (ركّاب الحدث) من الطيبين فيسيرون بالناس للخير موجودة في واقعنا المعاصر.

في منتصف القرن الماضي كانت الأمة الإسلامية كلها( في مصر والشام والجزيرة العربية) مع العودة للإسلام وتحت قيادة إسلاميين مجاهدين، ثم دخلت نوعية رديئة من (ركّاب الحدث) وأخذوا بزمام الأمة إلى حيث لا تريد.. إلى ما ترى اليوم من فقر وتبعية وقلة تدين.

ومثل هذا يحصل في القضية التي نواجهها في مصر، وهي تطاول متطرفي النصارى الأرثوذكس في مصر على الدين وسيد المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ. !!
(صناع الحدث) موجودون ويقومون بما يستطيعون، وأين (ركاب الحدث) من الطيبين؟! .. أولئك الذين لهم وجاهة في المجتمع ويستطيعون أن يطوروا عمل (صناع الحدث) ؟!

إن غياب هؤلاء سيؤدي إلى همود الحدث. وإن غياب هؤلاء يعطي إشارة قوية إلى أن الحراك الإسلامي بدون رؤس حقيقية على مستوى المسؤولية، فكل تيك الرؤوس مفتعله .أو دون المستوى وإن ورمت أنوفهم وأنوف صبيانهم.

وإن غياب هؤلاء أوجد مساحة للقذف بأدعياء في المشهد تحدثوا بأن كامليا لم تسلم، ودخلوا في اشتباك مع النصارى وتحول الأمر من مسألة حقوقية إسلامية تعني كل إنسان وخاصة المسلم إلى مسألة شخصية. انتهى الأمر بزحزحة كاملة ـ أو يكاد ـ للقضية الأصل ، وأصبحنا في مربع جديد بعيد تماماً عن الذي خرجنا منه والذي نريد الوصول إليه.

إنني أغالب حسرة في قلبي متكئة أهتف بها لترحل ولا ترحل من غياب قيادات حقيقية للعمل الإسلامي.

 

خامساً : والحل

الخلل الموجود الآن سببه الرئيسي سيطرة النفاق،وليس عدم وجود من يصلح لقيادة الأمة أو لقيادة العمل الإسلامي، وعلاج هذا الأمر مرهون بضعف سيطرة النفاق أو زواله،وهو قريب إن شاء الله، وإن لم يحدث فإن النمو المطرد الذي تشهد الساحة المواجهة لمتطرفي الكنيسة في مصر سيشهد إفراز قيادات علمية وحركية تحافظ على ثمرتها وتحول دون قفز لصوص الثمرة من (ركاب الحدث) الخبيثين . وهذا يستلزم التحرك في الإطار النخبوي بجوار الإطار الشعبي، إذ أن الجماهير لا تحضر في مراحل الصراع من أجل التغيير إلا مؤقتاً ، تُستدعى (بالمظاهرات أو الخطابات الثائرة) لتحريك قضية ثم لا تصبر سرعان ما ترحل.

 

كتبتُ مبشراً بأننا بخير حالٍ ولكن ثمن المجد بعد لم يسدد …لازال في المهر بقية، وكتبت لأبين أن الخلل في غياب الرؤوس وفي الرؤوس المفتعلة التي تقفز للمشهد أو يقذف بها في المشهد حين يشتد الأمر للسيطرة عليه وتوجيهه لغير مراده. وأرجو أن أكون قد أصبت الهدف بتوفيق الله ومنته.

 

أبو جلال / محمد جلال القصاص

ليلة‏12‏/11‏/1431

‏19‏/10‏/2010


اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة − اثنان =