إشكاليـات مُثـارة

ابراهيم السكران

أثار بعض المعلقين على مقالة “مآلات الخطاب المدني” المنشورة في مجلة العصر عدداً من الاشكاليات, خصوصاً في المنتديات الحوارية التي تعكس الثقافة الشبابية السعودية.

وبالمناسبة فهذه المنتديات لايزال كثير من الدارسين يجهل غِناها في تزويد الدارس بمعطيات وعينات البحث في صورتها الطبيعية دون مداراة السياج الاجتماعي واعتبارات المجاملة, فهذه المنتديات تعتبر ترمومتراً دقيقاً لقياس النبض الفكري لشريحة “الشاب المتطلع للثقافة”, ومن أراد أن يعرف كيف يفكر الشاب المثقف السعودي فلامناص له من رصد واستكشاف منظم لتلك المنتديات عبر جولات دورية هادئة تتأمل في تلك التساؤلات المشبوبة التي تتقاذفها تلك الأقلام بلامجيب يمتص ذلك القلق, وكثيراً ماتكون فترات الاسترخاء أصدق لحظات التعبير عن التناقضات الداخلية.

وقد أرسل لي عدد من القراء الكرام استفساراً عن هذه الاشكاليات المثارة, وقد لاحظت أن هذه الاشكاليات تدور حول أربع إشكاليات تكرر السؤال عنها: هل المقالة تهدف لإلغاء المدنية؟ وهل المقالة تستهدف التعميم؟ وهل التزهيد في الدنيا هو منهج صيانة الهوية ومقاومة التغريب؟ وهل المقالة كرست الفهم السلفي للنصوص ووأدت مشروع التجديد؟

وتبعاً لما لهؤلاء القراء الكرام من منزلة وتقدير فقد شعرت بأهمية كتابة “ملحق توضيحي” مختصر يعالج هذه الإشكاليات الأربع.

ويعنيني كثيراً أن أؤكد للقارئ مجدداً حرصنا المشترك –بإذن الله- على تجنب شخصنة هذه القضية الرئيسية, وأن نستمر سوياً في التركيز على مناقشة التصورات والأفكار والمقولات بعيداً عن الأسماء والأشخاص والتصنيف والتقييم, إذ الاشتغال بالأشخاص من أعظم ذرائع فساد النية وتهيُّج نزوة الانتصار للذات واضمحلال القضية, وهذا أمر مشاهد أكدته التجارب.

أولاً: إشكالية “أن المقالة تدعو لإلغاء المدنية”:

الحقيقة أنني كنت أعلم مسبقاً أن بعض “غلاة المدنية” سيروج عن المقالة أنها تستهدف إلغاء المدنية, لأنهم يعتبرون أن أي إنزال للمدنية المادية الى مرتبة الوسيلة -التي هي دون الايمان والفرائض- فإنه يصب في إلغائها, ولذلك لم أتفاجأ كثيراً بترويجهم المغلوط, فإذا كانوا قد تعسفوا في النصوص الشرعية, وانتقصوا أئمة القرون المفضلة, ومارسوا عملاً إعلامياً منظماً لتشويه الاتجاه الاسلامي وفقهائه ودعاته الكبار الذين لهم من السابقة الدعوية والفضل على من بعدهم, فكيف بمقالة متواضعة لم تأتِ بجديد بل قصاراها أن تكون لبنة في هذا الطريق.

والمقصود أن المقالة الأساسية قد جاء في مواضع كثيرة منها أن هدف المقالة ليس “إلغاء المدنية” وإنما “ترتيب الأولويات”, فالمقولة المركزية في خطاب غلاة المدنية هي “أولوية الحضارة” بمعناها الدنيوي المجرد, أما المقولة المركزية في خطاب الاتجاه الشرعي فهي “أولوية تحقيق العبودية” بمعناها الشامل, والتي تندرج فيها أعمال الحضارة بحسب منزلتها في “سلم النصوص الشرعية”, فليس كل عمل دخل في تعريف الحضارة يكون مطلباً بهذه اللغة الهوجاء التي يعبر بها غلاة المدنية ويستطيلون بها على الناس.

بل بعض أعمال الحضارة فرض كفائي كالطب وأصول الصنائع التي يحتاج إليها المسلمون, وكالتصدي للعدل العام, وبعضه من الفضول الذي يشرع الزهد فيه بلامعرة من ملابسته, وبعضه من المحظورات التي تعكس الظلامية والانحطاط كأكثر الفلسفة الغربية الضالة, والنظام الاقتصادي الربوي الميسري, والنظم الجنائية المتخلفة عن هداية العقوبات الشرعية, والفنون الجمالية الغربية التي يقوم كثير منها على السفور والتماثيل وإغراق الشاشة بمشاهد التخلع وتطبيع العلاقات غير المشروعة وإتاحتها للصغير والكبير,والأعمال الأدبية المشحونة بلحظات المجون والاستهتار بالتصورات الغيبية, وغيرها كثير مما يدخله الكثيرون في معنى الحضارة.

والمراد أن لدينا نحن المسلمين تصوراً “مختلفاً” عن مفهوم “الحضارة” هو أرقى من كل ماعرفته البشرية من حضارات, نتيجة استمداده من “تنوير الوحي” كما خاطب الله تعالى العالم كله بقوله سبحانه:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}[النساء:174]

وقد امتن الله علينا بهذه “الاستنارة الالهية” فقال سبحانه:

{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة : 257] .

وهذا التصور “المختلف” لمفهوم الحضارة يقوم أولاً على الفحص والتفصيل والفرز بين تطبيقات الحضارة المشروعة وغير المشروعة على ضوء حاكمية الوحي الالهي وهدي القرون المفضلة , ثم ينزِّل كل تطبيق من تطبيقات الحضارة المشروعة في موضعها الصحيح طبقاً للمفاهيم الشرعية كمفهوم “إعداد القوة”, ومفهوم “اتخاذ الأسباب”, ومفهوم “الفرض الكفائي”, ومفهوم “الوسيلة”, ومبدأ “مالايتم الواجب إلابه فهو واجب”, وغيرها من المفاهيم القرآنية النبوية السلفية التي تضع تطبيقات الحضارة في مراتبها الصحيحة حسب خلاصة توازنات النصوص الشرعية, بلاتطرف غلاة المدنية ولاجفاء الرهبانية.

وكل من أعرض عن قواعد الشريعة في تنظيم تطبيقات الحضارة وقع في التخبط والخلط فلم تسلم له حضارة دنيوية ولا مستقبل أخروي, كما أن كل من عظَّم حاكمية الوحي على تطبيقات الحضارة اهتدى في تطبيقات الحضارة الى موضع الفرض الكفائي, وموضع المباحات والفضول, وموضع المحظورات والمحرمات, كما يهتدي أيضاً إلى قواعد “فقه الأولويات” فيراعي تقديم أصل التزكية على العمارة المادية, وتقديم الفرض العيني على الفرض الكفائي, وتقديم النفع العام على النفع الخاص, وغيرها من المبادئ المنظمة, فيسير في هذا الطريق على نور من الله.

وشتان بين من استهدى بكتاب الله وبين من استقل بنظره الشخصي المجرد في التعامل مع مفهوم “الحضارة” وإرسال عبارات الطلب المطلق, حتى أصبح مفهوم “الحضارة” المجرد هو ذاته مقولة مرجعية حاكمة يتسلط على الناس بها في مزاحمة مبادئ الشريعة, ولذلك قال تعالى في موازنة هذين الطريقين:

{ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} ]الأنعام:122]

وقارن سبحانه وتعالى من وجه آخر فقال:

{ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} ]محمد:14[

والمتابع لخطاب بعض المتطرفين في مفهوم “المدنية” يلاحظ شدة تبرمهم من الاصرار الاسلامي على الاستمداد من “تنوير العلوم الالهية” وهذه ظاهرة قديمة كما قال تعالى:

{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) [التوبة:32]

والمقصود هاهنا أن هذا المعنى وهو أن المقالة لاتهدف لإلغاء المدنية جاء ذكره صريحاً في المقالة الأساسية -وأعتذر مسبقاً للقارئ من اضطراري لاقتباس بعض الشواهد لبيان المغالطة في قراءة غلاة المدنية- حيث جاء في مقالة مآلات الخطاب المدني:

(فهذه الفقرات السابقة لم يكن الهدف منها “اسقاط قيمة المدنية”, أو الغاء أهمية الحضارة, أو ترسيخ حالة الاستهلاك والتبعية في مجتمعاتنا المسلمة, وانما كانت مجرد مساهمة في اعادة “ترتيب أولويات” المثقف المسلم) ص 120

فكل ماكتبته في المقالة الأساسية كنت أتكلم فيه عن “الغلو المدني” وكنت أناقش فيه مقولات المتطرفين في مفهوم المدنية, لا المعتدلين المقسطين فيها.

وأوضح تعريفات “الغلو المدني” هو: (جعل المدنية المادية هي المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات) بما يعني تحويلها إلى غاية في حد ذاتها لاإلى وسيلة, وبالتالي يؤول الأمر إلى الإزراء بالقرون بالمفضلة واللهج بتعظيم الكفار, ثم انفراط بقية مسلسل الانهيارات الذي بات معروفاً اليوم.

ولم يكن نقدي موجهاً أصلاً الى الاعتدال المدني المحمود, بل بالعكس فقد جاء التنويه المستمر بالقرون المفضلة, والاتجاه الاسلامي المعاصر الذي احتذى حذوهم, لأنهما وقفا من الحضارة موقفاً شرعياً معتدلاً.

وقد جاء توضيح الموقف من أهمية اعدد القوة والامكانيات صريحاً في المقالة في مواضع متعددة من مطلعها الى خاتمتها, ومن ذلك:

(أما استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الوسائل والامكانيات فهذا واجب شرعي محكم لاخلاف فيه, فالمسلمون اليوم بحاجة ماسة الى الامكانيات الحديثة لابلاغ الرسالة الاسلامية) ص120

وجاء في المقالة أيضاً:

(ومثل هذه الغاية الالهية الشريفة لاتتحقق الا باتخاذ الوسائل الشرعية من اعداد القوة والامكانيات)ص120

ثم ذكرت المقالة أدلة وجوب اعداد القوة, كآية الاعداد, وحديث اليد العليا, وغيرها, كما وضحت المقالة أن المقصود ليس تحريم الطيبات حيث جاء فيها:

(كما ان الاستمتاع بالطيبات مما جاءت الشريعة بتقريره كما قال تعالى) ص121

ثم ذكرت المقالة الأدلة الشرعية على مشروعية الطيبات, وبيان “وجهي الموقف الشرعي” وهو الاستفادة من المنجزات الحضارية لكن مع الوعي بأولوية المشروع الايماني, كما جاء في المقالة:

(فالنبي صلى الله عليه وسلم استفاد من الحضارة المعاصرة له في الخندق, ومشروعية الغيلة, والتبادل التجاري, وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين, وراسلهم, واتخذ خاتماً لمراسلته كما هي عادتهم, وقبل هداياهم كما قبل هدية ملك أيلة والقبط, وأكل من طعامهم, ولبس من منسوجاتهم, وشارك يهود خيبر في نخيلهم, وغير ذلك من أوجه التواصل الشرعي, لكنه مع ذلك كله بين ضلالهم وانحطاطهم وظلاميتهم بسبب إعراضهم عن نور الوحي) ص 50

وأكدت المقالة أن ذم الشارع للكفار ليس ذما للمنجزات الحضارية, ولكنه ذم لتخلف هؤلاء الكفار عن أنوار الوحي, كما جاء في المقالة أيضاً:

(وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضارية والفنية قبيل مبعثه صلى الله عليه وسلم ليس ذماً لتلك المنجزات لذاتها, وإنما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية, فلم يصلوا إلى الرقي والسمو الحقيقي وهو مرتبة العبودية)

بل ذكرت المقالة “فضل المدنية الدنيوية” والثواب عليها إذا كانت موجهة لنصرة الاسلام وتحقيق قيمه ومضامينه, ومن ذلك ماجاء في المقالة:

(ويهمنا في هذا الحديث الاشارة الى فضل الممتلكات والامكانيات الدنيوية حين توجه الى نصرة الاسلام ويبتغى بها وجه الله, حتى أن الإنسان يؤجر على تفاصيل حركاتها التي تقع منها أثناء فعل الطاعة وإن لم يقصد الانسان تلك التفاصيل, وقد أشار الى ذلك غير واحد من شراح الصحيحين) ص 121

وحين عرض الحديث عن المصالح المدنية وعلاقتها بالشعائر ذكرت المقالة ارتباطها بها لكن مع التنبه الى خطورة اختزالها فيها:

(أما تهذيب الأخلاق الاجتماعية وإقامة المصالح العامة فهي من جملة غاياتها ومقاصدها التي يحبها الله, لكن لايجوز اختزالها فيها وقصرها عليها)ص 90

كما ذكرت المقالة فضل الاحتساب السياسي والتصدي للعدل العام:

(فإن التصدي للقيام بالعدل العام من أشرف معاني هذه الآية ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم من ضحى بنفسه من أجل العدل العام من “سادة الشهداء” والسيادة في الشهادة أمر زائد على مجرد الشهادة, ووجه كونه “شهيداً” أن التصدي للعدل العام من أفضل منازل “الجهاد”)ص 94

ثم ذكرت الأدلة الشرعية على ذلك كحديث سيد الشهداء, وحديث أفضل الجهاد, وعقوبة أهل مدين على مظالم الأموال العامة, وعقوبة فرعون على استعلائه واستضعافه السياسي لقومه, ثم تأييد ذلك باقتباس شاهد عن أبي حامد الغزالي يلخص موقف السلف في الانكار على الأئمة والولاة, مختوماً ببيان الموقف من الاحتساب السياسي:

(والغاية من هذه الاشارة المختصرة تأكيد قضيتين متوازيتين لايمكن فصلهما, أولهما: أن التصدي للعدل العام منزلة من أشرف منازل الجهاد, وثانيهما: أن حشد الاهتمام بالاحتساب السياسي لايكون عن طريق الازراء بأئمة القرون المفضلة ولا باختزال الشريعة في هذه القضية.) 96

بل إن “آخر نتيجة” تم اختتام المقالة بها كانت هذه النتيجة التالية:

(-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في اعداد القوة واتخاذ الامكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.) ص121

وغير ذلك كثير من الاشارات الواردة في ثنايا المقالة, والتبي تؤكد كلها, أن الغاية من المقالة “ترتيب الأولويات” وليس “إلغاء المدنية”, وهذا ظاهر في المقالة لايحتاج الى تكلف ولاعناء لفهمه.

أرأيت عزيزي القارئ أن هناك حالة من “إرادة عدم الفهم” لدى بعض غلاة المدنية؟ حيث روجوا عن المقالة أنها تستهدف إعدام المدنية, فهذا تدليس على فكرة المقالة في أساسها, وبالتالي “تفويت للحوار النافع المثمر” فإن نسبة قول لقائل يقول بخلافه ثم مناقشته على هذا الأساس تضييع للوقت وتهرب من محل الاشكال, فاختاروا أن يردوا على “الرهبانية” بالرغم من أنه لاظاهرة تقول بها اليوم أصلاً؟! وهذا إقرار ضمني بصحة منهج القرون المفضلة, بحيث أن المجادل يتهرب من مقولتهم الأساسية والتي هي غائية “تحقيق العبودية” ويذهب يرد على “الرهبانية”, لاعترافه الضمني أن تحقيق العبودية هو الغاية التي تواردت عليها نصوص الوحي.

ثانياً: إشكالية التعميم:

أما دعوى التعميم وأني حشرت أشخاصاً كثيرين في مرمى النقد, فقد استغربت حقيقة من هذه الدعوى, ذلك أن الذي أعرفه أن التعميم المذموم هو “وضع المتفاوت في مرتبة واحدة” وهو مايسميه الأصوليون “المساواة بين المختلفين” ويقابله عندهم التعميم المحمود وهو “عدم التفريق بين المتماثلين”, ولذلك يتعامل الابستمولوجيون مع “التعميم” كأحد خطوات المنهج العلمي لصياغة القانون العلمي, الذي يكون بتصفح واستقراء الظاهرة ثم استبعاد العارض والطارئ واستخلاص القدر المشترك, وتعميمه كقانون يطبق على الحالات الجديدة.

والمراد هاهنا أن “التعميم المذموم” يعني ذكر شخصيات متفاوتة وتحميل بعضها أخطاء البعض الآخر, فإذا كانت المقالة كلها مجردة أصلاً من ذكر أسماء الاشخاص فكيف يطالهم التعميم مع غياب المحل؟!

لست أدري كيف يقع التعميم على أشخاص في مقالة لاأشخاص فيها؟! بل كل مافي المقالة إنما هو مناقشة “أفكار مجردة” و “تصورات عامة” معزولة عن ذكر الأسماء والأشخاص.

ومع ذلك فلم أكتف بتجريد المقالة من أسماء الأشخاص بل لقد نصصت في مطلع المقالة على أن هناك كثير من الشخصيات التجديدية لازالت تحتفظ بموقعها الاسلامي المحترم, حرصاً مني على النأي بنفسي عن التعميم المذموم, حيث قلت نصاً في المقدمة:

(صحيح أنه لاتزال هناك شخصيات تجديدية تحتفظ برزانتها الشرعية واستقلالها السياسي وينتصب أمامها المرء بإجلال صادق -وهم كثير ولله الحمد- إلا أننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة تكاد عيون المراقب تبيض من الحزن وهو يشاهد جموحها المتنامي

وكانت هناك عدة أهداف من تجريد المقالة من ذكر الأسماء والشخصيات, منها التجافي عن الشخصنة, ومنها النأي عن التصنيف, ومنها أن غلاة المدنية ليسوا في مرتبة واحدة, بل هم متفاوتون تفاوتاً لاينضبط طرفاه, فحشرهم سوياً في مساق واحد يوهم تماثلهم في السقطات, مما يتعارض مع فريضة القسط.

ولذلك تجنبت التسمية وابتعدت عن الأشخاص, وناقشت أفكاراً وتصورات مجردة معزولة عن ذكر الأسماء, وقلت صريحاً في “مدخل المقالة” :

(ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل, أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف).

برغم أن بعض الاخوان الفضلاء الذين استشرتهم في مسودة المقالة انتقدوني لأني ناقشت أفكاراً غير معزوة لأشخاص, وطلبوا مني أن أصدِّر كل فصل بذكر “بعض النقول” عن غلاة المدنية ثم أناقشها, ولكني حين وازنت من جديد بين مصلحة “التوثيق” ومفسدة “الشخصنة” رجح في نظري ماكان راجحاً من قبل وهو أن مفسدة الشخصنة تفوق مصلحة ذكر الأسماء فرقاً عظيماً, ففضلت هذا القصور التوثيقي على أن أقع في التجريح والايذاء الشخصي, والانجراف الى غواية التصنيف ونصب مجالس الحكم بين عباد الله.

فإذا كانت المقالة كلها لاتتضمن أشخاصاً وإنما هي مناقشة أفكار وتصورات, فأين التعميم يارحم الله هذا القائل؟ فالمقالة لم تبتعد عن التعميم فقط, بل ابتعدت عن ذريعة التعميم, وهو حشر الاسماء حتى لو مع بيان تفاوتها.

ثالثاً: إشكالية “منهج صيانة الهوية ومقاومة التغريب”:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 − ستة =