المقررات الدراسية الدينية أين الخلل ؟

المقررات الدراسية الدينية.. أين الخلل ؟ *

إبراهيم السكران / 23-03-2004

هذه الورقة تراجع عنها السكران وتبرأ منها وهي كانت قبل بحث المآلات .

قال ابراهيم السكران:
“وقد نصحني أخي الشيخ بندر الشويقي منذ سنوات عدة، أن أكتب نقداً لورقة المقررات، وأبين ما فيها من مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، لكنني كنت أسوّف، وأقول لمن سألني عنها إن نقد الشيخ الغصن لها كافٍ إن شاء الله ومبين للحق”.

كثر الحديث -في ثنايا الحديث عن “الإصلاح”- عن إصلاح المناهج الدينية، وطُرحت تساؤلات عن علاقتها بالإرهاب، وفي هذا السياق يقدم كلٌّ من إبراهيم السكران وعبد العزيز القاسم دراستهما القيمة عن “المقررات الدراسية الدينية” في المملكة العربية السعودية، يحاولان فيها قراءة وتحليل مكونات المنهج الدراسي من خلال محاور يحددانها في:

– مدى مراعاة المنهج لتدرج أهمية وأولوية الكليات الشرعية.

– مدى عناية المنهج بتقرير مبادئ العدل، خاصة في الحقوق الشرعية الأساسية للإنسان في التعامل مع الآخرين من المسلمين وأهل الكتاب وغيرهما.

– عناية المنهج بتقرير القواعد الشرعية للتعامل مع الحضارات والمعارف.

– عناية المنهج بالمشاركة المدنية التي تقدم للمتلقي قنوات التعبير السلمي.

بهدف معرفة مدى وضوح المنهج في تكوين التوازن النفسي للمتلقي، وإلى أي مدى يعير المقرر وسائل البناء المدنية الاهتمام، ومراجعة مدى تركيز المقررات على المواجهة بمختلف وسائله

الخطاب الديني.. الوظيفة والأهداف

يشكل الدين المكون الأساسي للشخصية، وتتميز الشخصية الدينية للمسلم بعمق التكوين وامتداده، فالإسلام يخاطب المسلم برؤية تتناول الجوانب الأساسية للحياة وعالم الغيب والعبادات والآداب؛ الأمر الذي أدى إلى عمق تأثير الخطاب الديني في حياة المسلمين، بيد أن هذا الخطاب قد يتعرض لآفات تنحرف به عن مساره المرسوم له شرعا؛ فقد يأخذ التدين منحى انعزاليا كما حدث لكثير من تيارات التربية والسلوك، وقد تذهب التربية الدينية نحو تعبئة الإنسان في حركة ثورية عارمة كما فعلت تيارات الخوارج.

وقد يكون الخلل أقل من ذلك، كتغليب ظاهر النص على معناه ومقاصده كما نَحَت الظاهرية، وقد يبالغ في تغليب المعاني حتى تتناقض مع صريح النصوص كما جرى في التفسير الإشاري والتأويلي للدين الذي ذهبت إليه طوائف من السلوكيين والفلاسفة.

إن تغليب أحد جوانب النص يؤدي إلى إهمال جوانبه الأخرى، ويترتب على ذلك تشويه معنى الدين وسلوك المؤمنين بهذا التفسير المتحيز لبعض النصوص، من هنا تأتي أهمية مراجعة توازن الخطاب الديني لإعادته نحو استيعاب مجمل النصوص وفقا لقيم الدين الأساسية ومقاصده الكبرى، حتى لا تتحول المعارك والانفعالات التي أنتجت تفسيرا متحيزا للدين إلى واقع ديني متحيز إلى بعض النصوص على حساب بعض.

وربما أوضحت هذه الدراسة أن تحميل المناهج الدينية مسئولية تحريك العنف المسلح ضد الغرب أمر مبالغ فيه؛ فأخطاء المناهج الحالية تؤذي علاقة المسلمين بعضهم ببعض أكثر من تحريضها على غير المسلمين، فنحن بحاجة للتصحيح؛ لمصلحتنا أكثر من حاجتنا لتحقيق ما يغضب مراكز القوى.

والواجب ألا نستنكف عن إصلاح أخطائنا لمجرد دعوة غيرنا إلى بعض ذلك، وهذا المعنى مقرر في كتاب الله تعالى حين استنكر الكفار على المسلمين القتال في الشهر الحرام فأقرهم القرآن على إنكار الخطأ وأمر المسلمين بتجنبه، والمهم هو أن يتركز الإصلاح لتحقيق مقاصد الشريعة وحماية مصالحنا.

لقد بينت دراسة المقررات -بحسب إبراهيم السكران وعبد العزيز القاسم- أن اضطرابا شديدا يموج بمحتوياتها في قضايا جوهرية تمس طمأنينة الطالب، وحقوق المسلمين، وأصول التعامل مع غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين، وقواعد التعامل مع المعارف والحضارات، وهو اضطراب يخالف أصول الشريعة، بيد أنه لا يبلغ المدى الذي ادعته حملات وسائل الإعلام الغربية، لكن ذلك لا يمنع من الإقرار بالأخطاء والعمل على إصلاحها.

الموقف من المخالف.. بين العدل والتعبئة

فالمقرر يتحدث -بدقة فقهية- عن الآداب الإسلامية الرفيعة وأخلاقيات التعامل، خاصة في سياقات التقرير النظري، لكنه يعود ليقدم مواقف مناقضة وموهمة -في المستوى التطبيقي- في حديثه عن التعامل مع المخالفين، وهذا الاضطراب يوقع الطالب في مأزق يصعب معه تكوين موقف فقهي دقيق لدى الطالب يتسق مع القواعد الشرعية؛ الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب التكوين الأخلاقي للطالب في موقفه من المخالف، وتكاد تُختزل قواعد الأخلاق لتتحول إلى امتيازات خاصة تقدم للموافق، الذي تركت المقررات تحديد أوصافه لمعايير غامضة مضطربة.

قدمت المقررات نصوصا منضبطة فقهيا، تعرض بعض الآداب العامة وأخلاقيات التعامل، في المستوى النظري، إلا أن المقرر يعود ليقدم ما يكاد يناقض هذه المبادئ، ويتعارض مع ما قررته قواعد الشريعة حين يتعامل مع المخالفين من علماء الأمة وأتباعهم، ويأتي التعارض حين يقدم المقرر أحكاما مجملة موهمة لا تتفق مع القواعد الفقهية المقررة في الشريعة، وتؤدي في النهاية إلى إرباك الطالب المتلقي وهو في حداثة سنه.

والمقررات تقدم نصوصا تدفع باتجاه تعبئة الطالب حديث السن ضد المخالف المجهول الغائب عنه، بدل تأكيد روابط الإسلام المتينة وحقوق المسلمين العامة، وتقرير قواعد احترام الاجتهاد، وآداب الحوار، وظروف الاختلاف التي تستوجب رفع الملام عن الأئمة الأعلام -كما عبر ابن تيمية رحمه الله تعالى- وتعرض هذه الدراسة بعض نصوص المقررات المناقضة لقواعد حقوق المسلمين الموهمة لخلاف ما تقرره الشريعة.

ويقدم المقرر للطالب قواعد تكفيرية مجملة عن الأشاعرة والماتريدية، وكافة المخالفين في تفسير نصوص الصفات الإلهية، ويعتبر التحريف كفرًا، ومع ذلك يجعل تأويلات الأشاعرة تحريفًا، ويصف المخالف الإسلامي بالإلحاد! إن عَرض بعض ممارسات المسلمين بمبالغة وتهويل تنطلق بالأخطاء إلى مستويات مشبعة بالتضليل، من الطبيعي أن تربك الانضباط الشرعي للطالب مع المخالفين.

وبعد أن يصنف المقرر هؤلاء المخالفين في خانة المبتدعين -دون تفصيل أو تدقيق- يقدم قواعد للتعامل معهم تتعارض مع القواعد الشرعية للتعامل مع المخالف التي سبق أن عرض جانبا منها.

كما يشير المقرر إلى بعض التفسيرات العدوانية السلبية غير اللائقة في تفسير سلوك المخالف المسلم، ومن ذلك افتراض التواطؤ في علاقة المخالف بالمستعمر.

وفي الوقت الذي لفت المقرر انتباه الطالب إلى خطورة التكفير، جازف أحيانًا برسم صور تكفيرية شمولية عن العالم الإسلامي، ومع هذه الصور الموهمة التي تحمل تكفيرا مجملا، يلقي المقرر الكثير من عبارات إهدار الدماء واستباحة الممتلكات، وينثرها بين ثنايا المقرر بشكل فوضوي غير منظم المعنى والمعايير. وحتى لو كان المتهم بالشرك من جهلة المسلمين يقرر المنهج إهدار دمه واستباحة ماله! بل يتجاوز المقرر ذلك إلى تقرير مشروعية استرقاق أهالي المخالفين!

إن المقررات المدرسية تزداد اضطرابا حين تتناول الاتجاهات الفكرية المعاصرة، حيث يتضاعف حجم المجازفة في العبارات التكفيرية بهدف تعبئة الطالب ضد هذه الاتجاهات، بل يتجاوز الأمر -مع القومية العربية- التصعيد إلى تصوير النزعة الوطنية كعقوبة لأي مجتمع يرتد عن الإسلام، كما يقدم المقرر نماذج أخرى من التصعيد فيما يتعلق بالنظريات العلمية المعاصرة في الاقتصاد والسياسة والقانون وغيرها، فقد اعتبر المقرر الديني أن أي مسلم يتبنى النظرية الرأسمالية: منافق نفاقًا أكبر مخرجًا من الملة حتى لو أعلن انتماءه للإسلام.

في مواضع أخرى، يحاول المقرر الديني المبالغة في تضييق أشكال العلاقة بغير المسلم، وإبراز جوانب العداوة، وتعميم أحكام المحاربين، وعدم السعي إلى إبراز الجوانب الإنسانية في مبادئ الشريعة.

المقررات.. والموقف من الواقع

يقدم المقرر أحيانا الدعوة إلى الالتحام بالمجتمع والاندماج بمؤسساته، ويوضح أهمية ذلك في نهضة الأمة، ويحث الشاب على أن يكون عضوا فاعلا متفائلا، ويقدم صورة إيجابية عن الواقع، إلا أن المقرر يضطرب مرة أخرى فيقدم صورة قاتمة عن المجتمع ومؤسساته، ويبالغ في تصوير الانحراف، وفي تهويل الانحطاط، بما يربك التوازن النفسي للطالب، فيبالغ مثلا في تصوير طغيان الشركيات، وغرق العالم الإسلامي في البدع، وانحلال أخلاق المجتمع، ويؤكد مشاعر السلبية.

إن المقرر يتهور -أحيانًا- في إطلاق بعض الأوصاف التي تحمل قدرا من التهويل ضد المؤسسات الاجتماعية، كمؤسسات التعليم والإعلام ونحوها، كما يقدم للطالب قواعد خطرة حول تكفير الأنظمة والحكومات معزولة عن ضوابط التطبيق، أو يتحفظ على إطلاق وصف الإسلام عليها.

الموقف من التدين.. بين القلق والطمأنينة

إن اعتدال الخطاب الديني مهم في منح الفرد فرصة للثقة بالنفس، وإعطائه القدر اللازم من الطمأنينة، فالقلق المبالغ فيه يثمر انقيادًا غير متوازن، وكثير من حالات التخبط الفقهي والإقصاء الديني كانت نتيجة مباشرة لفائض القلق.

فالقلق المبالغ فيه يضع في الإنسان دوافع الإحجام والانزواء، ومن ثم الشعور بأن الانهماك في تحصيل المصالح، أو الانخراط في الواجبات اليومية: إنما هو غفلة عن الدين، وصدود عن الله والدار الآخرة! وهو حالة تتنافى مع أصول الدين ومقاصده في بناء القوة للأمة المسلمة كما أشار إلى ذلك الإمام الجويني وغيره من الفقهاء.

إن القلق والشعور بأن الضلالة شبح يتربص بنا يؤسس في الإنسان نزعات مقاومة التغيير، والوجل من الجديد دون فقه أو علم، ولذلك يلاحظ المتابع علاقة عكسية بين المبالغة في القلق على الإيمان وبين الحيوية المدنية، فكلما ازداد معدل التوتر الديني للفرد تناقص حجم مشاركته الاجتماعية، وكلما تمتع الإنسان بالقدر الكافي من الثقة والأمان ازداد مستوى إنتاجه الاجتماعي.

ومن أخطر ما يمكن أن يمارسه الوعظ الديني: محاولة تمزيق السكن النفسي للفرد عبر تهويل احتمالات الشرك، والمبالغة في الترويع من البدعة، وتضخيم حبائل النفاق، وهذا لا يعني أن المخاطر مستحيلة، لكن لا يعني أيضا أنها تطوق أنفاس الإنسان وحركاته وسكناته وتهدده في كل لحظة، وتتربص به في كل منعطف، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يثق في إمكانية تجاوزها.

يحاول المقرر دوما إشعار الطالب بأنه: يسير بين مزالق البدع، ويحوم على شفير الردة، وتكاد تتخطفه كلاليب النفاق، أو يهوي عليه سقف الشرك.

الموقف من الحضارة.. بين التواصل والإدانة

لم يحاول المقرر الديني تقديم تكييف فقهي لمفهوم الحضارة، يتم فيه تفكيك المفهوم وتحديد مقوماته الأساسية، وتحليل مضامينها فقهيا، وعلاقتها بأحكام الشريعة مثل الفرض الكفائي، وواجب العمارة، والعدل الشرعي، والحاجات الفطرية، ونحو ذلك.

كما لم يحاول المقرر تعميق شرعية القيم المدنية المشروعة في وجدان الطالب، مثل: المشاركة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وقيم البحث العلمي، والوعي السياسي، وقيم التعايش والحوار، واحترام القانون، والاستقلال القضائي، ودعم الحريات، والأمن البيئي، وأخلاقيات المهنة، وغيرها الكثير الكثير.

ولم يحاول المقرر توضيح الإطار الفقهي لنظم الحياة، وبيان الكليات الشرعية العامة المهيمنة على المجالات والعلوم المدنية المعاصرة، وإبراز الوظيفة الإسلامية للمعرفة والعمران، بما يعني تأهيل الطالب بأدوات الفحص والاختبار.

وإنما قدم المقرر موقفا مضطربا مترددا؛ فتارة يؤكد أهمية القيم المدنية وضرورة الاستفادة من خبرات الأمم الأخرى والاعتراف بما لديها من تميز وإمكانيات، وتارة أخرى يتجاهل الإيجابيات ويبالغ في نزعة التنقص والازدراء.

ومن نماذج الاضطراب أن المقرر يدعو مثلا إلى عدم تسمية العلماء في العلوم الإنسانية والتقنية بلقب “علماء”، بل يجب اعتبارهم جهالاً، وإنما الذي يستحق وصف عالم في نظر المقرر هو العابد فقط.

يغرس المقرر مفهوما خاطئا تجاه الدول المتقدمة والحضارة المعاصرة حين يؤكد على خطورة احترام تلك الدول المتقدمة، فيقرر أن من يحترم تقدمها فهو ضعيف الإيمان، أو حين يصور الحضارة المعاصرة كحظيرة بهائم حيوانية لا تملك أي سبب للسعادة، بل كل ما لديها من الإمكانيات إنما يقودها إلى السقوط!

ومن أخطر مراحل التوتر أن يصل التصعيد الديني إلى مستوى التحريض والاستعداء على المسالمين الذين عاملونا على أساس الثقة، فلما تعرض المقرر لقضية السفر للبلاد غير الإسلامية ذكر من أنواع السفر: السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة، ولكنه للأسف جعل من شروط الإقامة: (ويشترط لجواز الإقامة شرطين.. وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم).

ويزداد تأكيد هذا الموقف السلبي في المقررات تجاه الحضارة عبر ضعف حضور القضايا والقيم المدنية من الموضوعات الدينية للمقرر.

إن المقرر يعتبر أن الانبهار بالحضارة المادية من أسباب انحراف العقيدة، أما العلاج الذي يمارسه فهو: تجاهل منجزات هذه الحضارة أو جهدها. والحقيقة أن هذا العلاج يزيد الأمر تعقيدا، إذ إن احتمال تأثير الانبهار الحضاري على الإيمان إنما يعالج بتنظيم الرؤية الصحيحة، لا بتكريس مشاعر الصدام بين الدين والحضارة!

المنهج العلمي.. بين الموضوعية والتهويل

الحقيقة أن المقرر يقدم -في كثير من الأحيان- تفصيلات جيدة في دراسة القضايا، وشروطًا دقيقة لبعض المفاهيم، لكنه يرتبك في أحيان أخرى ويقع في الإجمال أو إهدار الضوابط العامة والأسس الشرعية، كأصل رفع الحرج، أو موانع التكفير، أو اعتبار الأعراف، ونحوها.

بل يجعل المقرر مجرد التضايق من بعض الممارسات التي تصدر من رجال الحسبة، والتي هي -في أغلب الأحوال- لا تعبر عن الدين، بقدر ما تعبر عن اجتهاد شخصي لأفراد الجهاز، ومع ذلك يجعل المقرر التضايق منها ردة عن الإسلام، وكفرًا مخرجًا من الملة!! كما يجعل من أمثلة النفاق المخرج من الملة: (الاستهزاء بالقائمين على أعمال البر).

ومن ظواهر الاضطراب في المنهج العلمي أن المقرر عقد درسا لـ”موانع التكفير” وهي “الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه”، وقدم فيها مجموعة من التفصيلات والأدلة، إلا أنه في التطبيق العملي يتجاهل بعض موانع التكفير كالجهل والتأويل وعدم القدرة والخطأ والخوف ونحوها، إما بتصريح نظري، أو بشكل تطبيقي؛ وهو ما يترتب عليه وقوع الطالب في خطر التناقض والتطبيق العشوائي لقواعد التكفير والتضليل.

ومن النماذج التي يضطرب فيها المنهج العلمي أيضا ما يقوله المقرر عن ممارسة الأنشطة الأسبوعية كأسبوع الشجرة، وأسبوع المرور، حيث يجعلها فسقا ومعصية، والمشارك فيها آثم؛ لأنها تقليد للكفار.

ومن الخلل في المنهج العلمي، إعطاء العبارات التلقائية والعفوية أبعادا أضخم من حجمها الطبيعي، أو تحميلها بالدلالات الشركية. كما يجعل المقرر مثلا من أنواع الإلحاد من يطلق على الذات الإلهية اسم: “المهندس الأعظم، أو القوة المطلقة”.

ويلاحظ أن كثيرًا من الأحكام التي يضطرب فيها المنهج العلمي وتحمل تعنتا في التفسير تكون مدفوعة في الغالب بقلق عقائدي. كما في موقف المقرر من إضافة النتائج إلى أسبابها.

الخاتمة

إن تحقيق هذا التوازن يتطلب إعادة نظر جذرية في طريقة إعداد المقررات؛ ذلك أن المقررات تعتمد حاليا على مصنفات جرى تدوينها في ظروف المجادلات الفكرية، والمعارك الدينية والسياسية، وقد أدى ذلك إلى وجود اضطراب هائل في تنظيم الأولويات، كما أدى إلى توريط الطالب في نيران معارك فكرية لا حاجة له بدراسة ظروفها وإجاباتها؛ لأنه ببساطة لا ينتمي إليها من جهة، ولأن حججها لا تصل إليه من جهة أخرى، كما أن المقرر لن يحول دون تلقي الطالب لإجابات وحجج أخرى حين يثير تلك المسائل.

وفي المقابل تورطت المقررات في سكوت واسع النطاق عن القضايا التي يثيرها الواقع المعاصر، مثل الحقوق الأساسية للإنسان، والحريات الشرعية، وعرض الفروض الكفائية المتعلقة بمصالح الناس الضرورية والحاجية.

الخطاب الديني.. الوظيفة والأهداف

إبراهيم السكران – عبد العزيز القاسم

23/03/2004

يشكل الدين المكون الأساسي للشخصية، وتتميز الشخصية الدينية للمسلم بعمق التكوين وامتداده؛ فالإسلام يخاطب المسلم برؤية تتناول الجوانب الأساسية للحياة وعالم الغيب والعبادات والآداب؛ الأمر الذي أدى إلى عمق تأثير الخطاب الديني في حياة المسلمين، بيد أن هذا الخطاب قد يتعرض لآفات تنحرف به عن مساره المرسوم له شرعا؛ فقد يأخذ التدين منحى انعزاليا كما حدث لكثير من تيارات التربية والسلوك، وقد تذهب التربية الدينية نحو تعبئة الإنسان في حركة ثورية عارمة كما فعلت تيارات الخوارج. وقد يكون الخلل أقل من ذلك، كتغليب ظاهر النص على معناه ومقاصده كما نَحَت الظاهرية، وقد يبالغ في تغليب المعاني حتى تتناقض مع صريح النصوص كما جرى في التفسير الإشاري والتأويلي للدين الذي ذهبت إليه طوائف من السلوكيين والفلاسفة.

إن تغليب أحد جوانب النص يؤدي إلى إهمال جوانبه الأخرى ويترتب على ذلك تشويه معنى الدين وسلوك المؤمنين بهذا التفسير المتحيز لبعض النصوص، من هنا تأتي أهمية مراجعة توازن الخطاب الديني لإعادته نحو استيعاب مجمل النصوص وفقا لقيم الدين الأساسية ومقاصده الكبرى، حتى لا تتحول المعارك والانفعالات التي أنتجت تفسيرا متحيزا للدين إلى واقع ديني متحيز إلى بعض النصوص على حساب بعض.

لقد ركزنا في مراجعتنا لمناهج العلوم الشرعية في التعليم العام للبنين على مجموعة من وسائل التقويم الفقهية منها:

أولا: قراءةُ استيعابِ مجمل النصوص في القواعد التي يقررها المنهج، خاصة في قضايا العلاقة بالآخرين، بحيث يقرر المنهج القواعد التي تجتمع بها دلالات النصوص بدلا من الانحياز نحو معنى من المعاني الشرعية وإهمال ما يتعلق به من النصوص والمعاني الشرعية مثل التوازن بين موالاة المسلمين وبين تصحيح أخطائهم، والتوازن بين التعلق الوثني بالدنيا وبين عمارتها العمارة الشرعية.

ثانيًا: مراجعة مدى مراعاة المنهج لتدرج أهمية وأولوية الكليات الشرعية؛ فتقرير عصمة الدماء مقدم على بيان دقائق العقوبات التعزيرية التراثية التي ذكرها بعض العلماء في حق المخالفين في المسائل الكلامية الشائكة، والخلل في مراعاة الأولويات يؤدي إلى خلق بيئة تضطرب فيها الحقوق الأساسية تحت ضغط كثرة الاستثناءات الفرعية القليلة والنادرة، ويفتح أبواب الاستخفاف بالدماء والأعراض وغيرها من الحقوق.

ثالثا: قراءة مدى عناية المنهج بتقرير مبادئ العدل، خاصة في الحقوق الشرعية الأساسية للإنسان في التعامل مع الآخرين من المسلمين وأهل الكتاب وغيرهم، ذلك أن العدل هو أساس العلاقة مع الناس، بل هو مقصد الشريعة الأكبر؛ قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، فإذا تحدث المنهج عن أخطاء المخالفين قبل تقرير قواعد العدل معهم أوشك ذلك أن يخلق سلوكا عدوانيا منفلتا من قواعد العدل التي قامت عليها الشريعة والرسالات.

رابعا: قراءة عناية المنهج بتقرير القواعد الشرعية للتعامل مع الحضارات والمعارف من حيث ضبط قواعد اشتراك الناس في المباح والمعرفة واستدماج النافع المفيد منها ما لم يناقض أصول الشرع ومقاصده، ورد ما يناقض أصول الشريعة ومقاصدها، ومراعاة القواعد التي تضيء للطالب منهجية التعامل مع الحضارة المعاصرة دون توتر وقلق من جهة، ودون خضوع لمنطلقاتها المناقضة للشريعة كتقديس المال، وتجاهل مؤسسة الأسرة.

خامسا: قراءة عناية المنهج بالمشاركة المدنية التي تقدم للمتلقي قنوات التعبير السلمي البناء عن قناعاته ومصالحه، بحيث لا يتركز المنهج على تكوين قناعة المتلقي بالانفصال عن مؤسسات مجتمعه؛ الأمر الذي يؤدي إلى أن ينفرد بمبادرات خارج قنوات المجتمع المشروعة.

سادسا: مراجعة مدى وضوح المنهج في تكوين توازن للمتلقي بين توظيف وسائل البناء المدنية في تحقيق الأهداف، ومراجعة مدى تركيز المقررات في تحقيق الأهداف على المواجهة بمختلف وسائلها.

إن إنجاز تقويم المنهج من خلال هذه المعايير يصعب تنفيذه بدرجة متكاملة، بيد أننا بذلنا من الجهد والوقت في قراءة وتحليل مكونات المنهج ما مكننا من الوصول إلى رؤية واضحة معززة بالنماذج والأمثلة، وقد حاولنا تجاهل الخلل المنفرد لنركز على ما يمكن أن نسميه بالنظريات التي تحرك عناصر المنهج بحيث نستخلص النظرية ثم نقدم نماذج لتطبيقاتها؛ ذلك أن الخلل في الرؤية أكبر خطرا من الأخطاء الجزئية العارضة، بل إن الرؤية الكلية هي التي يخرج بها الطالب في نهاية المطاف من قراءاته الدينية في مناهج التعليم، وهذا يوجب على الباحثين إعادة قراءة المقررات لضمان تحقيقها للتوازن الشرعي في شخصية الطالب، بحيث تتزن لديه التكاليف الشرعية، وتنضبط الحقوق، وتتضح له رؤية دينية سوية متسقة مع أصول الشريعة ومقاصدها.

إن هذا العمل -مراجعة المقررات وضبطها بأصول الشرع- يأتي في ظروف دقيقة، على رأسها حملات الإعلام الغربي ضد بلادنا، وربما أوضحت هذه الدراسة أن تحميل المناهج الدينية مسئولية تحريك العنف المسلح ضد الغرب أمر مبالغ فيه؛ إذ لا يمكن أن تكون السبب الأساسي، ذلك أن أخطاء المناهج الحالية تؤذي علاقة المسلمين بعضهم ببعض أكثر من تحريضها على غير المسلمين، فنحن بحاجة للتصحيح؛ لمصلحتنا أكثر من حاجتنا لتحقيق ما يغضب مراكز القوى، والواجب ألا نستنكف عن إصلاح أخطائنا لمجرد دعوة غيرنا إلى بعض ذلك، وهذا المعنى مقرر في كتاب الله تعالى حين استنكر الكفار على المسلمين القتال في الشهر الحرام فأقرهم القرآن على إنكار الخطأ وأمر المسلمين بتجنبه، والمهم هو أن يتركز الإصلاح لتحقيق مقاصد الشريعة وحماية مصالحنا.

لقد بينت لنا دراسة المقررات أن اضطرابا شديدا يموج بمحتوياتها، في قضايا جوهرية تمس طمأنينة الطالب، وحقوق المسلمين، وأصول التعامل مع غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين، وقواعد التعامل مع المعارف والحضارات، وهو اضطراب يخالف أصول الشريعة، بيد أنه لا يبلغ المدى الذي ادعته حملات وسائل الإعلام الغربية، لكن ذلك لا يمنع من الإقرار بالأخطاء والعمل على إصلاحها، وهذا ما سنوضحه بإيجاز في صفحات هذه الورقة، وسنقترح منهجية معالجة هذا الخلل.

الموقف من المخالف.. بين العدل والتعبئة

إبراهيم السكران – عبد العزيز القاسم

23/03/2004

إن التأسيس لاجتماع إنساني مسلم مستقر يتطلب البدء بالمناهج الدينية لتتضمن تأصيلا مسئولا للقواعد الشرعية الحاكمة لقضايا الاختلاف، مثل: كونية الاختلاف الإنساني، وتعميق الإيمان بالتعددية المشروعة أو المعذورة داخل دائرة الإسلام، وترسيخ التواضع للحق، ونبذ الزهو المذهبي، وتكريس القيم الشرعية للتعايش والمحبة والمودة، وتقرير أخلاقيات إنصاف المخالف واجتناب بخسه حقه أو غمطه ما معه من الصواب، وتعليم النشء وتدريبهم على مراعاة معيار القدرة والوسع الشرعي في الاجتهاد، وبيان أعذار المجتهدين وغير ذلك من قضايا الاختلاف المقررة في الكتاب والسنة وفقه الأمة.

بيد أن واقع مقرراتنا المدرسية لم ينجح في تقديم رؤية متسقة في هذه القضايا، بل كان الاضطراب والتناقض هو السائد فيما عرضته المقررات من أصول وتعليمات. فالمقرر يتحدث -بدقة فقهية- عن الآداب الإسلامية الرفيعة وأخلاقيات التعامل، خاصة في سياقات التقرير النظري، لكنه يعود ليقدم مواقف مناقضة وموهمة في المستوى التطبيقي في حديثه عن التعامل مع المخالفين، وهذا الاضطراب يوقع الطالب في مأزق يصعب معه تكوين موقف فقهي دقيق لدى الطالب يتسق مع القواعد الشرعية؛ الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب التكوين الأخلاقي للطالب في موقفه من المخالف، وتكاد تُختزل قواعد الأخلاق لتتحول إلى امتيازات خاصة تقدم للموافق الذي تركت المقررات تحديد أوصافه لمعايير غامضة مضطربة كما سيأتي.

قدمت المقررات نصوصا منضبطة فقهيا، تعرض بعض الآداب العامة وأخلاقيات التعامل، في المستوى النظري، كما يؤكد المقرر مثلا على المبادئ الأخلاقية التالية:

– (عناية الإسلام بتعليم أبنائه الآداب الإسلامية، والأخلاق الرفيعة) مقرر الحديث-الصف الثالث متوسط- 69.

– (وجوب تقوية الروابط بين المسلمين) مقرر الحديث-الصف الثاني متوسط-92.

– (طلاقة الوجه والابتسامة من المعروف والخير، فالمسلم لا يبخل بها على إخوانه المسلمين) مقرر الحديث-الصف الثاني متوسط- 103.

– (ترابط المسلمين وتماسكهم، وإزالة أسباب الخلاف بينهم، من المعروف) مقرر الحديث-الصف الثاني متوسط- 103.

– (حرمة دم المسلم وعرضه) مقرر الحديث-الصف الأول متوسط -82.

– (التحذير الشديد من تكفير المسلم بدون سبب يكفره) مقرر الحديث-الصف الأول متوسط -83.

– (على المسلم أن ينصح أخاه المسلم إذا رأى منه أمرا يخل بالدين، بدل أن يسارع إلى رميه بالكفر) مقرر الحديث- الصف الأول متوسط -84.

– (تكفير المسلم أمر عظيم وخطير، لا يجوز الإقدام عليه إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع) مقرر التوحيد-الصف الثالث ثانوي- القسم الشرعي -32.

– (التكفير حق لله، فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله) مقرر التوحيد-الصف الثالث ثانوي- القسم الشرعي -33.

هذه المبادئ الأخلاقية الشرعية النبيلة تدفع باتجاه التأسيس لتعظيم حقوق المخالف، إلا أن المقرر يعود ليقدم ما يكاد يناقض هذه المبادئ، ويتعارض مع ما قررته قواعد الشريعة حين يتعامل مع المخالفين من علماء الأمة وأتباعهم، ويأتي التعارض حين يقدم المقرر أحكاما مجملة موهمة لا تتفق مع القواعد الفقهية المقررة في الشريعة، وتؤدي في النهاية إلى إرباك الطالب المتلقي وهو في حداثة سنه، وغيابه عن معارك التراث التاريخية التي يعنى بها المتخصصون دون غيرهم من جمهور الأمة.

تقدم المقررات نصوصا تدفع باتجاه تعبئة الطالب في حداثة سنه ضد المخالف المجهول الغائب عنه، بدل تأكيد روابط الإسلام المتينة وحقوق المسلمين العامة، وتقرير قواعد احترام الاجتهاد، وآداب الحوار، وظروف الاختلاف التي تستوجب رفع الملام عن الأئمة الأعلام -كما عبر ابن تيمية- وسنعرض بعض نصوص المقررات المناقضة لقواعد حقوق المسلمين الموهمة لخلاف ما تقرره الشريعة، ومن ذلك:

(الفرق المخالفة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وصوفية حيث قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال، فضلوا وانحرفوا) [1]، فهذا النص يختزل أسباب الاختلاف في تقليد أئمة الضلال وقد خلط فئات لا يجوز بحال التسوية بينهم ووصمهم بالضلال والانحراف في مادة تقدم لصغار الطلاب.

ويؤكد أوصاف الضلال والانحراف فيقول:

(قول الفرق الضالة.. المنحرفون عن منهج السلف).

ثم يذكر منهم: (الأشاعرة، والماتريدية) [2]

ويقدم للطالب قواعد تكفيرية مجملة عن الأشاعرة والماتريدية، وكافة المخالفين في تفسير نصوص الصفات الإلهية كقوله:

(من نفى ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله، فقد كفر) [3]، ففي هذا النص عدوان على جمهور علماء الأمة وأتباعهم؛ إذ لا قائل بالتكفير في هذا المقام بنص الإطلاق، وما علاقة الطالب حديث السن بدقائق أحكام التكفير هذه؟! ثم أليس في هذه النصوص تهوين لقواعد تعظيم التكفير وعظيم خطره؟!.

والمقرر يعتبر التحريف كفرًا، ومع ذلك يجعل تأويلات الأشاعرة تحريفًا كما يقول:

(التحريف اللفظي يكون بتغيير الكلمة: بزيادة أو تغيير شكل، كتحريف الأشاعرة…) [4].

ويقول واصفا المخالف الإسلامي بالإلحاد:

(الإلحاد في أسماء الله.. [مثل] أن ينكر شيئًا منها، أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل…) [5].

(تأويل أسماء الله وصفاته عن ظاهرها، ونفي ما تدل عليه من المعاني الصحيحة، إلحاد فيها) [6]، وفي إطلاق مصطلح الإلحاد في هذا المقام -بهذا الإجمال- ما يؤدي إلى تهوين حقوق المخالف وتصعيد للموقف الفقهي معه دون انضباط علمي!

وتزداد حدة التصعيد مع أقوال المخالفين حين يقول:

(من رد شيئًا من نصوص الصفات، أو استنكره بعد صحته، فهو من الهالكين) [7].

وعَرض بعض ممارسات المسلمين بمبالغة وتهويل تنطلق بالأخطاء إلى مستويات مشبعة بالتضليل، من الطبيعي أن تربك الانضباط الشرعي للطالب مع المخالفين فيقول مثلا:

(الاحتفال بمناسبة المولد النبوي وهو تشبه بالنصارى.. فيحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلون.. ويحضر جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم، ولا يخلو من الشركيات والمنكرات.. وقد يكون فيها اختلاط الرجال والنساء مما يسبب الفتنة ويجر إلى الوقوع في الفواحش.. وهو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى لها الأكالون) [8].

وبعد أن يصنف المقرر هؤلاء المخالفين في خانة المبتدعين دون تفصيل أو تدقيق يقدم قواعد للتعامل معهم تتعارض مع القواعد الشرعية للتعامل مع المخالف التي سبق أن عرض جانبًا منها فيقول:

(تحرم زيارة المبتدع ومجالسته) [9].

ويضع المقرر منهج المفاصلة والعزلة فيقول:

(إياك وصاحب البدعة، فإنه يجرك إلى بدعته، ولا أقل من أن يشوش فكرك، ويؤذي خاطرك).

ثم ينقل في الهامش معلقًا على هذه العبارة:

(للاستزادة في هذه الجزئية، انظر رسالة: هجر المبتدع) [10]، وأقل ما يقال عن هذه الرسالة التي أحال إليها أنها تفتقر إلى الحد الأدنى من قواعد العدل وأخلاق الاختلاف المقررة في الشريعة، بل هي رسالة صدرت في ظروف خاصة من المنافسة ومغاضبة الأقران بعضهم لبعض، وكثيرا ما تكون هذه السياقات مواطن زلل وعدوان، فكيف تكون أساسا يربى عليه صغار الطلاب؟!

كما يشير المقرر إلى بعض التفسيرات العدوانية السلبية غير اللائقة في تفسير سلوك المخالف المسلم، ومن ذلك افتراض التواطؤ في علاقة المخالف بالمستعمر، كما يقول المقرر:

(يجب أن يُعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم، وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق) [11].

وهذا الأسلوب في التشكيك بالمخالف المسلم يسهم في إضعاف أخلاقيات الطالب ويوهن حسن الظن بالمسلمين في وجدان الطالب؛ الأمر الذي قد يحطم ما سبق بناؤه من آداب الاختلاف.

إن انتشار لغة المفاصلة والتضليل والتشكيك تشكل خطرا على تكوين الطالب السوي، بيد أن الأخطر من ذلك هو عرض تاريخ الاختلاف الإسلامي بصورة قد يفهم منها الطالب مشروعية القمع العنيف للمخالف، أو جواز تصفيته جسديا من أجل رأيه في مسائل الخلاف حين تقدم هذه المعلومات لطالبٍ غض الأظفار، بعيدٍ عن إتقان مهارات القضاء وقواعد الإثبات، بما يوهم أن التعامل العنيف مع المخالفين إحدى المهام التي يجب أن يُعنى بها الطالب في حداثة سنه، يقول المقرر مثلا:

(مع طول الزمن والبعد عن آثار الرسالة يحصل كثير من الانحراف، ويخفى كثير من السنن، وينبت كثير من البدع…

وكان الصحابة والتابعون يقفون لهذه الأمور بحزم وعلم، فلم تفلت بل قمعوها، وبينوا الحق وأزالوا الشبهة، وما من بدعة إلا ويقيض الله لها من يردها ويكشف عُوارها وينصر السنة، وما من رأس من رؤوس الضلالة إلا ويقيض الله له من أعلام السنة من يتصدى له ويفضحه، ويرد عليه بدعته ويقيم عليه الحجة..

لما ظهرت نزعات الابتداع الأولى في عهد عمر الفاروق.. قيض الله لها عمر فأقام معوجها بدُرّته المشهورة.. وأدّب الأمة كلها بقطع شجرة الحديبية..

وأدب علي من غلا فيه وحرّقهم بالنار.. وأمر بجلد من فضله على الشيخين..

ولما ظهر من ينفون القدر تصدى لهم متأخرو الصحابة كابن عمر الذي حذر منهم وكشف عوارهم..

ولما أعلن غيلان الدمشقي هذه البدعة تصدى لها التابعون.. فلما أصر على بدعته قتله هشام بن عبد الملك..

وضحى الأمير خالد بن عبد الله القسري بالجعد بن درهم..

وهكذا كلما كثرت حشود البدعة تصدت لهم جحافل السنة..

ولما احتشدت حشود الأهواء.. قيض الله لهم إمام السنة وقامع البدعة، الإمام أحمد بن حنبل، فكسرهم كسرة لم ينهضوا بعدها إلا متعثرين بحمد الله..

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية مجاهدًا بعلمه ولسانه لأهل الكلام والفلاسفة والصوفية، وغيرهم من جحافل البدع الذين تصدى لهم..

ولا تزال آثاره ومؤلفاته مرجعًا لكل صاحب سنة، وقذى في عين كل صاحب بدعة…)[12].

فهذا العرض التمجيدي للتعامل العنيف مع المخالف شديد الخطورة على نفسية الطالب حيث قد يوحي بتأييد ضمني لما انطوت عليه من ظروف شائكة يصعب عليه فهم دقائقها وضوابط التعامل معها؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار حرمة الدماء والنفوس في وجدان الشاب فيشعر بهوان النفوس ومشروعية القتل وإزهاق الأرواح، خصوصا إذا انضاف إلى ذلك تقديم هذه الوسائل للطالب على أنها هي دعائم إقامة الدين والحفاظ عليه، فيتصور أن تعميق الهوية الإسلامية يتم من خلال الوسائل العقابية كما يقول المقرر:

(مصلحة الدين فوق كل مصلحة.. من رحمة الله أنْ شرع طرقًا كثيرة للمحافظة على الدين، منها:

1. الأمر باجتناب المعاصي، ومعاقبة مقترفيها.

2. محاربة الابتداع في الدين، ومعاقبة المبتدعين والسحرة وأمثالهم.

3. قتل المرتدين والزنادقة.

4. الجهاد…) [13].

يقرر هذا النص صورة عن الدين توهم الطالب بأن حفظ الدين يتم عبر سلسلة من العقوبات، متجاهلا أن حماية الدين الأساسية تقوم على البرهان وجلال الله تعالى وفطرة الله التي فطر الناس عليها والقسط، والشورى، والرحمة… أما العقوبات فهي في الشريعة تجري وفق نظام خاص لا يمكن إقحام الطالب فيه دون دراية بمجموعة كبيرة من القواعد التي تعرض الأمر بصورة دقيقة، وبغير ذلك قد يتسلل إلى فهم الطالب تصورات تختزل التعامل مع الناس عبر سلاسل من العقوبات والممارسات العنيفة.

كما يدعو المقرر إلى تعميق الكراهية ضد المسلم المقصر بينما كان الواجب نشر الحب والمودة، فحين تكلم عن أحكام البغض لوجه الله، قال في شرح ذلك:

(أبغض في الله: أي أبغض المخالفين والمعرضين عن أوامر الدين الصحيح) [14].

بل ويدعو إلى تجاوز الكراهية إلى المعاداة كما يقول:

(العصاة أصحاب الكبائر من المؤمنين.. فيوالَون لما فيهم من الإيمان، ويعادَون لما فيهم من المعاصي.. وهجرهم.. ردعًا لهم وتوبيخاً) [15].

وكان المفترض بث الروح الإسلامية وتأكيد الأخلاقيات النبوية مع المقصر كالمودة واللباقة وأدب الحديث والملاطفة، فلم يكن من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم إعلان العداوة على المقصرين من أصحابه بنسبة تقصيرهم، بل كان يبادر إلى الإعذار، ويدعم المعنويات ويتلطف في إيصال عتابه، كما قال أنس بن مالك: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سبّابًا ولا فحّاشًا ولا لعّانا. كان يقول لأحدنا عند المعتبة: (ماله؟ تَرِب جبينه) [16].

أما التثريب على المقصرين فمخالفٌ للهدي النبوي حتى لو ارتكب المقصر كبيرة من الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت أَمَة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرّب عليها)[17].

وفي الوقت الذي لفت المقرر انتباه الطالب إلى خطورة التكفير، جازف أحيانًا برسم صور تكفيرية شمولية عن العالم الإسلامي، يقول:

(قد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادئ الهدامة والنِّحَل الضالة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله) [18] و(فشا الجهل في القرون المتأخرة، ودخلها الدخيل من الديانات الأخرى، فعاد الشرك إلى كثير من هذه الأمة، بسبب دعاة الضلال، وبسبب البناء على القبور، متمثلاً بتعظيم الأولياء والصالحين، وادعاء المحبة لهم؛ حتى بنيت الأضرحة على قبورهم، واتخذت أوثانًا تعبد من دون الله بأنواع القربات من دعاء واستغاثة وذبح ونذر لمقاماتهم)[19]، و(إن ما ينذره جهلة المسلمين من نذور للأولياء والصالحين من أموات المسلمين، كأن يقول: يا سيد فلان إن رزقني الله كذا، أجعل لك كذا.. فهو شرك أكبر) [20].

ومع هذه الصور الموهمة التي تحمل تكفيرا مجملا يلقي المقرر الكثير من عبارات إهدار الدماء واستباحة الممتلكات، وينثرها بين ثنايا المقرر بشكل فوضوي غير منظم المعنى والمعايير كما يقول:

لا تعليقات حتى الآن

  1. هذه الورقة تراجع عنها السكران وتبرأ منها
    وهي كانت قبل المآلات

    فليتكم تحذفونها

    قال السكران:
    “وقد نصحني أخي الشيخ بندر الشويقي منذ سنوات عدة، أن أكتب نقداً لورقة المقررات، وأبين ما فيها من مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، لكنني كنت أسوّف، وأقول لمن سألني عنها إن نقد الشيخ الغصن لها كافٍ إن شاء الله ومبين للحق”

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − ستة عشر =