أيهما أحفظ للشريعة : أن تكون مرهونة بالحاكم الفرد أم بإرادة الشعب ؟

أيهما أحفظ للشريعة : أن تكون مرهونة بالحاكم الفرد أم بإرادة الشعب ؟

 

لقراءة ومتابعة النقاش من بدايته يرجى النقر على هذا الرابط

http://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=155320871171957&id=1258493155

بندر الشويقي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
حياك الله أخي عبدالله، واسمح لي أن أتطفل على نقاشك هذا بما يأتي:
أولاً: رأيت هنا في النقاش لبساً بين جانبين: (سلطة التنفيذ)، و (سلطة التشريع). فحين نتحدث عن سلطة التنفيذ فأنا أوافقك على أن من الخطأ المقابلة …بين (حاكمية الشعب، وبين حاكمية الشرع)، كما أن من الخطأ -أيضاً- المقابلة بين (حاكمية الفرد، وحاكمية الشرع).

أما حين نتحدث عن (التشريع) فإن المقابلة هنا بين (حاكمية الشرع، وحاكمية الشعب)، أو بين (حاكمية الفرد، وحاكمية الشرع)، مقابلة صحيحة لا إشكال فيها. فكل شريعة أو قانون لا بد لها من مصدر أعلى ترجع إليه. وعند هذه النقطة بالذات يقع التباين بين الدولة المسلمة والدولة الخارجة عن شريعة الإسلام. سواء كانت هذه الدولة الخارجة ديمقراطية (تجعل الشعب مصدر السلطات كلها)، أو دولة يحكمها فرد يجعل هواه مصدر السلطان كلها.

فبقطع النظر عن إمكانية أو عدم إمكانية (رفض المسلمين لشريعة الإسلام)، فإن المقابلة بين قانون اكتسب شرعيته من (نص قرآني أو نص نبوي)، وبين قانون (اكتسب شريعته من أغلبية برلمانية تمثل أكثر الشعب) مقابلة صحيحة لا إشكال فيها.

ثانياً: رأيتك تسأل وتقول: ( هل الأنبياء جاءوا إلى الناس لكي ينقلبوا عليهم ويخطفوا منهم السلطة ويكرهونهم على دين الله .. أم جاؤوا دعاة مبشرين ومنذرين ثم الناس إذا آمنوا برسالتهم أقاموا الدولة على منهاج النبوة ..).
وسؤالك هذا -أيها الفاضل- يجيبك عنه نبيك -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده)، فحين يكون المسلمون في قوة ومنعة وقدرة فهم مأمورون بإخضاع أرض الله لشرع الله. وهذا معنى قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله). فالمقصود هنا أخضاع الناس لشرع الله، وليس إجبارهم على الدخول في دين الإسلام.

وقد كان هذا مسلك النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده ، فهم حين فتحوا الفتوح أخضعوا البلاد للشرع، ولم يلتفتوا لنسبة المسلمين في تلك البلاد ، أقلية كانوا أم أكثرية. ولو علق الأمر حينذاك بالأكثرية، لانتظر الصحابة تطبيق شرع الله حتى يقنع أهل البلاد المفتوحة ويدخلوا دين الإسلام.

لكن هناك فرق بين الحديث عن مسلمين لهم دولة وشوكة وقولة -كما هو الحال فيما مضى-، وبين الحديث عن أقلية مستضعفة في مجتمع كافر، بالكاد تأمن على نفسها، فهؤلاء لا يسألون أصلاً عن تحكيم الشرع في تلك البلاد.

ثالثاً: دعني أسألك هذا السؤال حتى يتضح حرف المسألة التي تطرحها:
ما رأيك لو أن حاكماً فرداً متنفذاً له قوة ومنعة وجيش وأنصار يحكم بلداً فيها مسلمون (سنة، وشيعة)، ونصارى، ويهود، و وثنيون. وباستطاعة هذا الحاكم أن يجري على الجميع شرع الله دون خشية أحدٍ.

فلو فعل هذا: هل يكون متعدياً على حقوق هؤلاء؟؟ وهل يكون مخالفاً لهدي الأنبياء؟
وهل ستقول له :
لا يجوز لك الحكمُ بالشرع حتى تتحقق لك أكثرية مؤيدة؟؟

لا تقل لي هذا سؤال افتراضي، فإن أردت مثالاً حياً أعطيتك أيها الفاضل.

واسلم لأخيك ومحبك الذي آثر أن يكون أول تعليق له في الفيسبوك معلقاً على حائطك.

عبدالله المالكي
أهلا بالشيخ بندر .. نورت الصفحة .. وشكرا لمرورك الكريم ..

أولا يا شيخ بندر بصفتي مسلم وموحد فالقانون لا يكتسب شرعيته عندي من خلال غالبية المجتمع إنما من خلال الكتاب والسنة والإجماع .. هذه عقيدتي .. وخلافنا ليس هنا .. خلافنا كيف نجسد هذا القا…نون الذي اكتسب شرعيته – من الكتاب والسنة والإجماع – في أرض الواقع : عن طريق الأمة أم عن طريق الحاكم الفرد الذي اغتصب حق الأمة في امتثال الشريعة وأصبح هو الذي يحدد ما هي الشريعة ؟ .. أيهما أضمن وأبعد عن الهوى والتحريف والعبث .. الأمة بمجموعها أم الحاكم الفرد .. هذا هو سؤالي منذ فتحت هذا الموضوع ..

أما مسألة الجهاد والغاية منها .. فهذا موضوع آخر .. لا بأس عندي في مناقشته .. ولكن بعد أن تتكرم وتتفضل بالإجابة عن سؤالي الأول الذي استفتحت به هذا النقاش .. أيها أضمن وأحفظ للشريعة : أن يكون تطبيقها مرهونا بإرادة الحاكم الفرد المستبد أم بإرادة مجموع الأمة المسلمة .. هذا هو سؤالي بكل بساطة ؟

أما الغاية من الجهاد ؟
هل هو من أجل فرض شرع الله على الناس أم من أجل إزالة العوائق أمامهم حتى يسمعوا كلام الله ؟ ..
هل الجهاد من أجل إكراه الناس على الدين .. أو من أجل (حتى لا تكون فتنة) ؟ .. وما المقصود بالفتنة هنا ؟
هل جهاد الطلب والذي كان يسميه بعض العلماء بجهاد الدعوة .. هل من أجل قسر الناس على الشرع أم من أجل دعوتهم إلى الشرع .. عبر إزالة العوائق والموانع التي تمنعهم من أن يسمعوا كلام الله ..

إذا كان جهاد الطلب من أجل إكراه الناس على شرع الله .. فلماذا كان تخيير الأمم الكافرة بين الإيمان ومن ثّمَّ الدخول في أمة الإسلام .. أو بقائهم على دينهم وعلى شرعهم مع دفع الجزية عن يد وهم صاغرون .. صاغرون أي خاضعون لهيمنة دولة الإسلام من الناحية السياسة لا من الناحية الدينية أو التشريعية .. لأنه لا يجوز إكراه الناس على الدين أو الشرع .. إنما فقط أن تبقى دولة الإسلام هي المهيمنة وهي الأعلى حتى تكون كلمة الله هي العليا ..

هل هذه هي الغاية من جهاد الطلب ..

هذا محل بحث ونقاش وليس لدي أي مانع في بحثه معك أخي بندر .. وأعتبرها والله فرصة ثمينة حتى أستفيد منك ويستفيد الأخوة من نقاشنا .. ولكن هذه المسالة ليس مقام بحثها هنا .. البحث هنا : هو السؤال الذي طرحته منذ البداية ؟
ما هو الأضمن والأصلح في حفظ الشريعة : أن تكون مرهونة بيد الحاكم الفرد المستبد أم بيد الأمة المسلمة ؟ هذا هو السؤال الذي طرحته أنا وأنتظر منك التفضل بالجواب حتى أستفيد ..

كذلك سؤالك عن دولة يحكمها حاكم مسلم مستبد قوي له جيشه وأنصاره .. والمسلمون في هذه الدولة أقلية .. أقلية أمام أكثرية كافرة .. هل يحكمهم بشرع الله أم يتنازل بالحكم لهم ؟

حتى هذا المثال يا صديقي – الاستثنائي ولا أقول الافتراضي – هو حالة استثنائية لها حكمها الخاص ولا يصح أن نجعلها أصلا .. وقد تحكمها المصلحة الشرعية .. ثم ليس بالضرورة أن تكون المصلحة الشرعية في قهر الناس على الشرع ويكون حكم الإسلام مهدد بالانقلاب والثورة من قبل الأكثرية في أي لحظة .. بل المصلحة الشرعية أحيانا هو دعوة الناس إلى الإسلام .. ويكون أهل الإسلام هم الأكثرية .. لأنه لا يمكن .. لا يمكن أبدا أن يستمر ويدوم حكم المسلمين على الأكثرية غير المسلمة .. فأين المصلحة الشرعية ؟
.. ثم ليس من الشرع أن يحمل الحاكم المسلم المستبد الأكثرية الكافرة في دولته على شرع الله .. إنما الواجب عليه أن يعدل بينهم وأن يحمي حقوقهم ويوفر لها الفضاء الحر لكي يدينوا بديانتهم في معابدهم ويتحاكموا إلى شريعتهم وقوانينهم .. يحميهم كما قال الفقهاء وهم يشركون بالله ويشربون الخمر ويأكلون الخنزير .. وصدقني الأكثرية الكافرة لا تريد أكثر من هذا ..

ثم هل الحكم هنا .. بيد فرد مستبد لا يسلم من الهوى والظلم والطغيان أو بيد الأقلية المؤمنة .. شورى بينهم .. ثمة فرق هنا .. لأن الأمر إن كان شورى بين المؤمنين فحينها سيسود العدل والرحمة بين الرعية أي كانت ديانتهم وطوائفهم .. وإذا ساد العدل والرحمة بين الرعية فحينها لن يبقى المسلمون أقلية .. بل سيتحولون إلى أكثرية كما تقول شواهد التاريخ ..

الخلاصة هذا مثال استثنائي وله اعتبارات كثيرة تدخل عليه وتؤثر فيه .. ذكرت لك بعضها .. وبالتالي ليس لدي فيه أي إشكال .. فله حكمه الخاص المبني على المصلحة الشرعية ..

على أية حال .. ليس جيدا ولا من المناسب أن نفتح النقاش حول هذه المواضيع المتشعبة .. إلا إذا أقفلنا الجواب عن السؤال الأساسي الذي تم طرحه ابتداء ..

ما هو الأضمن والأحفظ والأبقى للشريعة .. أن تكون مرهونة بيد الحاكم الفرد المستبد .. أم بيد الأمة المسلمة بمجموعها ؟ لنقفل الإجابة عن هذا السؤال .. ولنفتح بعدها كل المسائل التي تريد يا صديقي ..

واسلم لأخيك وحبيبك .. الذي ما زال يحتفظ في قلبه لك مودة خاصة وخالصة .. وسيبقى ..

بندر الشويقي
ياك الله –أخي عبدالله-. وأشكر لك ما تفضلت به.

لا أوافقك على أن تلك الصورة التي أوردتها عليك صورة استثنائية، بل هي صورة تكررت كثيراً في التاريخ القديم والحديث. بل إني أزعم أن كل دعوةٍ إصلاحية ناشئة ستواجه مثل هذه الصورة التي تقول إنها استثنا…ئية. فمن بداية (فتح مكة) حين حطم النبي –صلى الله عليه وسلم- أوثان قريش (وهم أكثرية البلد)، وإلى دعوة (ابن عبدالوهاب) حين كان يغزو الناس ويقسرهم على ترك مظاهر الشرك بقطع النظر عن كونهم أقلية أو أكثرية. ودونك استفتاء السودان القادم على استقلال الجنوب (فهل الحكومة هناك ملزمة شرعاً بالنزول عند رأي الأكثرية النصرانية لو استطاعت رفض هذا الرأي).
سؤالي دائماً هو: هل كون صاحب السلطة ذا أقلية يعني أنه لا مشروعية لتصرفاته. وهل صاحب الأكثرية يكون دائماً صاحب المشروعية؟ هنا النقطة المفصلية في تحرير الفارق الشاسع بين (ملة التوحيد)، وملة (إرادة الأكثرية).

أخي الفاضل…انظر معي لهاتين العبارتين لتدرك ما أعنيه. ففي تعليقك قبل الأخير قلت: “لا يمكن أن استخدم العنف والقوة إلا في حال المشروعية التي تجيز لي استخدام تلك القوة .. من خلال القانون الذي يمثل إرادة الأغلبية .. حينها سأستخدم العنف والإجبار بسلطة القانون التي تمثل إرادة المجتمع”.
هذه الجملة تعني –أيها الفاضل- أنها لا شرعية لأي قانونٍ: سماوي أو أرضي، إلا إذا كان يمثل إرادة المجتمع. فحاول الجمع بين هذا وبين قولك لاحقاً: “بصفتي مسلم وموحد فالقانون لا يكتسب شرعيته عندي من خلال غالبية المجتمع إنما من خلال الكتاب والسنة والإجماع .. هذه عقيدتي”.

أخي الكريم…هل تلحظ الآن الخلل في الكلام الأول الذي كتبته وأنت تسترسل مع التصور (الديمقراطي)، ثم رجعت ونقضته حين كتبت بصفتك مسلماً موحداً.
اختر لنا الآن أي العقيدتين…حتى يتحدد مسار نقاشنا…فبصفتك مسلماً مؤمناً موحداً…هلا أجبتنا عن هذه النقطة:
هل شرعية القانون في الدولة المسلمة تستند للكتاب والسنة؟
أم أن شرعية القانون في الدولة المسلمة تستندُ لرأي الأغلبية؟
أم أنه لا بد من الأمرين معاً، فلا يكون للكتاب والسنة شرعيةً إلا إذا مثلا رأي الأغلبية. وتذكر أن هذا القول الأخير هو عينه القول الثاني.

هذه الأسئلة –أيها الفاضل- ليست افتراضات جدلية، ولا مماحكات لفظية. هي أسئلة تمس قاعدة الإيمان المبني على التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله ونهيه.

فقبل الحديث عمن سيطبق (الشرع) ابحث لنا أولاً: ما هو الشرع؟؟ فهنا يكمن الإشكال الحقيقي عند المندفعين في تبني الفكرة الديمقراطية، فهم يتفقون على أن المشروعية محصورة في (إرادة الأغلبية) بقطع النظر عن نتيجة هذه الإرادة.

يبقى بعد هذا التنبيه لأمر: فمن الخطأ البالغ ما ذكرته من أن الكفار إذا دفعوا الجزية، فإنهم يخضعون لدين الإسلام من الناحية السياسية دون التشريعية والسياسية.
أبداً أخي…بل حتى من الناحية التشريعية، هم خاضعون لدين الإسلام. نعم شرع الله أعطاهم الحق في التحاكم لمن يرتضون في خصوماتهم. وأباح لهم استثناءاتٍ من جنس شرب الخمرة وممارسة عباداتهم. لكن هم مع ذلك خاضعون لشريعة الإسلام، فلا يجوز لهم بناء الكنائس، والزاني منهم يجلد أو يرجم، والسارق يقطع، وليس لهم دعوة المسلمين لدينهم، في حين يجب على المسلمين دعوتهم للإسلام. ومن نكح منهم مسلمة قتل. والخصومة التي تقع بين أحد منهم وبين أحد من المسلمين مردها للقضاء الشرعي الإسلامي….إلى آخر أحكام كثيرة هم مجبورون على الخضوع لها ولا خيار لهم فيها لغير شريعة الإسلام. فكيف تقول: إنهم لا يخضعون للتشريع الإسلامي.

تأمل هذا، وسترى أنك تخرق الإجماع حين تنساق وراء تلك التفسيرات العصرية المحدثة لغاية الجهاد ومقصوده.

أما سؤالك: عمن هو أحفظ للشرع…فهو سؤال فيه إجمال بالغ يجعل أي جواب عنه محكوماً عليه بالخطأ سلفاً…فأخبرنا عن أي شعبٍ تتحدث؟ وفي أي ظرفٍ تتحدث؟ وعن أي حاكم تتحدث؟ وكيف ستتوصل إلى قراءة إرادة الشعب؟ وهل ستدخل معك أهل الفسوق وأهل الأهواء المخالفة للشرع وأنت تقرأ إرادة الشعب؟ بل هل ستدخل معك أهل الكفر الصريح في قراءتك لإرادة الشعب؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير تحتاج للجواب عنها قبل طرح سؤال مجمل حمال أوجه.

عبدالله المالكي
أهلا بك مرة أخرى أخي بندر ..

أؤكد لك مرة أخرى .. أن وجود حاكم مسلم يحكم أغلبية كافرة هي ظاهرة استثنائية .. أؤكد لك .. ولكن لا أريد أن أدخل في نقاش عريض في هذه الجزئية ..

ثانيا : قولك بأن في كلامي خلل .. أخشى بأن الخلل قد يكون في فهمك لكلامي ي…ا صديقي .. حاول أن تقرأ كلامي بتأني وتأمل وتعمق وأريحية وبعيدا عن أي تصورات مسبقة .. أتصور بأنه سيزول ذلك الخلل الذي طرأ عليك ..

حين قلت لك بأني لا استخدم القوة والعنف في البلد الذي انتمي إليه إلا إذا كان استخدام القوة والعنف مشروعا من خلال القانون وإلا سيكون ذلك انقلابا على سلطة الأغلبية وبالتالي الفوضى والدمار .. فأنا أتكلم هنا عن مشروعية استخدام العنف والقوة لا مشروعية الشريعة ..

وحين قلت لك .. بأن مشروعية الشريعة عندي لا تحصل إلا من خلال النص والإجماع لا من خلال الأغلبية .. فأنا أتكلم هنا عن مشروعية الشريعة .. عن تحديد مراد الله تعالى .. أين هو ؟ وكيف نحدده ؟ .. لا تحدده عندي الأغلبية .. إنما الكتاب والسنة والإجماع .. فأنا هنا أتكلم عن مشروعية الشريعة لا مشروعية استخدام العنف والقوة .. ولا يلزم من مشروعية الشرعية مشروعية استخدام القوة والعنف .. مشروعية استخدام العنف والقوة لها اعتبارات مختلفة عن اعتبارات مشروعية الشريعة ..

لا أرى في كلامي هذا يا صديقي أي خلل ..

ولكن بعيدا عن هذا النقاش المتشعب .. اتركنا منه بالله عليك .. وأجبني عن سؤالي الذي طرحته لك .. حتى نستفيد ويكون نقاشنا موضوعيا وليس جدليا سجاليا ..

أعيد للمرة الألف .. أيهما أحفظ وأبقى وأضمن للشريعة في تصورك .. أن يكون تطبيقها مرهونا بالحاكم الفرد أم بإرادة الشعب ..
تقول حدد لي من هو الشعب .. وما هي الآليات والطرائق ..

لن أشعب الحوار .. ولن افرض لك فرضيات ذهنية ثم ندخل في أودية سحيقة في الجدال معها .. خلي هذا في وقت لاحق ..

أنا أتكلم عن واقع المجتمعات المسلمة الآن ..

شعب مسلم .. وحاكم مستبد مسلم .. هذه الحالة بالذات .. أيهما أحفظ وأبقى وأضمن للشريعة أن يكون تطبيقها مرهونا بالحاكم الفرد المستبد أم بإرادة الأمة المسلمة .. جاوبني بالله عليك ..

أيهما أحفظ وأضمن للشريعة عندك .. بغض النظر الآن عن الآليات التي تسأل عنها .. حدد الآن الأصل ثم بعد ذلك نتكلم عن الآليات والإشكاليات التي تذكرها ؟
وحتى أريحك .. أنت قدم الآليات والوسائل التنفيذية التي تجعلك مطمئن وقرير العين .. وخذ راحتك في هذا ..

المهم .. حدد لنا : الأمة المسلمة .. أم الحاكم المسلم المستبد ؟

أرجوك جاوبني ولا تحيد يا صديقي بندر .. تراني أحبك .. وسأبقى أحبك ..

بندر الشويقي
أحبك الرحمن كما أحببت أخاك الذي يكن لك أطناناً من المودة ينوء بحملها أولو العصبة ،،،، رغم لقائنا العابر.

أيها الفاضل…ليست المسألة حيدة ، فأخوك من أكره الناس للحيدة في مقام المباحثة. لكن ما أراه أمامي أنك تطرح سؤالاً مطاطاً بدا لك أنه محرج …لمن يرفض الأنموذج الديمقراطي، فذلك توهمت أني والإخوة نتحايد الجواب عنه.

ما أريد شرحه: أنه لا يوجد جواب مطلق عن سؤالك الذي تطرحه، ففي أحيانٍ يكون حكم (الفرد) خيراً للناس، وفي أحيانٍ أخرى تكون إرادة (الشعب) خيراً لهم –هذا إن كان هناك شيء اسمه إرادة الشعب-.

أنت الآن أردت أن تزيل اللبس عن سؤالك، فقلت: (إنك تتحدث عن واقع المجتمعات المسلمة الآن). فهل تتوقع أن إرادة الأغلبية في السعودية، مثل إرادة الأغلبية في لبنان؟ وهل تتوقع أن إرادة الأغلبية في مصر، مثل إرادة الأغلبية في إيران؟ وهل تتوقع أن حكم فرد مثل زين العابدين بن علي، يطابق حكم فرد مثل الملا عمر (من جهة حفظ الشريعة).

أخي الفاضل…هذه الثنائيات التي تستعملها ليست دقيقة. ومن يجيبك بأحد الخيارين، لابد أن يخطئ في جوابه.

لك أن تعتبر هذا الكلام حيدةً وهروباً، فهذه قناعتي كتبتها لك. ولست أملك –بعد هذا- المزيد من الشرح والبيان. لكني دعني الآن أعود لمسألة المشروعية. فهي التي تعنيني من هذه المباحثة كلها. وإن كنت أراك لا تعيرها الكثير من الاهتمام. فمن أكبر الإشكالات التي أراها تبرز دائماً في كلام المتعلقين بالأنموذج الديمقراطي تحاشيهم الجواب عن سؤال: المشروعية.

فمع أني عقلي القاصر عاجز عن فهم حديثك المبهم عن الفرق بين (مشروعية الشريعة) وبين (مشروعية استخدام العنف والقوة). إلا أني سأطرح عليك سؤالاً يوضح الإشكال:

أنت تقول: إن وجود حاكم مسلم يحكم غالبية كافرة ظاهرة استنثائية.
سوف أسلم بهذه المقدمة جدلاً –وإن كنت لا وافق عليها-، لكني أفهم من كلامك الآن أنها صورة استثنائية، وليس صورة خيالية مفترضة…

حسناً أخبرنا الآن:

هذه الحالة الاستثنائية، ما حكمها شرعاً؟

وبعبارة أوضح: هذا الحاكم إذا كان أمره نافذاً وسلطته مستقرة، هل يجب عليه أن يحكم رعيته بشريعة الإسلام دون التفاتٍ لرأي الأغلبية؟ أم أنه بفعله هذا يكون –في رأيك- ظالماً جائراً مستبداً مغتصباً للسلطة؟!

عبدالله المالكي
أهلا حبيبي الشيخ بندر مرة أخرى .. وأهلا بك مرات ومرات .. ولك مثل أطنانك حبا .. أطنانا وأطنانا ..

أولا يا شيخ بندر أنا أنزهك عن تقصد وتعمد الحيدة في الجواب أثناء المباحثات العلمية .. صدقني أنت عندي أجل من ذلك .. ولكن ليس بالضرورة أن يقع الب……احث في الحيدة عن وعي وتقصد .. الذي أراه بأنك وقعت في الحيدة بدون أن تشعر .. هذا ما أراه ..

فسؤالي منذ البداية كان واضحا وسهلا بل ومحددا .. أمة / وحاكم مغتصب .. أيهما أحفظ للشريعة .. أن يكون تطبيقها مرهونا بإرادة الأمة أم بإرادة الحاكم المغتصب المستبد ..

قلت أنت بأن السؤال عام ويحتمل احتمالات كثيرة ..

حسنا تنزلت معك .. وحددت لك السؤال بشكل أدق .. وقلت لك : شعب مسلم / وحاكم مغتصب مستبد مسلم .. أيهما أحفظ وأضمن وأبقى للشرعية في مثل هذه الحالة ..

ومع ذلك حدت يا صديقي مرة أخرى واعتبرت السؤال ما زالا عاما ومطاطا ..

يا سبحان الله .. أقول لك : شعب مسلم / وحاكم مغتصب مستبد مسلم .. وما زال الأمر مشكل عندك يا شيخ بندر .. لا تستطيع أن تختار أحدهما .. إذن من يطبق الشريعة ؟ ملائكة ينزلون من السماء .. أم ننتظر الدبابة الأمريكية ؟

لا شعب ولا حاكم .. يعني تبقى الشريعة معلقة ؟

يا شيخ بندر أليست الأمة بمجموعها مكلفة بالشريعة .. لماذا ننزع عنها هذا التكليف يا صديقي .. لماذا نتردد في إعادة التكليف إليها بعد أن نزع منها بالقوة .. لماذا ؟

كل هذا خوف من الديمقراطية .. يا أخي تذهب الديمقراطية إلى الجحيم .. يهمني الآن الحقائق الشرعية لا المسميات .. إذا كان اسم الديمقراطية مشكل عندك سأرمي به في البحر حتى يطمئن قلبك وتستقر نفسك .. مع أن اسم الديمقراطية عندي لا يمثل أي حساسية أو مشكلة منهجية .. ولكن إذا كانت الديمقراطية تمثل عندك كل هذه الحساسية إلى الدرجة التي أصبحنا حتى نتردد في إثبات حق الأمة في تطبيق شريعة ربها .. إلى هذا الدرجة .. ونرضى بتشريع الحاكم الفرد .. خوفا ألا نقع في شباك الديمقراطية ..

هنا أشعر بأن المشكلة كبيرة ..

المشكلة لم تعد الآن في الخوف من كون الأمة قد تعرض عن الإسلام بالكلية وترفضه .. مع أن هذا الاحتمال إذا كان ورادا فهو أقرب بكثير إلى الحاكم الفرد من الأمة المعصومة بمحموعها ..
لكن لم يعد الآن الخوف من هذا .. لأني تجاوزت معك يا شيخ بندر كل الفرضيات الذهنية وقلت لك : أمة مسلمة .. مسلمة .. مسلمة .. ومع ذلك ما زلت تتردد في منحها الحق في تطبيق الشريعة .. يا أخي مسلمة الله يرضى عليك ..

طيب يا شيخ بندر لا بأس ..

سأتنزل معك إلى آخر نقطة ..

نحن هنا في السعودية .. أريد رأيك ..

أيهما أحفظ وأضمن وأبقى للشريعة .. أن يكون تطبيقها مرهونا بيد الملك أم بيد الشعب السعودي ..

وتأمل .. أنا هنا لا أتكلم عن مشروعية سلطة الملك .. أتكلم بالتحديد أين المصلحة الشرعية .. أين المقاصد الشرعية .. أين الشرع .. أين مصلحة الحاكم والمحكوم ؟ أن تبقى الشريعة مرهونة بسلطة الملك أم مرهونة بإرادة الشعب السعودي ؟

أظن أنه ليس ثمة تحديد أدق من ذلك ؟

هيا بالله أجبني الله يرضى عليك .. ولا تحيد ..

مع أنني قلت لك بأني أنزهك عن تقصد الحيدة .. ولكن أراك تمارسها دون أن تشعر ..

وأما الأسئلة التي تفضلت بها فدلي حولها مزيد من الكلام .. ولكن ليس من الصحيح أن نتجاوز السؤال الرئيسي ونتشعب في الحوار ..

لنحسم الآن الجواب عن هذا السؤال ..

واسلم لحبيبك أيها الجميل ..

بندر الشويقي
أخي وحبيب قلبي عبدالله …

الآن جاء دوري لأدعوك إلى قراءة كلامي بروية ورفقٍ وأناة.

فأين رأيتني –سامحك الله- أحيدُ أو أتردد في “إثبات حق الأمة في تطبيق شريعة ربها”؟؟

قلت لك بصريح العبارة: هناك صور وحالات تكون إرادة الأغلبية خيراً للناس، وفي صورٍ وحالاتٍ أخرى يكون حكم الفرد المستبد خيراً لهم.

فأين الحيدةُ أو التردد في مثل هذا الجواب؟
وهل التفصيل –أيها الأريب- يعني عندك التردد؟!

وقولك إنك (تقصد وتعني شعباً مسلماً) لا أثر له ولن يغير من جوابي. فهذا التفصيل الذي أقرره ينطبق حتى على المجتمعات المسلمة. ففي صورٍ كثيرةٍ يكون حكم الفرد المستبد، خيراً لأهل البلد المسلم من حكم الأغلبية. لكن بريق وضغط الأنموذج الديمقراطي (الذي ألقيته آنفاً في الجحيم) يحول دون رؤية هذه الحقيقة رغم وضوحها.

لو أنك –أيها المبارك- وفقت لدخول المسألة من بابها، لتركت العزف على وتر (الحيدة)، وسألتني عن تلك الحالات التي أزعم أن حكم الفرد خير وأحفظ للشريعة من حكم الأغلبية. فإن لم أعطك جواباً فاحكم عليَّ عندها بالتهرب والحيدة.

دونك مملكة البحرين على حدود بلدك.

هناك أغلبية رافضية في البلد منظمة سياسياً.
وهناك أقلية وحكومة سنية.

فما رأيك؟
أيهما الأحفظ للشريعة هناك؟

وهل لو استشارك ملك البحرين، ستقول له: دع الحكم للأكثرية الممثلة لإرادة الأمة؟؟

تأمل في هذا لتعرف لماذا أرفض إعطاءك جواباً مفتوحاً عن سؤالك التجريدي.

أخي عبدالله …. أيها الأريب اللبيب.
انظر لجوابي المفصل عن سؤالك العائم.
ثم انظر لسؤالي المحدد الواضح الذي تأبى الجواب عنه.

ومع ذلك، فأنا الذي أحيد عن الجواب.
فإلى الله أشكو ظلم من أحب.

فإن كنت تصر على الإعراض عما سألتك عنه ، فلن أقول: إنك تحيد. بل سأقول: لعل لك عذرك، أو لعلك تريد التأمل والتدبر…فليكن لك ما تريد.

أما بالنسبة لي، فلن أدع سؤالك عن الحالة السعودية دون جوابٍ، وبخاصة أنك تقول: إنك تنزلت فيه معي إلى آخر نقطة…فأشكر لك –هذا التنزل-، وأعدك أن أفصل رأيي و وجهة نظري في الحالة السعودية في تعليقي التالي بإذن الله.

واسلم لأخيك ومحبك.

عبدالله المالكي

أولا قبل أي شيء ..أود أن أقول بأني أشعر بارتياح حين أناقش عاقلا أديبا ديَناً طالب علم متمكن مثل الشيخ بندر .. بغض النظر عما أراه من حيدة غير مقصودة يمارسها أخي بندر وهو يرفضها ولا يسلم بها ولكني أراها أمامي كما أرى شاشة اللابتوب التي أمامي ….. ربما قد أكون غير ضابط لمعنى الحيدة ومفهوما وكيف تكون .. ربما معرفتي بأصول المناظرة والجدل متواضعة وسطحية .. ربما .. لكن في النهاية هذا ما أراه أمامي ..

الذي أراه حيدة عن الجواب نحو تفصيلات وتفريعات واستثناءات عن الأصل لم أعنيها بسؤالي .. سؤالي كان عن الأصل .. ما هو الأصل : الأمة المسلمة / أم الحاكم الفرد المستبد المغتصب ..

والتفصيل في مثل هذه الحالة ليس جوابا يا صديقي لأني اسالك عن الأصل وأن تذكر الحالات الاستثنائية.. والحالة استثنائية فيها رضوخ للأمر الواقع وليس فيها تأصيلا للمبدأ الموضوعي من حيث هو ..

أعيد .. التفصيل ليس جوابا حين أسألك عن الأصل ..

ثم لا أدري أين التعميم في سؤالي .. حين أصف الأمة بأنها مسلمة فهذا تحديد واضح كان يجب عليك حينها أن تحكم على هذه الأمة المسلمة .. أن تحكم عليها من حيث الأصل بغض النظر عن السعودية وعن البحرين وعن لبنان وعن جزر القمر وجزر الوق واق .. بغض النظر عن هذه التفصيلات والصور التاريخية أو المعاصرة ..أريدك أن تحكم على الأمة المسلمة من حيث الأصل هل هي مكلفة بتطبيق الشريعة أم لا .. وبالتالي هل يجب أن نمنحها الحرية حتى يتحقق لها التكليف الشرعي ويتحقق لها مبدأ الاستخلاف ومبدأ الشهود ومبدأ الخيرية .. أم نستعبدها ونكرهها بتشريع الاستبداد من خلال شريع حكم الفرد .. لا يمكن أن تتحقق لها هذه المبادئ الكبري وهي أمة مستلبة ومستبدة ومكرهة لا إرادة لها ..

طرحت سؤالا محددا وواضحا على حبيبي بندر : شعب مسلم / وحاكم مغتصب مسلم .. وما زال يراه سؤالا مطاطا وعاما ..

لكن بغض النظر عن هذه الحيدة التي ما زلت أراها رأي العين وما زال أخي بندر ينكرها .. أقول بغض النظر عن هذا .. وبغض النظر عن أي شيء آخر .. فإني سعيد جدا بمناقشتك حبيبي وقلبي بندر .. ولتعلم يا صديقي بأني استفيد من هذا النقاش أكثر منك .. فربما قد يكون لدى الإنسان فكرة تحتاج إلى مراجعة إلى تأمل إلى كشف بعض الثغرات ومحاولة سدها .. فالنقاش مع العقلاء يساعد كثيرا على هذا .. وأتمنى أن يكون هذا نفس الشعور لدي أخي بندر .. وأن نكون مستعدين لمراجعة كل قناعاتنا وأفكارنا دون تعصب ودون تحسس أو مشاعر نفسية لا علاقة بموضوعية العلم ..

أما تعليقي فأولاً أريد أن أؤكد على قضية مسلمة ومحكمة حتى لا تضيع مع زحمة النقاش وهي :

أن تعظيم الشريعة ووجوب الامتثال لها هي من صميم عقيدة المسلم وهي مقتضى التوحيد .. فكل مؤمن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يجب عليه أن يعتقد هذا الاعتقاد .. بغض النظر عن رأي الأقلية أو الأغلبية .. حتى ولو كان المؤمن وحيدا في بلده أو مجتمعه فإن الاعتقاد بأن الشريعة هي الحاكمة عليه وعلى المجتمع الذي ينتمي إليه هو اعتقاد واجب لازم قطعي .. وترك ذلك أو الإعراض عنه قادح في إيمانه .. والنصوص القطعية المحكمة في ذلك كثيرة ومشهورة .. ليس فقط مجرد الاعتقاد .. بل يجب عليه أن يعلن إنكاره لكل ما خالف الشريعة حتى ولو تبنته الأغلبية .. ليس فقط أن ينكر بلسانه .. بل يجب عليه أن يسعى بجوارحه إلى أن يغير ذلك المنكر وفق الوسائل المتاحة في بلده ..

هذه المسلمة لا بد من بيانها حتى لا يأتي مستعجل ومندفع – حاشاك أخي بندر فلستَ معنيا بهذا الكلام – ويقول بأن شرعية الشريعة عند هؤلاء الديمقراطيين الإصلاحيين مرهونة برأي الأغلبية .. شرعية الامتثال بالشريعة قائمة عندي بالنص والإجماع وليس من خلال الأغلبية .. هذه عقيدة راسخة في قلبي لا أستمد مشروعيتها من رأي الأغلبية بل من خلال إيماني بالوحي الذي أنزل على محمد عليه صلوات ربي وسلامه .. كما استمدها من إيماني بأن هذه الشريعة الربانية هي أعدل الشرائع وأرحم الشرائع ليس لأهل الإسلام بل لكافة البشرية بمللهم وطوائفهم ..

أرجو أن تكون هذه المسلمة واضحة ..

هذه المسلمة المحكمة هي الشرعية السياسية في الإسلام التي يجب أن يسّلم بها كل مسلم ..

أما السياسية الشرعية .. وهي مسألة إمكانية تطبيق هذا الشريعة في أرض الواقع .. فهي محل نقاشنا ..

تلك الشريعة التي آمنا بها وسلمنا بها وامتثلنا لها .. من المسؤول والمكلف عن تطبيقها ؟

وحين تطبق هذه الشريعة .. أيهما أبقى وأحفظ لها من التحريف والعبث والهوى .. أن يكون تطبيقها مرهونا بإرادة الحاكم الفرد المستبد المغتصب أم بيد الأمة المسلمة المؤمنة الموحدة ..
من المكلف هنا بتطبيق الشريعة ؟
هل هو الحاكم المستبد المغتصب دون الأمة .. أم الأمة بمجموعها (الحاكم والمحكوم) ..
هنا محل النقاش ..
ولهذا أتمنى أن يحمل نقاشي مع أخي بندر حول هذه المنطقة (الخضراء) .. ولا يذهب به البعض إلى مناطق (حمراء) .. لم أذهب إليها ..

إذن نقاشنا من المسؤول عن تطبيق الشريعة ؟

لا يمكن أن نقول – يا شيخ بندر – الشريعة حاكمة ثم نسكت .. لا يصح .. هذه دعوى المحكمة الأولى من الخوارج حين رفعوا شعار (لا حكم إلا لله) في وجه علي بن أبي طالب والصحابة رضي الله عنهم أجمعين حين حكموا الرجال .. فرد عليهم الصحابة بأن الرجال هم الذين يحكمون بالقرآن وليس القرآن هو الذي يقم حكما بين المتخاصمين ..

نعم (لا حكم إلا لله) كشرعية سياسية .. ولكن (من يطبقها ؟) هذه هي السياسة الشرعية ..

عبدالله المالكي

مشكلتك يا حبيبي بندر أنك لا تفرق بين الشرعية السياسية كمبادئ وبين السياسية الشرعية كواقع ..

الشريعة لا تمشي في الأسواق ولا تأكل الطعام .. الشريعة مبادئ وقيم .. والناس ممتحنون ومكلفون بتطبيقها ..

فمن يطبقها ؟

كرؤية سياسية عندك .. من المسؤول عن تطبيقها كأصل بغض النظر عن الاستثناءات والتفريعات والصور التاريخية أو المعاصرة ؟

ما هو الأصل عندك وفق ما تعرفه من نصوص الشريعة وعمل الصحابة ؟ قبل أن نذهب إلى صورة معينة تاريخية أو معاصرة هنا أو هناك ؟

لم تجبني يا صديقي بندر عن هذا الأصل سوى بذكر تفصيلات واستثناءات وصور معينة .. وما زال السؤال مفتوحا ؟

حينها تنزلت معك إلى صور معينة ؟ إلى الحالة السعودية ؟ مع أن الصحيح أن نحدد الأصل ثم ننطلق بعد ذلك إلى أي صورة تراها .. ونحدد لها الحكم الخاص بها وفق الاعتبارات المصلحية الشرعية .. لكن لا بد أولا من تحديد الأصل .. من تحديد الرؤية السياسة الشرعية .. حتى نكون واضحين مع العالم ..

اضطررت أن أتنزل معك وأحدد لك صورة معينة وهي الحالة السعودية .. حتى ننطلق منها في تحديد الأصل ؟

ولكن للأسف حدت عن الجواب مرة أخرى وذهبت إلى حالة البحرين وسألتني عنها ؟

حينها سأحيد مثلك للأسف .. وسأذكر لك صورا كصورك .. وسنسبح في بحار الصور والأمثلة .. والأصل غائب ..

حالة المسلمين ببريطانيا ؟ ما الواجب الشرعي عليهم ؟ أن يدعوا الناس إلى الإسلام كما هي وصية النبي صلى الله عليه لمعاذ بن جبل حين أرسله لأهل اليمن فقال له : (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك) تأمل معي هم (فإن أطاعوا لذلك) أي إذا آمنوا وامتثلوا للإسلام .. حينها (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) الحديث ..
لم يذهب معاذ رضي الله عنه إلى اليمن لكي يؤسس تنظيما سريا ليحدث انقلابا ويخطف السلطة ثم يكره الناس على تطبيق الشريعة قسرا .. وإنما ذهب داعية مبشرا ونذيرا .. ذهب بمبدأ (فإن أطاعوا لذلك) .. ولهذا آمن أهل اليمن ودخلت البلاد في سلطة المسلمين ..
هل هذا هو الواجب الشرعي على المسلمين البريطانيين تجاه مجتمعهم الكافر .. أن يقوموا بدعوتهم إلى الإسلام فإنْ هم آمنوا .. فحينها بناء على منطق التاريخ ومنطق السنن الاجتماعية سيكون الإسلام هو دستورهم ومنهج حياتهم .. وسـتأتي حينها الدولة والسلطة على يدي هذا المجتمع المسلم ..

أم أن الواجب الشرعي على المسلمين في بريطانيا تجاه مجتمعهم هو أن يؤسسوا تنظيما سريا بهدف إلى الانقلاب على ذلك المجتمع وخطف السلطة منه .. ثم سلب الحريات العامة التي يتمتع بها وفرض الشريعة عليه فرضا .. لأن فرض الشريعة على المجتمعات الإنسانية بحسب قولك يا شيخ بندر واجب شرعي على كل مسلم بغض النظر هل جاء ذلك عن إيمان وقناعة من المجتمع (= فإن هم أطاعوا لذلك) أو جاء قسرا وإكراها من خلال الفرد .. لا يهم .. المهم تطبيق الشريعة حتى ولو لم يطيعوا لذلك ..

أين منهج الأنبياء بالله عليك يا حبيبي بندر ؟

إن اخترت الخيار الثاني .. فسأسلك أين خيارك هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم .. هل بدأ دعوته في مكة بتنظيم سري لإحداث انقلاب على دار الندوة ومن ثم فرض الإسلام عليهم بالقوة والعنف .. أم بدأ دعوته بتبشير الناس وإنذارهم حتى يؤمنوا ..

ثم أسألك .. متى بدأ مشروع الدولة ؟ أليس في المدينة ؟ وكيف تحققت الدولة هناك ؟

هل بإرسال مصعب بن عمير حتى يؤسس تنظيما سريا لكي يحدث انقلابا على المجتمع المدني ويفرض عليهم سلطة الإسلام .. أم بدعوة مصعب بن عمير للناس فلما آمنوا بايعوا ..

كيف أخذ النبي صلى الله عليه وسلم شرعية السلطة .. أليس ببيعة النقباء .. الذين كانوا يعبرون عمن خلفهم من أهل المدينة ..

على أية حال .. هذه تساؤلات أمام صورة من الصورة الموجودة في الواقع .. وهي صورة الأقلية المسلمة في مجتمع غير مسلم .. لا تقول بأن هذه الأقلية مستضعفة .. هذا لا يؤثر .. أنت لن تطالبهم بأن يخرجوا الآن وهم ضعاف ويحدثوا الانقلاب .. ولكن يجب عليك أن تطالبهم – وفق قناعاتك – بأن يبدؤوا في إعداد أنفسهم جيدا ويؤسسوا خلايا وتنظيمات سريا .. حتى تتهيأ لهم فرصة الانقلاب على الأكثرية وفرض الشريعة عليهم بالقوة والعنف ..

هذه صورة مثلا .. وسنسبح في بحار الصور ..

عبدالله المالكي

ربما هذه الصورة وهذا المثال لأقلية مسلمة بين غالبية كافرة .. ولكن يلزمك فيه – وفق قناعتك – أن تختار الخيار الثاني .. وهو التفكير والإعداد للانقلاب وخطف السلطة .. وليس الدعوة إلى الإسلام .. الدعوة إلى الإسلام ستكون عندك مجرد تكتيكا حركيا لتح…قيق الإستراتيجية الكبرى .. وهي الانقلاب وخطف السلطة .. وليس إدخال الناس في دين أفواجا ..
ولكن ما دام أن نقاشنا حول مجتمع مسلم يحكمه حاكم مسلم مستبد اغتصب السلطة .. فبين يديك حبيب بندر صورتين اثنتين قارن بينهما ..

الصورة الأولى : ولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه .. والتي استحقها عبر إرادة الأمة .. حتى أن عبدالرحمن بن عوف كان يستشير النساء في خدرهن وفي الطرقات ..

والصورة الثانية : ولاية عبدالملك بن مروان .. والتي اغتصبها بسيفه وقوته واستبداده ..

أيهما كان الأحسن والأخير للإسلام .. أيهما كان أحفظ للشريعة ..

الولاية التي جاءت عبر إرادة الأمة وكانت لها الولاية على الشريعة تحتسب فيها على الإمام .. أم الولاية التي جاءت بالقوة والقهر والاستبداد والشريعة تحت ولايته وإرادته ..

علما بأن عبدالملك بن مروان رحمه الله قبل أن يغتصب السلطة كان من أعبد الناس وأزهد الناس ولكن حين اغتصب السلطة دون الأمة وجرد الأمة عن ولايتها على الشريعة .. لم يسلم من الهوى والتبديل وحصل له ما حصل .. غفر الله له .. ولو أنه تولى السلطة كما تولى الخلفاء الراشدون عبر إرادة الأمة والولاية الشرعية بيدها .. لما استطاع أن يبدل ويغير ..

هذه صور معينة ذكرتها لك حبيبي بندر مقابل الصورة التي ذكرتها عن حالة البحرين .. علما بأن صوري التي ذكرتها لك انطلقت فيها من الأصل المستقر عندي ابتداء .. وهو أصل (فإن هم أطاعوا لذلك) ..

فاصل (فإن أطاعوا لذلك) هو أصل في السياسة الشرعية .. بخلاف الشرعية السياسية .. الشرعية السياسية قائمة على وجوب تطبيق الشريعة الربانية والسعي إلى ذلك .. ولكن كيف ؟ كيف ؟ .. هنا تأتي السياسية الشرعية .. والتي تنطلق من مبدأ الدعوة إلى الإسلام .. (= فإن هم أطاعوا لذلك) ..

بخلاف الانقلاب وخطف السلطة من الأكثرية وفرض الشريعة عليهم بالإكراه .. فليس هذا أصل في السياسية الشرعية ..

انظر يا صديقي بندر كيف نحن ننتقل من صورة إلى صورة ونحن لم نحدد بعدْ ما هو الأصل الشرعي : الأمة المسلمة أم الحاكم المستبد المغتصب ..

لهذا كنت ألح وأصر عليك أن نحدد ما هو الأصل الشرعي .. قبل أن نتحاور عن صورة تاريخية أو معاصرة من هنا أو هناك .. وقبل أن ندخل في تفصيلات أو استثناءات قد تحكمها اعتبارات خارجية تصرفها عن الأصل أحيانا .. والاستثناءات كما تعلم لا تؤثر في القاعدة ولا تخرم ثبات الأصل إذا كان ذلك الاستثناء لاعتبارات شرعية أخرى ..

على أية حال انتظر جوابك عن الأصل الشرعي في رؤيتك السياسية : أيهما أحفظ وأبقى للشريعة أن يبقى تطبيقها مرهونا بيد الأمة المسلمة أم بيد الحاكم الفرد المستبد .. .. وإذا أبيت وحدت مرة أخرى حبيبي بندر .. فلا أقل من أن تجاوبني عن الحالة السعودية ..

أما سؤالك عن دولة يحكمها حاكم مسلم مستبد الأكثرية فيها من الكفار .. سأجيبك عن ذلك .. من عيوني يا شيخ بندر .. ولكن بعد أن تحدد لي ما هو الأصل عندك ..

عبدالله المالكي

ثمة كلام كثير حول مسائل أثرتها حبيبي بندر لا أريد أن أخوض فيه ويتشعب الحديث .. من ذلك :

1) مسألة السودان .. وجنوبه الآن .. هو مثال لي وليس لك يا صديقي .. مثال صارخ يدلك على أن الحكومة المسلمة المستبدة المتفردة بالسلطة لا تستطيع أن تفرض سلطان…ها على أغلبية كافرة مهما طال الزمن إذا لم تدخل تلك الأغلبية في الإسلام كما حصل في زمن الفتوح .. وقد اعترف بذلك أكبر قيادات العمل الإسلام السياسي في السودان حيث ذكر أنهم كانوا مشغولين بتثبت السلطة في الجنوب على حساب دعوتهم للإسلام وفرض العدالة والحقوق بينهم .. حينها تمسكوا بهويتهم وتعصبوا لها .. وحينها عملوا جاهدين في التحرر والانقلاب على السلطة .. وحينها دخلت السلطة في معارك طاحنة واستنزاف دائم لقوتها حتى تثبت سلطتها بالقوة والعنف .. ولكن ما هي النهاية ؟ النهاية ما تراه يا شيخ بندر ؟ الإقليم على وشك الانفصال .. والله أعلم ماذا سيكون حالة الأقلية المسلمة هناك .. ؟

2) مثال البحرين .. مثال غريب جدا .. كيف ترى بأن النظام السياسي في البحرين يمثل السنة فعلا .. يمثل رؤيتهم وعقيدتهم وقيمهم ومبادئهم .. يا أخي هل رحت إلى البحرين ورأيت بنفسك كيف الشريعة تطبق هناك .. والله مشكلة .. نعم الجمعيات والتنظيمات السنية هناك تمثل السنة بلا شك ؟ لكن النظام السياسي هل يمثل السنة ؟ نظام يسعى بإلحاح لمد يده لإسرائيل .. نظام يسمح لأمور مزعجة ومقرفة استحي ذكرها هنا .. نظام ماذا أقول عنه لكن يكفي أنه ليس أسوأ من غيره من بقية الأنظمة العربية القائمة .. كيف تضرب به مثلا يا شيخ بندر على النظام الإسلامي الذي يطبق الشريعة على الأكثرية الرافضة للشريعة .. أي شريعة يطبقها هذا النظام ؟ ما لقيت إلا النظام السياسي في البحرين .. هل هذا النظام يمثل السنة مقابل الشيعة ؟
إذا كانت تزعجك مسألة الشيعة هناك وميلهم نحو النزعة الصفوية الإيرانية .. وهي تزعجنا كلنا .. فقد أخبرك البحريني الأصيل الأستاذ عمار كيف يمكن حلها ومواجهتها .. ليس حلها بمزيد من الاستبداد والقهر .. وإنما بفرض العدالة والحقوق ..

3) تقول (سلطة الشعب لا وجود لها في الشرع .. بل لا وجود لها تحت أديم السماء) .. حسنا .. أما تحت أديم السماء فهذا إنكار لما هو معلوم ومشاهد .. ولكن لا إشكال سأناقشك حولها لاحقا إن أردت .. أما عدم وجودها في الشرع .. فالشريعة يا صديقي بندر أتت بمبدأ (ولاية الأمة) قبل أن تأتي الديمقراطية بمبدأ (سلطة الشعب) وهذان المبدءان لا يختلفان .. على الأقل فيما أفهم وأتصور .. فإذا كانا مختلفين عندك .. فلا بأس .. ارمي بالديمقراطية وبـ (سلطة الشعب) عرض البحر يا صديقي .. وتكلم معي عن مبدأ (ولاية الأمة) .. ولايتها على الشرع وعلى الحاكم .. وعلى نفسها .. تكلم معي حول هذا المبدأ .. وأما كون هذا المبدأ هو ذات مبدأ (سلطة الشعب) فاتركه لاحقا .. خلينا الآن نثبت مبدأ (ولاية الأمة) اللي قاعد أنت تحيد عنه يا صديقي بندر ..

4) تقول بأن (بريق وضغط الأنموذج الديمقراطي يحول دون رؤية هذه الحقيقة) .. أستطيع أن أجاريك حبيبي بندر وأقول (فوبيا وبعبع الأنموذج الديمقراطي يحول دون اعترافك بولاية الأمة في تطبيق الشرع) أخشى حبيبي بندر بأن حساسيتك من الديمقراطية تدفعك إلى تجاوز الحقائق الشرعية .. كـ (ولاية الأمة) .. فعندما شعرت بأن هذه الحقيقية الشرعية تتقاطع مع مبدأ (سلطة الشعب) .. حينها ترددت في إثباتها .. وذهبت للصورة والتفصيلات ..

ومع ذلك كما قلت لك .. لنتجاوز الديمقراطية الآن .. ولنحرر الحقائق الشرعية كما هي في ذاتها .. بعيدا عن (بريق الديمقراطية) كما تتهمني بذلك وبعيدا عن (فوبيا الديمقراطية) كما سأتهمك بذلك .. وبعدها نذهب إلى الديمقراطية ونرى هل تتوافق مع الشريعة أم لا ؟

بندر الشويقي

أخانا وحبيبنا عبد الله.
حاولت طوال اليوم –دون جدوى- أن أقتطع وقتاً لكتابة ما وعدتك به حول الحالة السعودية. وكنت أحسبك ستنتظر جوابي عما سألتني عنه. لكني رأيتك الآن فتحت أبواباً وكتبت تعليقاتٍ جديدة ملبسة تجعلني أؤجل ((مؤقتاً)) الجواب عن سؤالك…. ((ولن يطول هذا التأجيل بإذن الله)).

وسوف أصدقك –كعادتي مع من أود- وأقول: إني بعد قراءتي كلامك الأخير حمدت الله كثيراً على التزامي بما تسميه (حيدة)، فلقد تبين الآن أني كنت مصيباً حين رفضت إعطاءك جواباً مطلقاً عن سؤالك العائم المجمل. فمن الواضح الآن أنك غيرت مسار سؤالك، فصرت تفسره بطريقة مختلفة تماماً …. وهذه طبيعة السؤال المجمل الذي يمكن تقليبه على أكثر من وجهٍ.

فسؤال البارحة: كان له معنى…والليلة أصبح له معنى آخر!

أنت في البداية طرحت سؤالاً: (أيهما أحفظ للشريعة: أن تكون مرهونة بالحاكم الفرد أم بإرادة الشعب؟).

قلت لك: سؤالك فيه إجمالٌ.
فأجبتنا بأنك : تتكلم عن ((واقع المجتمعات المسلمة الآن)).

إن لم تكن نسيت كلامك هذا، فأعد قراءة تعليقات الثلاث الأخيرة حيث أعلنت لنا الآن أنك حين طرحت سؤالك إنما كنت تسأل عن الأصل، وليس عن مجتمعاتٍ معينة لها ظروفها المختلفة التي نتعامل معها حسب الاعتبارات المصلحية.

فهل تلحظ الآن كيف يتلون السؤال المجمل؟

ليلة البارحة كنت تقول: إنك تتساءل عن واقع المجتمعات المسلمة الآن.

لكن تعليقك الأخير يقول: إنك تسأل عن الأصل. بل رأيتك ترسم لنا منهجية في الحوار، فذكرت أن ((الصحيح أن نتحدث عن الأصل، ثم ننطلق بعد ذلك إلى أي صورة، ونحدد لها الحكم الخاص بها، وفق الاعتبارات المصلحية الشرعية))

بل زدت في التمليح والظرف، فقلت “كنت ألح وأصر عليك أن نحدد ما هو الأصل الشرعي، قبل أن نتحاور عن صورة تاريخية أو معاصرة من هنا أو هناك”.

تأمل –يا صاحبي- كيف يتقلب السؤال المجمل حسب مسار الحوار ومتطلبات الجدل.

فاثبت لنا الآن على رأي…هل سؤالك عن الأصل، أو عما يناسب المجتمعات المسلمة الآن.

هناك فرق كبير –أيها الألمعي- بين الحديث عن الأصل الذي جاءت به الشريعة، والذي يفترض أن يسير عليه المسلمون في حال القدرة عليه. وبين الحديث عن المجتمعات المسلمة الحالية حيث لا توجد سوى خياراتٍ محدودة نبحث فيها عن الخيار الأقل سوءاً. فإرادة (الحاكم المستبد) أو ما تسميه أنت (إرادة الشعب) كلها عندي خيارات سيئة. أما أيهما الأسوأ فهنا يأتي التفصيل بحسب الأحوال والاعتبارات المصلحية والتي تجعلنا في كثير من الأحيان نفضل بقاء حكم الفرد على الخيار الآخر الأسوأ.

وقد ضربت لك مثالاً بواقع دولة البحرين، حيث الأكثرية الرافضية والحكومية السنية، ولكم تملكني العجب حين رأيت تعليقك على هذا المثال، فلقد استبان لي أن هناك مشكلة مزعجة في طريقة تفسيرك لكلامي.

رأيتك تتساءل: كيف يرى بندر أن النظام السياسي في البحرين يمثل السنة في رؤيتهم وعقيدتهم وقيمهم ومبادئهم. بل زدتَ على هذا فذكرت أني ذكرت البحرين مثالاً على النظام الإسلامي الذي يطبق الشريعة على الأكثرية الرافضة للشريعة!!

حبيبي عبدالله –عافاك الله من داء العجلة-…..أنت كمن يشتمني ويبصق في وجهي، حين تفسر كلامي بهذه الطريقة. ومتى رأيتني أقول نصف هذا الكلام، فاحكم على عقلي بالزوال وعلى ديني بالتلف الكامل.

يا أخي الكريم…حين أصف لك حكومة البحرين بأنها سنية ، فمعنى هذا أنها ليست شيعية رافضية فقط لا غير. وأن هواها مع الأقلية السنية.. فهل صعب عليك فهم هذا؟ وهل وصف النظام البحريني بالسني يعني أنه يمثل أهل السنة في عقيدتهم وقيمهم ومبادئهم، وأنه يطبق الشريعة على الأكثرية؟ أنا لا أعتقد أصلاً بوجود نظامٍ على وجه الأرض يمثل أهل السنة في قيمهم ومبادئهم وقيمهم…لا في البحرين ولا غير البحرين.

فأسأل الله أن يحفظ لي عقلك وفهمك عن مثل هذه الزلات المؤذية.

ما أردته –وكنت أحسبه في غنى عن الشرح-:
أن بقاء النظام البحريني الحالي على ما فيه من بلاء، أحفظ للشريعة من التنازل عن البلد للأكثرية الرافضية المدعومة من الخارج.

فإن كان لك رأي في هذا فاطرحه…لكن رجاء لا تعد لشتيمتي بتفسيراتك الشاطحة لكلامي.

للحديث بقية بإذن الله.

بندر الشويقي

هنا مشكلة أخرى كارثية في تفسير الكلام وفهمه…

انظر أخي عبدالله إلى أول تعليق لي هنا، وستجدني أقول بالحرف الواحد:

“هناك فرق بين الحديث عن مسلمين لهم دولة وشوكة وقوة –كما هو الحال فيما مضى-، وبين الحديث عن أقلية مستضعفة في مجتمع كافر، بالكاد تأمن على نفسها، فهؤلاء لا يسألون عن تحكيم الشريعة أصلاً”.

هذا الكلام –أيها الصاحب- تجده في أول تعليق لي في الأعلى. فأنا أقول لك من البداية إن الأقلية المسلمة في المجتمع الكافر غير مسؤولة عن تحكيم الشريعة ولا مطالبة بذلك.

هذا ما قلته من البداية.

ومع ذلك انظر إلى ما كتبته وأطلت في شرحه عن المسلمين في بريطانيا، وأنهم وفق قولي مطالبون بأن يؤسسوا تنظيماتٍ سرية حتى تتهيأ لهم فرصة الانقلاب على الأكثرية وفرض الشريعة عليهم بالقوة!!!

ثم شرعت وسرحت وبسطت في شرح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وتحدثت عن مصعب بن عمير في المدينة. وأطلت الحديث في شيء لا علاقة لها بما نحن فيه.

ومع ذلك كله…أنا الذي أحيد عن موضع البحث.

يا عبدالله أصلحك الله ، هل قرأت كلامي جيداً.

أحدثك عمن يملك الدولة والسلطة والولاية المستقرة … وتحدثني عن الأقلية المسلمة في بريطانيا. التي يلزمها الشويقي بتأسيس تنظيمات سرية للانقلاب على الحكومة البريطانية!!

على كل حالٍ أنا أحمد الله أنك صديق وفي ، ولست ضابط مباحث. فلو اجتمع لك هذا الفهم، مع رتبة في السلك الامني، لكنت الآن وراء الشمس.

ركز معي قليلاً…أيها الفاضل.

بندر الشويقي

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

4 × خمسة =