السحر و أشياء أخرى : 2/5 هاروت و ماروت

هاروت وماروت والسحر
السحر وأشياء أخرى : هاروت وماروت

السحر و أشياء أخرى ( 2/5) هاروت و ماروت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
1- وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ
2- وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا
3- يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ
4- وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ
5- فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ
6- وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ
7- وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ
8- وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ
9- وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
/ البقرة ، آية 102/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما سنقوم به اليوم هو أمران اثنان فقط
1- تحليل جمل الآية جملة وراء جملة و تفكيكها إلى عناصرها الأولية كي نعرف علاقة الكلمات بعضها ببعض
2- التنقيب عن مواضع اللمسات البيانية في الآية التي ستساعدنا لاحقا على فهم مقاصدها البعيدة
أي مجرد استعراض البيانات التي تقدمها لنا الآية وسنؤجل عملية ربط البيانات مع بعضها البعض والتأويل الى الخطوة القادمة
و لنبدأ بالجملة الأولى في الآية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ

الفعل الرئيسي في هذه الجملة هو (اتبعوا) ، وهو فعل ماض
و الفاعل هنا هو الضمير المتصل بالفعل (واو الجماعة ) ويعود على جماعة من اليهود نبذت كتاب الله واتبعت ما تلت الشياطين من سحر وعلوم ضارة أخرى بعد عهد الملك سليمان .
وعرفنا أنهم اليهود من السياق القرآني في سورة البقرة والآيات السبعين التي سبقت هذه الآية حيث بدأ الخطاب القرآني المباشر لبني اسرائيل في السورة اعتباراً من الآية (40 )
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)
واعتبارا من الآية (40) وصولا الى الآية (102) يذكر الله بني اسرائيل ببعض نعمه عليهم و يطالبهم بالوفاء بعهده
ويستعرض سلسلة من المواقف التي نكث اليهود بعهودهم مع الله فيها وقابلوا النعمة بالجحود حتى وصل بهم الأمر في النهاية إلى انهم اتبعوا ما تتلو الشياطين

إذاً: الفاعل هو ((جماعة من اليهود ))، والفعل الذي فعلوه هو (( الاتباع ))، والمفعول به أو الأمر الذي تم فعله – أو اتباعه – هو ((ما تتلو الشياطين ))
اعراب ((ما)) هنا هو اسم موصول في محل نصب مفعول به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صياغة هذه الجملة توجد عدة ملاحظات بلاغية
الملاحظة البلاغية الأولى أن فعل (تتلو) جاء هنا بصيغة المضارع و ليس بصيغة الماضي !
مع أن المنطق اللغوي والإعرابي كان يقتضي أن يقول الحق سبحانه و تعالى: واتبعوا ما تلت الشياطين على ملك سليمان
أليس كذلك؟
الدكتور محمد فاضل السامرائي يقول:
الفعل المضارع قد يستخدم ليعبّر به عن الماضي في اللغة العربية إذا جاء الكلام في سياق حكاية الحال
وحكاية الحال هو أن يُعبّر عن الحال الماضية بالفعل المضارع للحدث ((المهم)) كأن يجعله حاضراً أمام السامع.
مثال ذلك قوله تعالى:
قُلْ فَلِمَ (َتقْتُلُونَ) أَنْبِيَاءَ اللَّهِ (مِنْ قَبْلُ) إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)
لماذا قال الله (تقتلون) ولم يقل (قتلتم) خاصة أن زمن القتل كان في الماضي وهذا ما أعادت وأكدته شبه الجملة (من قبل) ؟ّ!
مثال آخر:
لَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي (أَرَى) فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا ( تُؤْمَرُ) سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)

انتهى كلام الدكتور السامرائي ومنه نفهم أن صياغة الفعل ( تتلو) بالزمن الحاضر بدل الماضي يفيد أن الفعل أو الأمر الذي تلته الشياطين هو (( أمر هام وخطير))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذا الكلام صحيح طبعاً ، لكنني أعتقد أن هناك معنى أعمق من ذلك لاستخدام الزمن الحاضر بدل الماضي
فصياغة الله تعالى لفعل (تتلو) بالزمن المضارع يدل أنه عادة مستمرة ، أو فعل لم ينته في عهد سليمان
فالعلاقة بين الشياطين وبين طوائف متعاقبة من اتباعهم سواء من اليهود أو من غير اليهود هي علاقة مستمرة
و في هذه العلاقة دائماً الشياطين هي المتبوع الذي يتلو الأوامر والتعاليم ، والناس هم الاتباع الذين يتبعون أوامر وتعاليم الشيطان.
و يعزز هذا الرأي شواهد كثيرة أهمها واقع الحال
فتعليم السحر مستمر منذ ذلك العصر حتى يومنا هذا ، بل هو في ازدياد.
وما يؤكد ذلك أيضاً هو لمسة بيانية أخرى في الآية نفسها وهي تتمة الجملة، لقد قال الله : واتبعوا ما تتلو الشياطين ((على)) ملك سليمان.
ولم يقل: واتبعوا ما تتلو الشياطين (في) ملك سليمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و أيضاً في عبارة ((على ملك سليمان)) إشارة ضمنية إضافة للمعنى السابق وهي التقوّل والافتراء ونسب أخبار كاذبة على ملك سليمان عليه السلام
أي: اتبعوا وصدقوا الافتراءات والأوهام التي زعمتها الشياطين على سليمان من أن ملكه العظيم الذي آتاه اياه الله كان بسبب السحر والتحالف مع عالم الجان
بل و زعم بعضهم أن سليمان عبر البرزخ المحرم بين عالمي الجن والانس و( مسّ ) الشياطين وتحالف معهم وخضع لهم ، ومن السحر ومن قوة الشيطان جاءت سلطته و معجزاته!
وهو معنى شبيه لدلالة حرف الجر(على) الوارد في هذه الآية:
أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا (عَلَى) اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ (عَلَى) اللَّهِ كَذِبًا
/الجن/
وحتى الآن يوجد هذا القول الكاذب في الكتاب المقدس عند اليهود و النصارى من أن سليمان الحكيم انحرف في آخر عهده، بل و صار يبني المعابد الوثنية لعشيقاته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخلاصة في الجملة الأولى :
استخدام فعل (تتلو) في الزمن المضارع بدل الماضي يعني أن تلاوة الشياطين لهذه التعاليم التي انتشرت وشاعت ما بعد عهد سليمان سوف يستمر عند فئات من اليهود خصوصاً تتبع على مر العصور نفس المنهج الضال متوهمة أنها قد تصل في علاقتها مع الشياطين إلى ملك استثنائي كملك سليمان أو إلى نظام عالمي يضاهي ملك سليمان

هل الأمور واضحة حتى الآن ؟
إن لم تكن واضحة أعد قراءة الفقرة مرة أخرى قبل أن تنتقل إلى الجملة الثانية من الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2- وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا

هذه الجملة إذا أردنا إعرابها إعراب جمل فمحلها من الإعراب هو “جملة اعتراضية “
الله هنا يعترض السرد الإخباري للقصة بجملة اعتراضية (( ينفي بها تهمة)) حاول بعض اليهود الصاقها بالنبي سليمان فيقول وما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا
إذاً: ((ما)) في هذه الجملة هي حرف نفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3- يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ
الفعل في هذه الجملة هو (يُعلّمون)
والفاعل فيها هو الضمير المتصل (واو الجماعة)، وهذا الضمير يعود على الشياطين أي على آخر اسم ظاهر في الجملة التي سبقت لأن الضمير المتصل ينبغي أن يعود على أقرب اسم ظاهر له في الكلام.
وما كفر سليمان ولكن (الشياطين) كفـر(وا ) يُعلّمـ(ــون).
فعل (يُعلّمون) هو من الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين
المفعول به الأول في الجملة هو: (( الناس))
والمفعول به الثاني هو: (( السحر))
و من اللمسات البيانية الهامة التي يمكن الاشارة إليها هنا أن من أسباب كفر الشياطين هو تعليمهم الناس هذه العلوم المحرمة >>> السحر = الكفر
وهنا يجب أن نسأل ما هو السحر؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلمة السِحر مشتقة (من وقت السَحَر) وهو آخر ساعات الليل حين يصير كل شيء غير واضح وذلك قبيل طلوع الفجر أو الفلق الذي يتبين لك فيه الخيط الأبيض من الأسود
و في المواضع التي ورد فيها تأثير السحر على الإنسان في القرآن الكريم كان السياق الذي وردت به هو التخييل على الناس وخداع حواسهم بجعلهم يرون أو يشعرون بالأشياء كما يريد السحرة وليس على حقيقتها ، أو التأثير على الذاكرة والادراك فيخيل إليهم أنهم فعلوا الشيء و لم يفعلوه.
سحروا ((أَعْيُنَ الناس)) واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
/الأعراف: 116/
قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ (( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ )) مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى..
/طه : 66/

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا هو السحر باختصار وهذه هي حدوده القصوى.
و هذا السحر هو الذي تعلمه الشياطين للناس في اتفاقية الكفر المتبادل
لكن بعد كلمة السحر يضع الله سبحانه وتعالى حرف عطف هو ((الواو))
وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ …(؟؟؟)
وهذا يعني أن هناك شيء آخر إضافة إلى السحر تعلمه الشياطين للناس وهذا الشيء لابد أن تحوله الشياطين إلى شيء سيء لأن الشياطين الكافرة لا يمكن أن تعلم الناس الأشياء الحميدة
ما هو هذا الشيء الآخر الذي تقوم الشياطين بتعليمه للناس إلى جانب السحر؟
القرآن يجيب:
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ ((السِّحْرَ)) <<< وَ >>> ((مَا)) أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

((ما)) هنا جاءت بعد حرف عطف، وكي نعرف معنى ((ما)) في هذه الجملة يجب أن نعرف ما هو الاسم المعطوفة عليه ، وهناك قولان في ذلك:
– القول الأول أن ((ما)) معطوفة على الاسم الذي سبقها مباشرة ، أي على ((السحر)) ، عندئذ ((ما)) هنا اسم موصول، و في هذه الحال يكون معنى الجملة الطبيعي والبديهي أن الشياطين يعلّمون الناس السحر، و يعلمونهم أيضاً الشيء الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
وكلمة (هاروت وماروت) هي بدل من كلمة (ملكين).

– لكن هناك قولٌ ثانٍ فيه تكلف وتقديم و تأخير وأصحابه يقولون أن ((ما)) معطوفة على جملة (ما كفر سليمان) في الجملة التي سبقت ، عند ذلك هي حرف نفي لأن الجملة المعطوفة عليها هي جملة منفية أيضاً
وفي هذه الحال يكون معنى الجملة: ما كفر سليمان، وأيضاً ما أنزل على الملكين ببابل من شيء.
أي – حسب هذا القول- تكون قصة كفر سليمان مختلقة وغير صحيحة و كذلك قصة انزال شيء على ملكين مزعومين مختلقة أيضاَ.
عندئذ ينبغي أن يكون ترتيب الجملتين – حسب رأي أصحاب هذا القول- كالتالي:
” وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت
ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر “
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكنني استبعد هذا الرأي كله جملة وتفصيلاً لسببين اثنين :
السبب الأول: إن هذا التأخير لعطف جملة (وما انزل على الملكين) و التي يفترضون أنها معطوفة على جملة (ما كفر سليمان) قد يكون جائزاً لغوياً في كلام الناس العادي لكنه غير جائز في علم البلاغة، و القرآن هو كلام الله البليغ.
لا يجوز– بلاغةً – أن يكون هناك فاصل كبير بين الاسم المعطوف والاسم المعطوف عليه.
السبب الثاني: هو تتمة الآية أي الجملة الرابعة التي تليها مباشرة
و التي جاء الفاعل فيها بصيغة المثنى الذي يعود على الملكين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4- وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ

الفعل في هذه الجملة هو يُعلّمان، والفاعل هنا ((مثنى)) وهو يعود على هاروت و ماروت ، وليس على الشياطين (الجمع).

وَ مَا ((يُعَلِّمَانِ)) مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ ((يَقُولَا)) إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ
فَيَتَعَلَّمُونَ (( مِنْهُمَا )) مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ

فلو أن قصة إنزال شيء على ملكين هي قصة لا أصل لها و القرآن ينفيها فلماذا إذن الفاعل في الجمل التي تلت لفظ الملكين جاء بصيغة المثنى، ولم يأت بصيغة الجمع .
كان من المفترض أن يتابع السياق القرآني بصيغة الجمع على الشكل التالي:
وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر>>> وما (يعلمون) من أحد حتى (يقولوا) إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون (منهم) …الخ .
لكن الآية ليست كذلك.
– ((يُعَلِّمُونَ)) النَّاسَ السِّحْرَ و .. >>الفاعل هو الشياطين (جمع)
– وَ مَا ((يُعَلِّمَانِ)) مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ ((يَقُولَا )) >> الفاعل هو هاروت وماروت (مثنى) ، بغض النظر عن ماهية هاروت وماروت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن: جملة (وما أنزل على الملكين ) معطوفة على كلمة ( السحر) ، و((ما)) هنا هي اسم موصول وليست نافية

والآية ليس فيها تقديم أو تأخير، بل هي تماماً كما نقرأها، ومعنى الآية يجب أن يفهم وفق ترتيب الكلمات الذي أنزلت به دون أن نقدم حرف أو نؤخر حرف و دون تأويل أو تقدير.
لأن الله سبحانه و تعالى لا يعجزه البيان
فإذا كان البعض أشكل عليهم فهمها بهذا الترتيب الذي أنزلت به فليس هناك عيب في ذلك، وربما تكشف لهم الأيام ما أشكل عليهم فهمه الآن، لكن لا يجوز تقديم وتأخير بعض الكلمات أو افتراض ترتيب مخالف كي يتغير المعنى حسب مستوى العقول المحدود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذن هناك فرع من العلوم يختلف عن السحر، أنزله الله على الملكين، والملكان يُعلّمان الناس هذا العلم لكن هناك تحذير وشرط يسبق عملية التعليم، والشرط هو: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
وبذلك نكون هنا أمام صنفين من العلوم تعلمهما الشياطين
العلم الأول هو السحر وهذا العلم مصدره الشياطين نفسها .
إنه ((علم سفلي)) وله جانب وحيد شرير وضار، وليس فيه أي جانب نافع.
و عملية تعليم السحر الشيطاني لا يسبقها تحذير او تنبيه قبل تعليمه، بل على العكس هناك اغواء و تزيين و توريط و جر أرجل الناس اليه كي يقعوا في الفخ القاتل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و العلم الثاني هو علم يشبه السحر أنزل على الملكين من لدن الخافض الرافع، المعطي المانع، الضار النافع، والذي لا يضر مع اسمه شيء ، والذي يبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. .
إنه ((علم علوي)) أنزله الله سبحانه في زمان محدد، وفي مكان محدد، ولغاية محددة.
إنه علم حيادي – نظرياً – لكنه سيف ذو حدين –عملياً- لذلك هو فتنة، وقام الملكان بتعليمه لمن أراد واختار الفتنة من الناس بعد تحذيرهم من المخاطر

( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ )

إنه علم ذو جانبين: جانب ضار خطير لو أسيء استخدامه، وجانب نافع لو أحسن استخدامه.
و لأن الجانب الضار في هذا العلم الذي أنزل على الملكين قد يؤدي إلى الكفر لذلك هو علم يهم الشياطين أن تستحوذ عليه لأن الهدف الأساسي للشيطان هو أن يصل الناس الى الكفر
فبطريقة أو بأخرى استطاعت شياطين الإنس و الجن أن تسطو عليه ونشرت في الأجيال اللاحقة الجانب الضار منه فقط ولاسيما التطبيقات العملية التي قد تؤدي إلى التفريق بين المرء وزوجه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن ما طبيعة العلم الذي أنزل على الملكين؟
و ما الذي يميزه عن السحر الشيطاني ؟
ربما نستطيع أن نعرف الجواب عندما نعرف في أي مكان وزمان أنزل هذا العلم على الملكين.
القرآن يخبرنا أن المكان هو بابل، والزمان هو في عهد قريب من وفاة النبي سليمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يرد اسم بابل في القرآن صراحة إلا مرة واحدة فقط ، و المرة الوحيدة هي هنا في هذه الآية من سورة البقرة
و اسم بابل المذكور هنا ليس تفصيل صغير من تفاصيل الخبر القرآني الذي يسرده لنا الله عز وجل.
بابل هنا ليست كلمة زائدة إن حذفت من الآية لا يتغير أي شيء من معناها ، وليست حشو قصصي لا محل له من الإعراب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجب أن نتذكر دوماً و نحن نتعامل مع آيات القرآن
أن القرآن الكريم في كل قصة يخبرنا بها أو يعطينا منها قبس أو لمحة فإنه دائماً يذكر أشياء، و يغفل ذكر أشياء أخرى ، و يكرر ذكر بعض الأشياء أكثر من مرة .
إذا ذكر الله الشيء وسمّاه فهناك حكمةٌ ، وإذا لم يذكر الشيء أو لم يسميه فهناك حكمةٌ ، وإذا كرر ذكر الشيء فهناك أيضاً حكمة.

و القرآن ذكر في سياق هذا الخبر أو هذه القصة أن هناك علمٌ ما قد أنزل على ملكين لم نسمع باسميهما من قبل في مدينة محددة من العراق هي بابل
فهذا يعني أن القرآن هنا يقدم لنا (( مشروع بحث.))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا ذكر لنا اسمي هذين الملكين هاروت وماروت
بينما لم يذكر لنا اسماء مئات الشخصيات الأخرى الذين وردت قصصهم في القرآن ؟
لم يذكر القرآن مثلاً اسم امرأة فرعون أو اسم أي امرأة من عشرات النساء اللواتي كن بطلات قصص هامة وردت في القرآن، باستثناء مريم بنت عمران

بل لم يذكر القرآن من أسماء الانبياء والرسل السابقين إلا 25 نبياً بينما أعدادهم هي بالآلاف
و القرآن أيضاً لم يذكر صراحة اسم أي أحد من جميع مشركي قريش وأعداء الرسالة، ولا حتى اسم أي أحد من الصحابة الذين ناصروا الرسالة والاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو أبو لهب في فريق الأعداء، و زيد بن حارثة في فريق الصحابة، ولهذا حكمة بالغة يعرفها كثير منكم، وتحدث عنها العلماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكن السؤال الذي لم يسأله أحد :
لماذا أغفل القرآن ذكر أسماء كل من سبق و ذكر لنا في المقابل اسمي ملكين – لم يسمع بهما أحدٌ من قبل – و هبطا في مدينة محددة هي بابل ، وفي زمان محدد هو بعد وفاة سليمان عليه السلام ؟
هل يا ترى لأن لديهما مهمة محددة في مكان محدد و زمان محدد؟
و هل سيتغير فهمنا للقصة إن أغفل الله ذكر اسميهما، أو أغفل الزمان والمكان الذي كانا فيه؟
هل سيتغير شيء في فهمنا للآية لو لم تُـذكر – فرضاً- هذه الكلمة العابرة … بابل ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نـور ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم ، سيتغير الكثير .
لأن اسم بابل هو الباب الذي سندخل منه إلى الحل.
و للحديث بقية

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر + 3 =