أهل السنة و الجماعة اشكالية الشعار و جدلية المضمون

الدكتور حاكم المطيري و مقال أهل السنة والجماعة إشكالية الشعار وجدلية المضمون .

(1)

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد..

فقد جاء في الحديث (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) وجاء أيضا (إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور العلماء وإنما يرفع العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)!

ومن أراد معرفة حال العلم وأهله فلينظر إلى حال الأمة وواقعها وتسلط عدوها عليها وتعدادها ألف وخمسمائة مليون نسمة فهي أكثر الأمم عددا وثروة وأوسعها دارا ومع ذلك صارت أضعف الأمم شكيمة وبأسا وأوهنها إرادة وعزما يحتلها العدو ويسيطر على حكوماتها ويتصرف في شئونها كما يتصرف المالك في أرضه ولعل ما يجري من حصار على غزة وشعبها وهي التي يحيط بها العالم العربي بثلاثمائة مليون نسمة دون أن يستطيع أحد فك الحصار عنهم لهو أوضح دليل على حال الأمة وعلمائها الذين لم يبق لهم من العلم إلا اسمه ومن العمل إلا رسمه إلا من رحم الله منهم وقليل ما هم!

وإذا نظرت في أحوال من يتسمون بالعلم فغاية ما عند أكثرهم حفظ متون فقهية لا يحسنون فهم ما وراءها فعجزوا عن مواكبة تطور الأمم من حولهم وحاجة الأمة إلى معالجة مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تعطلت أحكام الكتاب والسنة في واقع حياة الأمة وحتى تطلعت الأجيال إلى البحث عن تغيير هذا الواقع المتخلف الذي يحكمه الاستبداد الداخلي بالوكالة عن الاستعمار الخارجي وحتى صارت الأمة وأجيالها تتطلع إلى الليبرالية والديمقراطية للخروج من الاستبداد والطغيان السياسي المتحالف مع الطغيان الديني الذي يتحكم في شئونها كما يتحكم الإقطاعي بإقطاعه وعبيده بعد أن يئست من الحل الإسلامي!

وصارت الأجيال تتطلع إلى القومية العربية من جديد لتحقيق وحدتها والتحرر من الاستعمار بعد أن فشل العلماء المسلمون بالقيام بمسئولياتهم حين صار كثير منهم يمنعون بفتاواهم المشبوهة الأمة من الجهاد لا لشيء إلا لأن الاستعمار وصمه بالإرهاب!

هذا بعد أن كانت الفتاوى تعج وتضج من أقصى العالم الإسلامي إلى أقصاه بوجوب الجهاد في أفغانستان تحت الاحتلال الروسي وكان الشباب يذهبون أفواجا حجاجا لطلب الشهادة فما هو إلا أن تحقق النصر وخرج الروس فإذا جيوش الاستعمار الغربي وقوات حلف النيتو الصليبية تأت بخيلها وخيلائها لتقطف ثمرة النصر وتحتل أفغانستان من جديد للسيطرة على نفط بحر قزوين ولتسقط حكومة طالبان وإمارتها الإسلامية التي دعت الأمة للجهاد ونصرتها في حربها فكانت المفاجأة أن توارت الفتاوى خلف دهاليز السياسة تنتظر الإذن والإشارة فجاءت الإشارة بالمنع بحجة أن ذلك إرهاب وليس جهادا فما عدنا نسمع فتوى بجهاد ولا دعوة لنصرة المسلمين في أفغانستان والعراق إلا ممن لا يسمع صوته خلف القضبان!

لقد كان ما جرى تحولا ثقافيا خطيرا لمن أدرك فترة الجهادين في أفغانستان ضد الروس 1979 ـ 1992 وضد الأمريكان 2002 ـ 2010م وإلى اليوم إذ تجلى المشهد بكل وضوح أمام الجميع فقد كان الدين والفتاوى جزءا من حرب كبرى قادتها أمريكا والحكومات العربية والإسلامية التابعة لها الدائرة في فلكها ضد المعسكر الإشتراكي والاتحاد السوفيتي آنذاك حتى إذا انتهت المهمة وجب تغيير الفتوى بما يحقق غرض أمريكا أيضا ولم يقتصر الأمر على ذلك حسب بل تجاوزه إلى سيل من الفتاوى الجديدة لم نسمع بها ولا آباؤنا من قبل لتتشكل ثقافة دينية جديدة لتعيش الأجيال حالة من الشك والحيرة من مواقف العلماء وفتاواهم وأسباب تبدلها وتحولها في مدة عقد واحد من الزمن؟!

وقد أخذت على عاتقي مهمة دراسة هذه الظاهرة ورجعت إلى عشرات المصادر فإذا المشهد يتكرر وإذا المنطقة قد تعرضت منذ سقوط الخلافة العثمانية واحتلال بريطانيا وفرنسا وإيطاليا للعالم العربي والإسلامي إلى الأحداث نفسها والأساليب ذاتها وإذا الدين والفتاوى أحد أهم أسلحتهم في توجيه الرأي العام الإسلامي أو تحييده من خلال تفاهم الاحتلال مع بعض رجال الدين أو من خلال التفاهم مع السياسيين الذين يقومون بدورهم بتوجيه رجال الدين بما تمليه سياسة الاحتلال الأجنبي وقد ذكرت من الأدلة في كتاب (الحرية وأزمة الهوية) ما يؤكد مدى تحكم العدو الخارجي وضبطه لموضوع الفتوى داخل العالم الإسلامي بما يخدم مصالحه الاستعمارية!!

وإذا أردت معرفة أبعاد الأزمة وخطورتها فانظر كيف ترك نصف الشعب العراقي مقاومة الاحتلال تقليدا لفتوى رجل واحد ليحتل العدو أرضهم وثرواتهم ويقتل رجالهم ويسجن أحرارهم لا لشيء إلا لغياب نور العقل والعلم والفطرة السليمة التي تدفع البوذي الفيتنامي لمقاومة الاحتلال مهما كان الثمن فلا يحتاج إلى فتوى فقهيه ليعرف ما يجب عليه القيام تجاه أرضه ووطنه مما تقتضيه العقول السليمة والفطر الصحيحة ليعبث الاحتلال الأجنبي بأوطان المسلمين بمثل هذه الفتاوى المشبوهة ولا يحتاج العدو إلا التفاهم من وراء الكواليس مع هذا المرجع أو ذاك فإذا الملايين تتعطل قدراتها وتتخلى عن واجباتها!

وإذا الملايين نفسها تخرج ـ تحت حراسة الجيش الأمريكي ـ لتنوح على الحسين وآل البيت ولا ينوحون على العراق وشعبه وهو يئن تحت وطأة جيوش الاحتلال في مشهد يكشف عن مدى تخلف الأمة وغيبة الوعي الجمعي الذي صار أسير كهنوت ديني زائف حتى صار الدين الممسوخ أحد أسباب سقوط الإنسان وسقوط الأوطان في عالمنا العربي مما يجعل بعث العلمانية من جديد خيارا مطروحا معقولا إذا ما قورن بهذا الهوس والجنون الذي تجلى بأبشع صوره في أرض الرشيد مهد الخلافة والحضارة الإسلامية!

وإذا نظرت على الطرف الآخر رأيت طائفة أخرى تعطلت ملكة عقول أتباعها بتقليد هذا الشيخ أو ذاك لا في دقائق الفقه بل في أصول الدين وقطعياته البدهية ولا يحتاج العدو لتوظيفهم في خدمة مشروعه أو تحييدهم إلا التفاهم مع ولاة أمرهم فإذا هم أدواة في يده فلا يصدر عنهم قول إلا بإذنه ولا فتوى إلا بأمره!

ولعله لم تؤت الأمة من عدوها كما أتيت من أدعياء العلم فيها فالفتوى اليوم تفتك في الأمة أشد من فتك جيوش الاحتلال بها ولهذا حرص العدو على توظيف الفتوى في خدمة مشروعه أو على الأقل تحييدها في هذه الحرب التي يشنها الصليبيون على العالم الإسلامي بجيوشهم الجرارة منذ سبع سنوات لتحتل العراق وأفغانستان ولتحاصر فلسطين وإذا قواعدهم التي تنطلق جيوشهم منها هي جزيرة العرب وإذا الفتاوى المشبوهة تتوالى في تخذيل الأمة عن القيام بواجبها الشرعي ليس باسم الرأي والمصلحة والاجتهاد بل باسم السنة ومنهج سلف الأمة!

فالقول بأنه (لا جهاد إلا بإمام) صار أصلا من أصول السنة وسلف الأمة الذي اكتشفه الخلوف اليوم فصارت تعقد له المؤتمرات المشبوهة هنا وهناك لإثبات أنه لا جهاد إلا بإمام!

فإذا نظرت فإذا هذا الأصل الجديد لا يخدم إلا العدو المحتل! بعد أن كان عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول (من قال أنه لا جهاد إلا بإمام؟ هذا من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين)!

وصار (تحريم الخروج على الإمام وإن كفر) من أصول السنة وسلف الأمة بعد أن كان الخروج واجبا بإجماع الأمة؟!

بل صارت قاعدة (أول الخروج الكلمة) أصلا من أصول السنة وسلف الأمة! بعد أن كان تغيير المنكر والأمر بالمعروف والصدع بالحق من أوجب الواجبات بإجماع الأمة لحديث (وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)!

وصار الدخول تحت حماية العدو الكافر جائزا مشروعا ومن اختصاص ولي الأمر بعد أن كان ردة وخروجا من الملة!

وصار من نصبه العدو الكافر في أرض الإسلام ولي أمر تجب طاعته باسم السنة ومنهج سلف الأمة ؟! بعد أن كان مرتدا يجب جهاده ومقاومته؟!

وكل هذه الأقوال الباطلة تروج اليوم بوسائل الإعلام وتعقد لها المؤتمرات وتؤلف فيه المطبوعات لتبرير هذا الواقع السياسي الذي تورط فيه سدنة السلطة من الأحبار والرهبان الذين يبيعون الأمة ودينها بعرض من الدنيا قليل؟!

فلم يبتذل شعار قط كما ابتذل شعار (مذهب أهل السنة وسلف الأمة) حتى فرغ هذا الشعار من مضمونه وتعطلت دلالاته واستغله العدو الأجنبي والعدو الداخلي حتى انصرفت الأجيال مرة أخرى عن الإسلام بعد أن رأت أنه لم يحقق لها الحرية والكرامة الإنسانية ولا الاستقلال والسيادة الوطنية ولا التطور والنهضة فصارت تتطلع لحلول مشكلاتها إلى بديل يخرجها مما هي فيه وإن كان في الليبرالية والديمقراطية الغربية نفسها؟!

وما ذلك إلا بسبب الإعراض عن هدايات الكتاب والسنة بآراء الرجال وأهوائهم وكان الحال كما قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان 7/378 (اعلم أن هذا الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واعتقاد الاستغناء عنهما بالمذاهب المدونة الذي عم جل من في المعمورة من المسلمين من أعظم الماسي والمصائب والدواهي التي دهت المسلمين من مدة قرون عديدة!

ولا شك أن النتائج الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن الكتاب والسنة من جملتها ما عليه المسلمون في واقعهم الآن من تحكيم القوانين الوضعية المنافي لأصل الإسلام, لأن الكفار إنما اجتاحوهم بفصلهم عن دينهم بالغزو الفكري عن طرق الثقافة وإدخال الشبه والشكوك في دين الإسلام.

ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصنا منيعا لهم من تأثير الغزو الفكري في عقائدهم ودينهم.

ولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم واستبدلوا به أقوال الرجال لم تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة رحمهم الله مقام كلام الله والاعتصام بالقرآن، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والتحصن بسنته ولذلك وجد الغزو الفكري طريقا إلى قلوب الناشئة من المسلمين, ولو كان سلاحهم المضاد القرآن والسنة لم يجد إليهم سبيلا.

ولا شك أن كل منصف يعلم أن كلام الناس، ولو بلغوا ما بلغوا من العلم والفضل، لا يمكن أن يقوم مقام كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبالجملة فمما لا شك فيه أن هذا الغزو الفكري الذي قضى على كيان المسلمين، ووحدتهم وفصلهم عن دينهم، لو صادفهم وهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله لرجع مدحورا في غاية الفشل لوضوح أدلة الكتاب والسنة، وكون الغزو الفكري المذكور لم يستند إلا على الباطل والتمويه كما هو معلوم). انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى في تشخيص أحد أهم أسباب عجز الأمة وهو الإعراض عن هدايات الكتاب والسنة بتقليد الرجال وتقليد الشيوخ ومذاهبهم الفقهية التي ليست سوى اجتهادات علماء الأمة في عصور تختلف عن هذه العصور وهي قاصرة عن الإحاطة بهدايات الكتاب والسنة التي جاءت لكل زمان ومكان!

ومن هنا يعرف القراء ومن سيأتي بعدهم من الأجيال أن هذا السجال الفكري والعلمي الذي نحن فيه هو أحد تجليات الأزمة السياسية التي تعيشها الأمة تحت الاحتلال والنفوذ الاستعماري الجديد ولا يمكن فهم أبعاد هذا الموضوع عن هذا السياق وقد شاهدنا في بلد صغير كيف يتم العبث بالفتوى وبالدين لصالح الاستعمار ومشروعه في المنطقة حتى صدرت الفتاوى بأن القتال مع الأمريكان من الجهاد في سبيل الله؟!

وحتى عقدت عشرات المؤتمرات حول الجهاد وشروطه وحول طاعة ولي الأمر ثم لا يشارك فيها إلا سدنة الباطل وسماسرة الدين وتجاره فيأتون بالطائرات على الدرجة الأولى وفي الفنادق الخمسة نجوم ببشوتهم المزركشة المذهبة وبعضهم لم يخرج قط من مدينته ولم يعرفه أحد إلا في هذه الفتنة!

وحتى صدرت التعليمات في آن واحد من كل وزارات الأوقاف في المنطقة بالمنع حتى من الدعاء في المساجد على غير المسلمين المعتدين المحتلين!

فلا يحتاج الأمر سوى زيارة قصيرة من مسئول أمريكي حتى تخرج الفتاوى بما تريد الإدارة الأمريكية؟!

ولعل أشد ما في هذه الفتنة أنها تروج باسم السنة وسلف الأمة حتى بلغ الحال أن صارت طاعة الطاغوت ومولاته من أصول أهل السنة ونهج سلف الأمة حتى ابتذل هذا الشعار الشريف أسوء ابتذال في أسوء جريمة وهي خيانة الله ورسوله والمؤمنين!

وكل ما ذكرته هو غيض من فيض عسى الله أن يقيض له من يقوم على كشفه وتجليته للأمة لتعرف كيف يمكر بها عدوها!

هذا وبعد أن صدر كتابي (الفرقان) في الرد على شبه حمد إبراهيم عثمان ودعوته إلى تولي الطاغوت والتحاكم إليه وحبه والقتال في سبيله بدعوى (طاعة ولي الأمر) دون أن يحقق القول في معنى قوله تعالى في أصل دعوة التوحيد {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقوله تعالى في بيان أن من الطاغوت طاغوت الحكم وهو كل من يتحاكم إليه الناس ويحكم بينهم بغير حكم الله كما قال تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} وقوله تعالى في بيان حال الذين كفروا {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}؟!

فعطل حمد إبراهيم عثمان دلالة كل هذه الآيات ولم يعد لها مدلول يمكن تنزيلها عليه في أرض الواقع إذ صار كل ذي سلطان في كل بلد إسلامي عند حمد عثمان ولي أمر تجب طاعته والرضا بحكمه ومحبته والدفاع عنه وكل من ناوأه فهو خارجي حروري!

وهو يعلم أن أكثر هذه البلدان يحكمها الطغاة اللادينيون والدهريون والماديون وأحسنهم حالا المنافقون والإباحيون الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ممن يحاربون الله ورسوله وأولياءه وممن يصدق فيهم قوله تعالى {اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا}؟!

ثم لم يجعل حمد عثمان هذه القاديانية الجديدة رأيا واجتهادا حتى روجها باسم السنة وسلف الأمة ثم لما وجد أن باطله لا يروج إلا على من لم يعرف حقيقة الإسلام والإيمان ووجد أن (الفرقان) أتى على شبهه من القواعد وكشف زيفه ودجله لجأ بعد صدور الفرقان بأسبوعين إلى حيلة العاجز فذهب يعرض كتابه على من يقرظه له ويسعفه بتسويقه ظنا منه والظنون كواذب أن تقريظ هذا الشيخ أو ذاك يرفع خسيسا أو يضع نفيسا ونسي أنه لا يعرف الحق بالرجال بل يعرف الرجال بالحق ولو كان حمد عثمان على ثقة من دينه ومما كتب لما اضطر في الطبعة الثالثة من كتابه المشبوه وبعد صدور (الفرقان) إلى اللجوء لبعض الشيوخ لتقريظ كتابه فكان من شؤمه وشؤم كتابه على ذلك الشيخ أن استصدر منه والرجل في آخر عمره قولا لم يقله قبله أحد من أئمة الإسلام قط لا من أهل السنة ولا طوائف أهل القبلة!

فكان أشأم عليه من البسوس على بكر بن وائل!

وقد أراد حمد عثمان بهذه الحيلة أن يجعل المواجهة بيني وبين ذلك الشيخ وطائفته بعد أن كانت بينه وبيني!

ولم أتفاجأ أنا بما جاء في ذلك التقريظ ولا بما يصدر عن بعض مشايخ هذه الطائفة في مثل هذه النوازل فهذا كله أحد تجليات التحولات العقائدية التي طرأت على أتباع هذه المدرسة ولا يحتاج الباحث إلى كبير جهد لمعرفة مدى اتساع الهوة بين أطروحات هذه المدرسة قبل قرن وأطروحاتها اليوم وما عليه إلا أن يقرأ الدرر السنية والرسائل النجدية ورسائل أئمة الدعوة ليكتشف أن هذه المدرسة المعاصرة تخلت عن كثير من أصولها العقائدية تحت ضغط الواقع السياسي حتى اقتحم بعض دعاتها وشيوخها باب ردة جامحة لم يجرؤ عليها أحد من أهل القبلة!

كما لم أتفاجأ حينما خرج أحدهم قبل سبع سنوات وجيوش الاحتلال الصليبي تدك مدن العراق وتحتل أرضه ليقول في الفضائيات بأن بريمر حاكم العراق العسكري الأمريكي ولي أمر تجب طاعته دون أن يصدر عن شيوخ هذه المدرسة أي رد على هذه الفتوى فكان ذلك الشيخ أشجعهم وأصدقهم وأجرأهم في التعبير عن رأيه ورأيهم الذي يستبطنه كثير منهم اليوم في تقرير هذه العقيدة الجديدة!

فلم يكن الشيعة ومراجعهم وحدهم هم من يضفون الشرعية على الاحتلال الأجنبي للعراق باسم مذهب (أهل البيت) بل خرج من شيوخ هذه المدرسة من يضفي الشرعية عليه باسم مذهب (أهل السنة وسلف الأمة)!

وإذا هاتان الطائفتان تتباريان وتتجاريان في الأهواء السياسية كما يتجارى الكلب في صاحبه وتكشفان عن أزمة عقائدية وفكرية عميقة يعيشها العالم الإسلامي تفسر لنا سبب تخلفه وسقوطه تحت أبشع صور الطغيان السياسي من جهة والاحتلال الأجنبي من جهة أخرى ولتعيد هذه الحوادث المضحكات والفواجع المبكيات لنا قصة نابليون كما ذكرها مؤرخ مصر الجبرتي حين دخل الجيش الفرنسي مصر فقيل لنابليون بأنك لا تحتاج ليخضع لطاعتك الشعب المصري إلا الإعلان عن كونك مسلما ففعل ما أشاروا عليه وصار نابليون ولي أمر المسلمين! ليصدق قول أبي الطيب:

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

وقد ذكرت في كتابي (الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية .. عبيد بلا أغلال) من الحوادث التاريخية المتواترة ما يؤكد مدى قدرة الاحتلال على توظيف كلا الطائفتين في مشاريعه الاستعمارية من خلال وكلائه وموظفيه الذين يستغلون رجال الدين في استصدار الفتاوى لما يحقق غرض العدو المحتل لبلدان المسلمين!!

وقد صارت هذه الشعارات الشريفة كشعار (مذهب آل البيت) و(مذهب أهل السنة وسلف الأمة) تستغل اليوم أسوأ استغلال وأبشعه وأشنعه وأفظعه وأخنعه لترسيخ هذا الواقع الاستعماري الذي تورطت فيه كثير من الحكومات فتورط معها سدنتها ودهاقنتها وأحبارها ورهبانها فاضطروا إلى تسويق الكفر البواح والفجور والزور وما يبرأ منه آل البيت وسلف الأمة وأئمة السنة!

أقول ومع أن تقريظ ذلك الدكتور لكتاب حمد عثمان لم يتجاوز بضعة أسطر فقد تضمن من الشبه المصادمة لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما لا يخفى على من له أدنى اطلاع على أقوال ومذاهب الأئمة وسلف الأمة!

فقد جاء في التقريظ المذكور( فقد قرأت كتاب الشيخ حمد العثمان ردا على الدكتور حاكم العبيسان في أفكاره المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة في حثه على الثورة على الحكام بحجة ما عندهم من المخالفات التي لا تصل إلى حد الكفر وأيضا حتى لو وصلت حد الكفر وليس عند المسلمين قوة يستطيعون بها إزالتهم دون مفاسد وسفك دماء وحدوث فساد أكبر كما رسم لنا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المنهج الذي سار عليه علماء المسلمين في علاج هذه القضية عملا بسنة نبيهم وتجنبا لمنهج الخوارج والمعتزلة وجدت هذا الرد حسنا متمشيا على الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها..)!!!

فقد تضمن هذا التقريظ ما يلي :

أولا : تحريم الدعوة إلى الخروج على الحكومات الظالمة بدعوى أن ذلك مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة وأنه مذهب المعتزلة والخوارج!

ثانيا : أنه حتى لو كفرت هذه الحكومات وخرجت من الملة فإن الدعوة إلى الخروج والثورة عليها لا تجوز في حال عجز المسلمين وحدوث المفاسد وأن ذلك هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة وأهل السنة خلافا لمنهج المعتزلة والخوارج!

ثالثا : أن ما كتبه حمد عثمان في كتابه من دعوة إلى الشرك والوثنية وتحكيم الطاغوت والرضا بحكمه وموالاته ونصرته كل ذلك وجده الشيخ متمشيا مع الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة! كما في قول حمد عثمان في ص 237 (العبيسان جاء بما يضاد الدين ودعوة المرسلين فكتابه كله يدعو إلى نزع يد الطاعة..)!

فصارت طاعة الطواغيت الملحدين الذين يحكمون بغير شرع الله هي (الدين ودعوة المرسلين) عند حمد عثمان وشيخه الذي قرظ كتابه!

ومع أن هذه القضية كلها ـ أي الخروج على السلطة الجائرة ـ هي قضية فرعية جزئية في كتابي الحرية وكتابي التحرير حيث أن القضية الرئيسة التي يتجنب المخالفون تحديد الموقف منها بوضوح هي قضية (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ووجوب معرفة سننهم في باب الخلافة وسياسة الأمة ووجوب دعوة الشعوب والحكومات إلى إحيائها وبعثها من جديد وإقامة حكومات راشدة في كل بلد للتمهيد لعودتها خلافة راشدة كما بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم (ثم تعود خلافة على منهاج النبوة) والمخاطب بذلك هي الأمة وهي التي يجب عليها القيام بما تستطيعه في إصلاح في هذا الباب كما في الصحيح (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) فلا تتعطل أحكام هذا الباب بدعوى تفرق الأمة وسقوط خلافتها وتشرذمها ولا بدعوى تسلط الطغاة عليها ولا بدعوى انتظار المهدي ـ الذي انتظره الشيعة ألف عام فلما طال عليهم الأمد تركوه وغيروا واقعهم بأيديهم وبقي بعض أهل السنة ينتظرونه ـ بل الواجب النصيحة وبذل الوسع والجهاد في ذلك حسب الوسع والطاقة ولو بالكلمة والبيان كما في الصحيح (الدين النصيحة .. ولأئمة المسلمين وعامتهم) وتحذير الأمة من اتباع سنن الجبابرة والأكاسرة والقياصرة والمحدثات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (لتتبعن سنن من كان قبلكم .. فارس والروم)!

وقد بينت في كتبي ما استطعت أصول الخطاب السياسي القرآني والنبوي والراشدي وبينت المحدثات التي تخالف تلك الأصول والهدايات فأعرض المخالفون عن ذلك كله وجعلوا العقدة بالمنشار فأصموا وعموا واستغشوا ثيابهم وأصروا على ما هم عليه من تعظيم شأن الطواغيت وتمجيدهم وتبرير ظلمهم وعسفهم وخيانتهم لله ورسوله وللأمة بالوقوف مع عدوها المحتل وجعلوا قضية (ولي الأمر) أم القضايا وشعار أهل السنة ـ زعموا ـ ثم تمادوا في طغيانهم وغوايتهم حتى زعموا أن كل هذه الطاغوتية التي تمارسها كثير من الدول والحكومات التي لا تمت أصلا إلى الإسلام بصلة هي من السنة النبوية وما كان عليه الخلفاء الراشدون بما في ذلك الاستبداد والظلم والعسف والموالاة للعدو الأجنبي والدخول تحت حمايته وحتى خرج بعضهم فوصف طاغوته بأنه كالخلفاء الراشدين!

فكما صارت قضية النص (والإمام الغائب) فتنة الشيعة منذ كانوا إلى اليوم فقد صارت قضية (ولي الأمر والإمام القائم) فتنة كثير من أدعياء السنة إلى اليوم!

هذا مع أنني أدعو إلى الإصلاح السلمي وأرى بأن بإمكان الأمة إصلاح الواقع ولو قامت بالواجب الشرعي لما كان هذا حالها ولتغير واقعها كما قال تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وكما قال صلى الله عليه وسلم:(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه)([1]).

وجاء عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه عمهم الله بعقابه).([2])

وجاء في الحديث أيضا :(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).([3])

وقال أيضا :(سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه؛ فقتله).([4])

وقال:(إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم:يا ظالم! فقد تودع منها).([5])

وقال:(لتأخذن على يد الظالم، ولتأطِرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم).([6])

وإنما عرضت لقضية الخروج على أئمة الجور لتعلقها بموضوع الإمامة وحق الأمة في اختيار السلطة بالشورى وما جرى من خلاف بين سلف الأمة في هذه القضية ولست بصدد الدعوة إلى الثورة كما يتصور الواهمون وإن كنت أرى مشروعية ذلك إذا اضطرت الأمة إليه فهذا حقها الذي جعله الشارع لها!

وهذا جوابي مختصرا على ما جاء في تقريظ ذلك الشيخ وفي كتبي بيان كاف وجواب شاف لمن أراد الحق بعيدا عن تقليد الرجال:

فأولا : دعوى أن الخروج على أئمة الجور هو مذهب الخوارج والمعتزلة دعوى باطلة وبطلانها أشهر من أن تذكر له الأدلة فالخلاف بين سلف الأمة والأئمة المشهورين من أهل السنة مشهور معلوم لا يخفى على العامة فضلا عن أهل العلم!

قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في (جواب أهل السنة ص 70) مقررا أن الخروج على أئمة الجور قضية خلافية بين سلف الأمة وأهل السنة أنفسهم حيث يقول (اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وكذلك أهل البيت فذهبت طائفة من أهل السنة من الصحابة فمن بعدهم وهو قول أحمد وجماعة من أهل الحديث إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان إن قدر على ذلك وإلا فبالقلب ولا يكون باليد وسل السيوف على الأئمة وإن كانوا أئمة جور.

وذهبت طائفة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين ثم الأئمة بعدهم ـ أي أبو حنيفة ومالك والشافعي ـ إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يقدر على إزالة المنكر إلا بذلك وهو قول علي رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة وهو قول أم المؤمنين ومن معها من الصحابة ـ كطلحة والزبير ـ وهو قول عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج كابن أبي ليلى وسعيد بن جبير والحسن البصري والشعبي ومن بعدهم…الخ) انتهى كلام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.

ولا يخفى في هذا النص ميل الشيخ عبد الله إلى ترجيح هذا القول الثاني لدفع التهمة عن دعوة الشيخ محمد بأنها تسلك مسلك الخوارج فبين أن الخروج بالسيف لتغيير المنكر بما في ذلك الخروج على السلطان الجائر هو مذهب طائفة من سلف الأمة وأئمة أهل السنة ولا يوصف من أخذ به بأنه خارجي!

بل لقد كانت مقاومة الإمام الجائر من أشهر القضايا في تلك العصور، حتى ادعى ابن حزم أنه مذهب أئمة المذاهب المشهورة في القرن الثاني حيث قال:(اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك).

وبعد أن نسب القول بوجوب استخدام القوة لإزالة المنكر، إذا لم يزل إلا بذلك، إلى من خالفوا علي بن أبي طالب من الصحابة، ومن خرج على يزيد بن معاوية كالحسين وابن الزبير وأبناء المهاجرين والأنصار في المدينة، ومن خرج على الحجاج كأنس بن مالك، قال ابن حزم (ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين كعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عمر بن عبد الله، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن، وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا).([7])

فتأمل قول ابن حزم وهو من أعلم الناس بالخلاف والإجماع كيف ذكر بأن الخروج على الإمام الجائر هو مذهب عامة الأئمة وسلف الأمة ـ مع ملاحظة أن هذا كله في الخروج على الإمام المسلم الجائر في ظل الخلافة والنظام السياسي الإسلامي حيث ظهور شوكة أهل الإسلام وإقامة شرائع الأحكام ـ فهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وداود الظاهري!

وهؤلاء هم من أئمة أهل السنة في عصرهم وليسوا من المعتزلة ولا الخوارج!

أي أن أربعة من أئمة المذاهب الفقهية السنية الخمسة المشهورة يقولون بهذا القول!

وقد قال ابن حجر مفرقا بين خروج الخوارج، وخروج البغاة، وخروج أهل الحق:

(وقسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن على، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط وهم البغاة)!

ونص أيضًا أن الخروج على الظلمة كان مذهبا للسلف فقال في ترجمة الحسن بن حي وأنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور :(هذا مذهب للسلف قديم).([8])

وهذا الخلاف في هذه القضية مذكور حتى في كتب المذاهب الفقهية:

فعند الأحناف قال أبو بكر الجصاص:(وكان مذهبه [يعني أبا حنيفة] رحمه الله مشهورًا في قتال الظلمة وأئمة الجور وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه، وفتياه الناس سرًّا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن)([9]).

وهذا هو مذهب شيخه حماد بن أبي سليمان([10])، إمام أهل الكوفة في عصره.

وهو مذهب مالك، قال ابن العربي: (قال علماؤنا:وفي رواية سحنون، إنما يقاتل مع الإمام العدل، سواء كان الأول أو الخارج عليه، فإن لم يكن عدلين فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين، فادفع ذلك، هؤلاء لا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف).([11])

وفي مذهب الشافعي قال الزبيدي: إن الخروج على الإمام الجائر هو مذهب الشافعي القديم.([12])

وفي مذهب أحمد رواية مرجوحة بجواز الخروج على الإمام الجائر، بناءً على ما روي عنه من عدم انعقاد الإمامة بالاستيلاء وإليه ذهب ابن رزين وقدمه في الرعاية من كتب الحنابلة، وقد قال بجواز الخروج من أئمة المذهب ابن عقيل وابن الجوزي.([13])

فهذا القول وهو جواز الخروج على أئمة الجور ـ أي في ظل الخلافة والنظام السياسي الإسلامي وهو ما لا وجود له اليوم في عامة أقطار المسلمين ـ رواية أيضا في مذهب أحمد وهو أشهر من قال بالمنع من الخروج وإنما رجح ابن عقيل وابن الجوزي وابن رزين وكلهم من أئمة المذهب الحنبلي هذه الرواية بالجواز لأنهم حملوا قوله بالمنع من الخروج على خلفاء بني العباس من المعتزلة بعد فتنة المأمون لعدم تحقق المناط عنده لا لأنه يرى المنع مطلقا إذ ثبت عنه كما في العلل 3/168 عن أبي بكر بن عياش (كان العلماء يقولون إنه لم تخرج خارجة خير من أصحاب الجماجم والحرة)!

وهم القراء الذين خرجوا على الحجاج وأهل المدينة الذين خرجوا على يزيد! وثبت عنه أنه كان يذم يزيد ويقول (هو الذي فعل في المدينة ما فعل)!

ففهم ابن عقيل وابن الجوزي وابن رزين أن هذا هو مذهب أحمد وإنما منع من الخروج على المأمون حين جاءه فقهاء بغداد في الفتنة لأنه خشي الاصطلام وعودة الفتن في بغداد من جديد خاصة والعهد قريب بفتنة القتال بين الأمين والمأمون وما جرى بينهما في بغداد من سفك للدماء وحروب وحصار فكان رفضه للخروج في هذه الحادثة بعينها لا لأنه يمنع منه مطلقا!

والمقصود بأن دعوى تحريم الخروج مطلقا على الإمام الجائر ودعوى أن مذهب الخروج هو مذهب المعتزلة والخوارج وأنه مخالف لمنهج أئمة أهل السنة وسلف الأمة كل ذلك دعاوى عريضة باطلة وظنون عارية عن الصحة عاطلة فهذه أقوال أئمة النقل وهذه كتب الفقهاء تنص على مذاهب أئمة أهل السنة والجماعة في هذه القضية فهو مذهب أبي حنيفة ومالك وداود الظاهري وهو قول للشافعي ورواية عن أحمد!

فليس أمام حمد عثمان وشيخه الذي قرظ كتابه سوى أمرين إما إثبات بطلان هذه النقول عن هؤلاء الأئمة أو نفي أن يكونوا من أئمة أهل السنة أو الرجوع إلى قولنا والاعتراف بأن القضية على الأقل خلافية اجتهادية بين أئمة أهل السنة والجماعة أنفسهم!

والتحقيق هو ما قاله الشيخ المحدث الأثري عبد الرحمن المعلمي في التنكيل ص 288 (كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج وكان أبو إسحاق الفزاري ينكر ذلك وكان أهل العلم مختلفين في ذلك والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلا فلا وهذا مما يختلف فيه نظر المجتهدان).

ثانيا : أما دعوى الشيخ المذكور بأنه لا يجوز الخروج حتى لو كفر الحاكم إذا عجزت الأمة عن تغييره فهذه دعوى لم يسبق إليها هذا الشيخ وإنما اضطر إليها تحت ضغط الواقع السياسي إذ يدرك أن أمر هذه الحكومات تجاوز حدود الظلم والجور إلى كفر بواح صراح معلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية ابتداء من تعطيل الشريعة كلية والتحاكم إلى الياسق الصليبي (القوانين الوضعية) واستباحة كل الموبقات من الربا والزنا والخمر وانتهاء بالدخول تحت حماية العدو الكافر والقتال معه ضد المسلمين ودعمه بالأموال وقد أفتى عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ من علماء الدعوة النجدية كما في الدرر السنية 8/11 عن مثل هذه الأحوال وقد سئل عن دخول أهل الخليج في القرن الماضي تحت حماية بريطانيا فقال: (وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم واطمأنوا إليهم وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم وهذا لا شك من أعظم أنواع الردة)!

وقال أيضا هو والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وسليمان بن سحمان كما في الدرر السنية 10/435 في بيان حكم الدخول تحت الحماية الأجنبية:

(أما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام)!

وقال الشيخ المحدث السلفي القاضي أحمد شاكر في رسالته (كلمة حق ص 126) عن حكم التعاون مع بريطانيا وفرنسا في حربها على المسلمين (أما التعاون بأي نوع من أنواع التعاون قل أو كثر فهو الردة الجامحة والكفر الصراح لا يقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأول سواء كان من أفراد أو جماعات أو حكومات أو زعماء كلهم في الكفر والردة سواء إلا من جهل وأخطأ ثم استدرك فتاب)!

وقال أيضا في شأن القوانين الوضعية في عمدة التفاسير 2/174 (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس فهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداراة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها)!

وقال في حاشيته على تفسير ابن جرير 2/348 (القضاء في الأعراض والأموال والدماء بقانون مخالف لشريعة الإسلام وإصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه)!

وهذا ما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالته في حكم القوانين الوضعية وهو ما ذكره الشيخ الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان فقد قال في بيان أن التحاكم لغير شرع الله من الإشراك به 7/48 (فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته فقال في حكمه {ولا يشرك في حكمه أحد} وقال في عبادته {ولا يشرك بعبادة ربه أحد}..).

وقال في سورة الكهف 3/259 عند قوله {ولا يشرك في حكمه أحدا} (ويفهم من هذه الآيات أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه هو المراد بعبادة الشيطان..)!

ثم قال بعد أن استدل بقوله تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} (وبهذه النصوص السماوية يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم)!

وتأمل هذا القول وقارنه بقول حمد عثمان ـ الذي استحسنه الشيخ المقرظ ـ حيث يرى بأن كل الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله في العالم العربي والإسلامي حكومات شرعية يجب السمع والطاعة لها والرضا بها والدعاء لها والدفاع عنها وتثبيت أمرها وأن الدعوة إلى تغييرها مما يضاد الدين ودعوة المرسلين!

وقال الشنقيطي في سورة الشورى 7/50 (وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت فالكفر بالطاغوت شرط في الإيمان كما بينه تعالى في قوله {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} فيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى.. ولا شك أن كل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله فقد أشرك به مع الله)!

وتأمل كلام إمام المفسرين في هذا العصر ـ شيخ مشايخنا ـ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وقارنه بدعوة حمد عثمان ومن قرظ كتابه إلى طاعة الطغاة واعتقاد ولايتهم الشرعية على المسلمين ووجوب نصرتهم ومحبتهم والقتال معهم لتعرف أي فتنة تعيشها الأمة اليوم باسم السنة وسلف الأمة!

وأقول لما رأى الشيخ المذكور أن الخلاف في هذا العصر لم يعد في الخروج على الإمام الجائر الذي اختلف فيه سلف الأمة بل هو في الخروج على أنظمة حكم أكثرها لا يؤمن أصلا بالإسلام وحاكميته وصلاحيته ووقع منها من صور الردة القطعية ما لا يحتاج معه إلى بحث ومناظرة اضطر إلى التأكيد على أن المنع من الخروج يشمل حتى هذه الأنظمة الخارجة عن دائرة الإسلام في دار الإسلام!

ثم قيده على استحياء بعجز الأمة عن الخروج!

وهو قول باطل بإجماع الأمة على اختلاف طوائفها من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والشيعة!

قال القاضي عياض: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها.. فلو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة ـ أي مكفرة ـ خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها).([14])

وقال ابن حجر: (ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك).([15])

وقال ابن بطال(إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها).([16])

وقال الرملي في غاية البيان على ابن رسلان ص 15 (لو طرأ عليه كفر فإنه يخرج عن حكم الولاية وتسقط طاعته ويجب على المسلمين القيام عليه وقتاله ونصب غيره إن أمكنهم ذلك)!

فهذا إجماع قطعي في وجوب الخروج على الكافر ومن طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع لا يستطيع أحد إثبات خلافه عن أحد من سلف الأمة ولا عن الأئمة وأهل السنة ولا عن أحد من أهل القبلة قاطبة في وجوب الخروج على الكافر في دار الإسلام وبطلان ولايته ووجوب جهاده لمن قدر على ذلك سواء قدرت الأمة كلها أو بعضها وشهرة خلافهم في الجائر أوضح دليل على أن أهل الإسلام بجميع طوائفهم لا يختلفون فيما وراء ذلك وهو الكافر فهم مجمعون على شرط الإسلام في الإمامة ابتداء وانتهاء ومجمعون على العدالة ابتداء ثم اختلفوا فيمن طرأ عليه فسق وجور أو أخذها بالقوة والغلبة أما الكافر فلا ولاية له على ابنته المسلمة فكيف تكون له ولاية على الأمة كلها وقد قال تعالى {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} وجاء في الحديث الصحيح (إلا أن تروا كفرا بواحا) وقال لمن سألوا أفننابذهم السيف فقال صلى الله عليه وسلم (لا ما صلوا) ؟!

وهناك فرق شاسع وبون واسع بين القول بأنه يحرم الخروج على الجائر حتى لو كفر إذا عجزت الأمة أو خشي وقوع سفك دماء ومفاسد..الخ كما يقول الشيخ المذكور والقول بأنه يجب الخروج عليه إن كفر لمن قدر عليه كما هو إجماع الأمة!

فالقول الأول يجعل الحكم الشرعي ابتداء هو تحريم الخروج على الكافر ولا يجوز إلا في حال واحدة هو تحقق القدرة وعدم وقوع سفك دماء أو مفسدة!

فصار التحريم هو العزيمة عند هذا الشيخ!

بينما الإجماع هو وجوب الخروج على من كفر لمن قدر وهذه هي العزيمة ابتداء والرخصة إنما هي لمن لم يقدر وهذا يقتضي بأن من لم يقدر له الأخذ بالعزيمة والتصدي للكافر فيموت شهيدا كما في الحديث (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) فإذا كان هذا في حق الجائر والتصدي له ولو من رجل واحد وإن أدى إلى شهادته فكيف بالكافر؟!

ففرق بين القول بإيجاب الخروج على الإمام الكافر في دار الإسلام وجهاده ابتداء إلا إذا عجزت الأمة فلها الأخذ بالرخصة ويجب عليها العمل على إعداد العدة للقيام بالواجب إذ ما لا يتم الواجب به فهو واجب ولا يسقط عنها بحال من الأحوال ذلك الخطاب فهذا قول الأئمة وسلف الأمة.

بخلاف القول بتحريم الخروج على الكافر ابتداء إلا إذا قدرت الأمة ولم يقع سفك دماء ولا مفاسد..الخ كما يدعيه الشيخ المذكور!

وانظر في قول القاضي عياض السابق ففيه ما يلي :

1 ـ أن من طرأ عليه كفر تسقط ولايته على المسلمين ولا تجب طاعته دون قيد أو شرط بل يجب اعتقاد عدم شرعية ولايته على المسلمين بمجرد كفره وتعطيله للشرع.

2 ـ يجب على الأمة القيام عليه وخلعه ونصب إمام مسلم إن أمكنهم.

3 ـ فإن لم تستطع الأمة كلها القيام عليه فعلى من استطاع الخروج عليه ولو من طائفة من المسلمين أن تقوم بالواجب.

4 ـ وأن حكم المبتدع ـ أي بدعة كفرية ـ يختلف عن حكم الكافر فلا يجب الخروج عليه إلا إذا ظن المسلمون القدرة على القيام بذلك فإن تحقق العجز لم يجب عليهم!

ففرق القاضي بين الكافر فيجب الخروج عليه بلا شرط ولا قيد ـ أما شرط القدرة فهو شرط في كل الأحكام التكليفية فلا واجب مع العجز ـ والمبتدع بدعة كفرية فيجب إن ظنوا القدرة عليه.

والقول بوجوب الخروج يقتضي أربعة أمور :

1 ـ أنه تأثم الأمة إذا تركت القيام على الكافر وتركت جهاده حال القدرة ولو اقتضى ذلك قتال وسفك دماء إذ الجهاد مع العدو خارج دار الإسلام مشروع مع وقوع سفك الدماء وذهاب الأنفس والأموال لما تتحقق فيه من المصالح الكلية للأمة فجهاد الإمام الكافر أوجب على الأمة.

2 ـ أنه في حال عدم القدرة على القيام عليه من الأمة فعلى من استطاع الخروج عليه المبادرة إذ هو فرض كفاية فمن قدر عليه وجب عليه.

3 ـ وأنه إذا لم يقدر أحد عليه وجب على الأمة إعداد العدة إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

4 ـ وأنه إذا قام أحد بجهاده مع عجزه وأخذ بالعزيمة فهو مأجور مشكور مع عدم الوجوب في حقه.

وهذا كله يختلف إذا قيل بأنه يحرم الخروج عليه إذا لم تستطع الأمة القيام عليه دون مفاسد وسفك دماء وحدوث فساد أكبر وأن من خرج والحال هذه فهو مخالف للسنة وهدي سلف الأمة ومتبع سبيل المعتزلة والخوارج كما يقول الشيخ المذكور!!

هذا مع العلم بأن القضية التي أثارها حمد عثمان ليست هذه القضية وهي الخروج وعدمه وإنما القضية التي أثارها ولم يجب عنها حمد عثمان وشيخه الذي أخذ العلم عليه وقرظ كتابه المشبوه هي :

1 ـ ما حكم ولاية من يحكم بغير حكم الله ورسوله ويلزم الأمة بالتحاكم إلى غير حكم الله ورسوله بعيدا عن قضية الخروج من عدمها؟

2 ـ وهل الحكومة التي ظهر كفرها كفرا بواحا كالحكومات الشيوعية واللادينية التي لا تؤمن بالله ولا ترى وجوب الحكم بالإسلام والتحاكم إليه لها ولاية شرعية على المؤمنين وتدخل في عموم قوله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}؟!

3 ـ وهل الطاغوت الذي يحكم في الأمة بالياسق والقوانين الوضعية طائعا مختارا يصدق عليه أنه ولي أمر تجب مولاته ومحبته ونصرته والدعاء له؟!

4 ـ وهل يصدق على من دعا إلى عداوته والبراءة منه وجهاده ولو بالكلمة والتحذير من الطاغوت وتحريم الرضا بحكمه بأنه خارجي حروري؟!

5 ـ وهل من يدعو إلى طاعته ومولاته ومحبته موحد على نهج النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة وأهل السنة؟!

6 ـ وهل يصدق على من يحكم بغير حكم الله ورسوله ويضع للأمة القوانين الوضعية الفرنسية والإنجليزية ويلزم الأمة بالتحاكم إليها بأنه طاغوت كما هو نص القرآن أم لا كما يقول حمد عثمان؟!

7 ـ وإذا ثبت بنص القرآن أنه داخل في عموم قوله تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} وقوله{ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} فكيف يكون الكفر به وما حقيقته؟

وهل الدعوة إلى طاعته ومولاته من الدعوة إلى الشرك والوثنية أم من التوحيد والسلفية؟!

8 ـ وهل هذه الدعوة إلى طاعة الطاغوت من عبادة الشيطان واتباع خطواته كما قال الشيخ الشنقيطي في سورة الكهف 3/259 عند قوله {ولا يشرك في حكمه أحدا} (ويفهم من هذه الآيات أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه هو المراد بعبادة الشيطان..)ثم قال بعد أن استدل بقوله تعالى {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} (وبهذه النصوص السماوية يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم)!

أم هي من التوحيد والإيمان كما يقول حمد عثمان الذي قرظ الشيخ كتابه بقوله (وجدت هذا الرد ردا حسنا متمشيا على الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها)؟!

فهذه هي الأسئلة المراد الإجابة عنها وكل حيدة عنها هروب من تحرير محل النزاع إلى مشاغبات ومهاترات لا نتيجة لها أما الخروج على الطاغوت وجهاده فلا حاجة للجدل فيه قبل حسم أصل المسألة إذ هو نتيجة لمقدمات منطقية بدهية فإن ثبت أنه لا ولاية شرعية لأي حكومة لا تحكم بالإسلام في دار الإسلام فموضوع إصلاحها وتغييرها بالوسائل السلمية أو الثورية أو الصبر عليها إلى حال القدرة كل ذلك تحصيل حاصل للموقف الشرعي منها ابتداء!

وتقدير القدرة من عدمها راجع إلى من خاطبهم الشارع بالتكليف ومعرفة القدرة وتحققها من عدمه هو من اختصاص المكلف نفسه المأمور بالحكم الشرعي إن قدر عليه فقادة الجيوش مثلا وزعماء الأحزاب السياسية والوزراء المتنفذون في الدول لهم من القدرة ما ليس لغيرهم كأفراد فتوجه الخطاب إليهم أولى من غيرهم وهم أقدر على معرفة قدرتهم من عدمها وليس هذا من اختصاص الفقيه الذي يقتصر دوره على بيان الحكم الشرعي دون أن يتجاوزه إلى تقدير قدرة الأمة من عدمها إذ يخرج حينئذ من فقيه يبين الحكم الشرعي إلى وصي وولي على الأمة يقرر لها هل في قدرتها فعل التكليف أم لا!

فهذه هي الأسئلة التي يجب على حمد عثمان وشيخه الإجابة عنها ليعرف المسلمون حكم دينهم والتوحيد الذي جاءت به الرسل كما قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقوله تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}!

وأما مصادرة ذلك كله ودندنة هذه الطائفة حول الخروج والخوارج ومذهب السلف وأهل السنة (وطاعة ولي الأمر)..الخ فكل ذلك شعارات ودعاوى فارغة عن مضمونها وحقائقها فإذا ما عرضت على نصوص الكتاب والسنة تبين أنها ليست سوى دعوة لطاعة الطاغوت وتوليه ومحبته وترسيخ حكمه وحكم العدو المحتل لدار الإسلام من ورائه!

وهي كشعارات (مذهب أهل البيت) (وشيعة آل البيت) حتى إذا كشفتها فإذا هي دعوة إلى عبادة الطاغوت والدعوة إلى الشرك والوثنية وتغييب العقل وتزييف إرادة الأمة لتخضع للعدو المحتل باسم آل البيت!

وما لأقولهم إذا كشفت … حقائق بل جميعها شبه!

وللحديث بقية

([1]) رواه مسلم ، ح رقم (49) .

([2]) رواه أحمد 1/2و5 و7 ، وأبو داود ح رقم (4338) ، والترمذي (2168) وقال : (حسن صحيح) و (3057) ، وابن ماجه ح رقم (4005) ، وصححه ابن حبان رقم (304) .

([3]) رواه أحمد 5/251 و 256 ، و3/19 و61 ، و4/315 ، وأبو داود ، ح رقم (4344) ، والترمذي ، ح رقم (2175) ، وابن ماجه ، ح رقم (4011) ، والنسائي (2/187) من طرق عن جماعة من الصحابة . وصححه الألباني في الصحيحة رقم (491).

([4]) رواه الحاكم 3/195 وقال : (صحيح الإسناد) . وصححه الألباني في الصحيحة رقم (374).

([5]) رواه أحمد 2/163 و190،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/270)(رجاله رجال الصحيح).

([6]) رواه أبو داود ، ح رقم (4336) و (4337) ، والترمذي ، ح رقم (3050) ، وابن ماجه ، ح رقم (4006) ، وأحمد 1/391 ،من حديث ابن مسعود وحسنه الترمذي ، وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري ،قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/269) :(رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) .

([7]) الفصل 4/171 – 172 .

([8]) فتح الباري 12/286 ، وتهذيب التهذيب 2/288 .

([9]) أحكام القرآن 1/70 .

([10]) تاريخ بغداد 13/398 .

([11]) أحكام القرآن لابن العربي 4/1721.

([12]) إتحاف السادة 2/233 .

([13]) الإنصاف للمرداوي 10/310 – 311 .

([14]) شرح مسلم للنووي 12/229 .

([15]) فتح الباري 3/123 .

([16]) المصدر السابق.

*****
2 (أهل السنة والعالم الافتراضي)

لقد أصبحت تجليات الأزمة العقائدية والفقهية والفكرية التي يعيشها أهل السنة والجماعة وعموم الأمة معهم تحت ضغط الواقع السياسي اليوم أكثر وضوحا وأشد خطورة من ذي قبل حيث أصبحوا ـ بجماعاتهم وتجمعاتهم وعلمائهم إلا قليل منهم ـ ومنذ سقوط الخلافة العثمانية يعيشون عالمهم الافتراضي الخيالي في حالة من غيبة الوعي وفقدان الذاكرة والصراع مع طواحين الهواء للمحافظة على الإسلام وأصوله والتوحيد وأركانه! بينما يسوس عالمهم الواقعي أنظمة حكم كان للاستعمار الغربي اليد الطولى في إقامتها وتحديد حدودها ووضع نظمها السياسية والتشريعية والاقتصادية وربطها به فأصبحت تدور في فلكه وتحقق مصالحه وتخدم أهدافه الإستراتيجية فكانت دويلات الطوائف القطرية الوطنية هي البديل عن دولة الخلافة الإسلامية ونظامها السياسي الذي هو من أصول أهل السنة السياسية!

وكانت الشعوب الوطنية والقومية البديل عن الأمة الواحدة التي هي الجماعة في أصول أهل السنة السياسية!

وكان الطاغوت والتحاكم إليه والسمع والطاعة له هو البديل عن الإمام الشرعي الذي ينوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في سياسة الأمة وحراسة الدين والذي طاعته من طاعة الله ورسوله كما هي أصول أهل السنة السياسية!

وصار الاستبداد المطلق والطغيان السياسي ومصادرة حق الأمة في الشورى وحقها في اختيار الإمام هو البديل عما أجمع عليه سلف الأمة من أن الأمر شورى بين المسلمين كما هو أصل أهل السنة والجماعة!

وكانت التبعية للعدو المحتل ومشايعته ومظاهرته على الأمة بالأموال والرجال والركون إليه البديل عن الجهاد الماض إلى يوم القيامة مع كل إمام كما هو أصل أهل السنة والجماعة!

لقد تم التخلي عن كل هذه الأصول السياسية العقائدية السنية التي أجمع عليها سلف الأمة وأهل السنة فكان لا بد من تشكل ثقافة دينية جديدة تتماهى مع هذا الواقع الجديد فكانت هيئات الإفتاء والمفتون في كل بلد على اختلاف توجهات حكوماته العقائدية السياسية هي الأداة لخلق هذه الثقافة فتم استصحاب أصول أهل السنة والجماعة ـ التي تقررت في ظل الإسلام وحاكميته ونظامه السياسي وهو الخلافة ـ وسحبها على عصور دويلات الطوائف الصليبية في المنطقة العربية ـ حيث أقامت الحملة الصليبية في الحرب العالمية الأولى هذا الواقع من ألفه إلى يائه فجاز نسبتها إليها ـ فصارت الفرقة العامة وتشرذم الأمة في كل قطر هي (الجماعة) في ذلك القطر!

وصارت الأنظمة البديلة مهما كانت لا دينية أو إلحادية أو إباحية هي (الإمام وولي الأمر الشرعي) الذي ينوب عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمته!

وصار الحديث المكرور عن تحريم الخروج على الإمام الجائر والحديث عن الجماعة والحديث عن السمع والطاعة وإن أخذ مالك وضرب ظهرك حيث لا خلافة ولا إمامة ولا جماعة ولا إسلام!

أي تم استصحاب هذه الأصول في الواقع الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم حين حذر أمته من (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها) فلما سئل عن العصمة من فتنتهم قال (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) وقال (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه)!

فسئل فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال (فاعتزل تلك الفرق كلها)!

وصار أهل السنة الذين يمثلون عامة الأمة جغرافيا وديمغرافيا على هامش الأحداث يعيشون عالمهم الخيالي بعيدا عن الواقع السياسي الذي تعاقب على حكمه في عامة أقطاره منذ سقوط الخلافة الإسلامية العلمانيون القوميون والشيوعيون الماديون والليبراليون والإباحيون والطغاة الملحدون وشايعهم من علماء السوء (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها)!

ثم لا تكاد تجد حكومة إلا وفيها فقهاء ومفتون مفتونون لا يكادون يعارضون هذه الحكومات في شيء بل أصلحهم حالا من يسكت على باطلهم ولا يرد عليهم غير أن أعجب ما في الأمر هو تنزيل أصول أهل السنة ومذهب سلف الأمة على واقع دويلات الطوائف الصليبية في إثبات شرعيتها ووجوب طاعتها وعدم الخروج عليها ولو بالكلمة تحت ذريعة الخوف على الدماء وهي التي تسفك الدماء وتهجر الملايين وتنهب ثروات الأمة وتأتمر بأمر العدو الخارجي دون الاعتبار والنظر في واقع العالم من حولهم حيث تبدلت أمم من حال إلى حال وتغيرت حكومات وكان للشعوب اليد الطولى في تغيير واقعها فلم يحدث من المفاسد جراء قيامها على حكوماتها الجائرة ربع عشر ما حصل للأمة من دمار وانهيار جراء صبرها على حكومات دويلات الطوائف وطواغيتها!

لقد صار أهل السنة في العالم الإسلامي يواجهون تحديات كبرى تتمثل في عجزهم الكامل عن استدعاء أصولهم العقائدية السياسية التي سادوا العالم فيها تحت ظل الخلافة الإسلامية مدة ألف وثلاثمائة عام فتعايشوا مع كل الأنظمة الجديدة على اختلاف أيديولوجياتها وأضفوا عليها الشرعية فكان ذلك أول السقوط وأشده خطرا في تاريخ الأمة وفي تاريخ أهل السنة كله!

لقد نجح الشيعة الإمامية الجعفرية ـ الذين ظلوا ينتظرون المهدي ألف عام ويزيد ـ في اختراع نظرية ولاية الفقيه التي لا يعترف بها أكثر مراجعهم ولا مستند لها من القرآن والسنة فلم يمض على بلورتها كمشروع سياسي ربع قرن حتى نجحت في إقامة نظامها السياسي في إيران ولأول مرة في التاريخ على يد الشعب الإيراني نفسه ثم أخذت تتجاوز حدودها ليزداد نفوذها ولتتطلع إلى قيادة العالم الإسلامي بعد أن تجاوز مشروعها مشروع دولة ووطن إلى مشروع أمة ودين وفق تصورات القائمين عليها حتى لم يعد يتصارع في المنطقة العربية كلها سوى المشروع الإيراني الطائفي والمشروع الاستعماري الغربي الليبرالي الذي يسعى لترسيخ وجوده في المنطقة كلها عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا من خلال الحكومات القائمة نفسها حيث يسيطر على الأرض سياسيا وعسكريا من خلال قواعده العسكرية واتفاقياته الأمنية!

ويسيطر اقتصاديا وماليا من خلال شركاته وبنوكه العالمية التي تفتح لها أسواق المنطقة كلها!

ويسيطر ثقافيا وإعلاميا من خلال المراكز والمعاهد والجامعات والكنائس لفتح المنطقة كلها أمام مشروعه الثقافي!

وأصبح العالم العربي خاصة والعالم الإسلامي السني عامة من أندونيسيا إلى المغرب الشاهد الغائب عما يدور حوله مع أنه هو الهدف وهو منطقة صراع المشروعين الإيراني الطائفي والغربي الصليبي حيث كان العراق أول ضحايا هذا الصراع بعد تقاطع مصالح المشروعين!

وكانت المأساة أن صارت دويلات الطوائف تتخندق خلف المشروع الاستعماري الغربي وتجيش شعوبها وعلماءها معها تحت ذرائع الخوف على أهل السنة من الخطر الشيعي!!

وصار العالم الإسلامي السني يعيش فوبيا الخطر الشيعي مع أنه تحت الاحتلال الأمريكي!

وبدل أن يراجع العالم الإسلامي السني مشكلاته ويبحث عن سبب انحلاله وسقوطه وانحطاطه ـ وهو تخليه عن مشروعه السياسي العقائدي ـ ومعرفة أسباب ضعفه مع كل هذه الإمكانات التي تحت يده صار أداة يوظفها الاستعمار الغربي لترسيخ وجوده أكثر فأكثر فإذا حكومات دويلات الطوائف ـ وهي التي لا تعترف بالإسلام أصلا فضلا عن الاعتراف بالسنة وأهلها ـ تخوف شعوبها من ظهور الهلال الشيعي حين غاب القمر السني!

وإذا المهووسون دينيا الحالمون في عالمهم الافتراضي يتحولون إلى جيوش إعلامية لا للدفاع عن الإسلام السني الذي لا وجود له في الواقع السياسي بل للتخندق خلف حكوماتهم العميلة التي تقوم بتنفيذ المشروع الغربي الصليبي في المنطقة!

إنها هزيمة كبرى وأزمة تاريخية أن يبقى العالم العربي والإسلامي السني الذي يبلغ تعداده مليار ونصف بين خندق المشروع الإيراني الطائفي وخندق المشروع الاستعماري الغربي الصليبي!

وهو ما يجعل من البحث في جذور الأزمة أمرا ضروريا لمعرفة حقيقة مصطلح أهل السنة والجماعة وعلى من يصدق إطلاقه؟ ومتى ظهر؟ وأسباب ظهوره؟ وهل هناك فعلا أصول عقائدية سياسية عند أهل السنة والجماعة؟ وهل بالإمكان بعثها من جديد لمواجهة هذا الواقع؟ وهل بالإمكان تحويلها إلى مشروع سياسي واقعي تقف الأمة معه لإصلاح أوضاعها ابتداء من مشكلة القطرية والاستبداد والطغيان السياسي والقوانين الوضعية والاحتلال الأجنبي وانتهاء بمشكلة تخلف التنمية وتأخر النهضة الحضارية؟

هذا ما سنحاول بحثه ومعرفته بكل علمية وموضوعية فللحديث بقية!

*****
3 نشأة الشعار وحقيقته والتنازع فيه

لا يجب على أحد من المؤمنين الانتماء إلى غير الإسلام والمسلمين:

قال تعالى {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} وقال {هو سماكم المسلمين} وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ..الخ

فاختار الله لهذه الأمة أشرف الأسماء (المسلمين) واشتقه من اسم الإسلام، وأوجب عليهم الانتماء إليه والتسمي به، فهو الدين الذي اختاره الله لهم كما قال تعالى {ورضيت لكم الإسلام دينا} وقال {إن الدين عند الله الإسلام}.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم المسلمين المؤمنين ولم يأمرهم الله عز وجل ولا رسوله إلا بالانتماء إلى الإسلام والمسلمين، وأمرهم باتباع هدايات كتابه وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وقال {وإن تطيعوه تهتدوا}.

وقد رتب الشارع على هذين الوصفين الشرعيين والاسمين الشريفين ـ الإسلام والإيمان ـ لمن تحققا فيه كل الأحكام الشرعية في حقوق المسلم والمؤمن كقوله تعالى {إنما المؤمنون أخوة} وقوله صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله) وقوله (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقوله (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) وقوله (حق المسلم على المسلم خمس) وقال (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وقال (لا تدابروا ولا تهاجروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا)…الخ.

وقد جعل الله الإسلام دين الحنيفية السمحة كما في الحديث (بعثت بالحنيفية السمحة) فلا يحتاج الإنسان للدخول فيه إلا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا هو قد أصبح مسلما له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ثم يتحقق وصف الإيمان بالتصديق بأركان الإيمان وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر كما قال تعالى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} وقال{يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} وقال تعالى {إنا كل شيء خلقناه بقدر}.

وفي حديث جبريل في الصحيح (أخبرني عن الإيمان؟ قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله) .

ويتحقق له وصف الإسلام بالإتيان بأركان الإسلام وهي الشهادتين والصلوات الخمس والزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام كما في الصحيح (بني الإسلام على خمس) وكما في حديث جبريل في الصحيح (أخبرني عن الإسلام؟ قال الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا).

فإذا أتى الإنسان بأركان الإيمان والإسلام مما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة القطعية، صار مسلما مؤمنا في الدنيا، وناجيا من أهل الجنة في الآخرة، كما قال تعالى {قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون..أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} وكما قال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عن فرائض الإسلام فأخبره قال الأعرابي (هل علي غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع! فقال الأعرابي : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دخل الجنة إن صدق)!

ثم يتفاضل المسلمون والمؤمنون بعد ذلك في درجة الإحسان والتقوى بحسب تفاضلهم في الأعمال الصالحات كما قال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وكما في الحديث الصحيح السابق {وأخبرني عن الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك}.

وعلى هذا القدر من تعريف الإسلام العام والإيمان الإجمالي أجمع المسلمون على اختلاف طوائفهم وهم أهل القبلة كافة الذين يشملهم اسم الإسلام وأخوة الإيمان بنص القرآن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ما أجمع عليه المسلمون من أمور دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف أضعاف ما تنازعوا فيه، فالمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومتفقون على وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومتفقون على أن من أطاع الله ورسوله فإنه يدخل الجنة…وأمثال هذه الأمور التي هي أصول الدين وقواعد الإيمان التي اتفق عليها المنتسبون إلى الإسلام والإيمان فتنازعهم بعد هذا في بعض أحكام الوعيد أو بعض معاني الأسماء أمر خفيف بالنسبة لما اتفقوا عليه) (مجموع الفتاوى 7/357).

وهذا الإسلام العام والإيمان الإجمالي هو الذي كان عليه عامة المسلمين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل العرب كلهم في دين الله أفواجا في عام الوفود سنة 9 للهجرة فكان أكثرهم من الأعراب والكبار والصغار والرجال والنساء الذين لا يمكنهم معرفة أكثر من ذلك من أحكام الدين وشرائعه فكان الإسلام حقا هو الحنيفية السمحة دين إبراهيم والأنبياء قبله وبعده، وهو دين النبي الأمي ودين الأميين، لا أغلال فيه ولا آصار ولا طلاسم فتحقق به للعرب الجاهليين التوحيد الديني بعبادة الله وطاعته وحده لا شريك له، والتوحيد السياسية باتباع رسوله وتحكيمه والاجتماع عليه.

فلا يجب على آحاد المسلمين وأفرادهم أكثر مما وجب على الأعراب الذين أسلموا في عصر النبوة، ولا يجب على أحد الانتماء إلا إلى الإسلام وحده دين الله ودين جميع الأنبياء ودين الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، ومن أوجب عليهم الانتماء إلى غيره من الطوائف أو المذاهب والأسماء مما لم يوجبه النبي صلى الله عليه وسلم فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، وما لم يكن يومئذ دين فليس هو اليوم بدين.

من أصول الدين اتباع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين :

وإذا كان العرب قد دخلوا في الإسلام العام والإيمان الإجمالي أفواجا في عام الوفود، فقد كان الصحابة وهم خاصة النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل الإحسان وهم المؤمنون حقا كما وصفهم القرآن، ولما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق به وبدينه وهم الشهداء على الأمم بعده وهم الأمة الوسط كما قال تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} وهم خير أمة أخرجت للناس {كنتم خير أمة أخرجت للناس} أمر الله لذلك المؤمنين باقتفاء سبيلهم والاهتداء بهديهم فيما كان طاعة لله ولرسوله كما قال تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} فأخبر الله بمحكم كتابه أن رسوله ومن تبعه وهم أصحابه على بصيرة وهدى من ربهم، وقال {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم} وقال تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم..} فاشترط للرضا عمن جاء بعد المهاجرين والأنصار إتباعهم بإحسان..

فالإسلام والإيمان والإحسان هو ما كان عليه النبي وأصحابه من بعده، وما كانوا عليه هو الإسلام والإيمان والإحسان، إذ هم الذين حملوا الإسلام عنه وبلغوه الأمم وبهم ظهر واشتهر كما قال تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم..} وقال {كنتم خير أمة أخرجت للناس}..الخ

وقد مكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم على يد أبي بكر بعد ردة العرب، وعلى يد عمر وعثمان بالفتوح والاستخلاف في الأرض على نحو فريد في تاريخ العالم كله، حتى لم تمض بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عشرون سنة إلا ودينه قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهوت أمامه عروش كسرى وقيصر، وتحقق موعود الله لهم {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} ولا يعرف التاريخ أن أمة من أمم الأنبياء كلهم ورثوا الأرض كما ورثها الخلفاء الراشدون والصحابة المهديون وكانوا كما جاء وصفهم في التوراة والإنجيل {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم …ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل..ليغيظ بهم الكفار} فأغاظ الله بهم أمم الكفر وطواغيتها منذ فتحوا العالم إلى يوم القيامة !

فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس، وهم الذين استخلفهم الله في الأرض، وفتحوا الدول وحرروا الأمم والشعوب من عبادة العباد والعبودية للطغاة إلى عبادة رب العباد، وأقاموا العدل والقسط بعد شيوع الظلم والجور، فما أجمعوا عليه من أمر الدين فهو الحق من ربهم، وما اختلفوا فيه فالحق لا يخرج عن مجموعهم، ومن خالف منهم شيئا من الكتاب والسنة فإن كان عن اجتهاد وتأويل فقوله خطأ ولا حجة فيه وله أجر المجتهد، وإن كان عن تقصير وحظ نفس، فهو ذنب مغفور له لا يتابع عليه ولا يطعن به بسببه لما أخبر الله عنهم بأنه رضي عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وقد وعدهم الله جميعا الحسنى فقال {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} وقد أمر الله من جاء بعدهم باتباع سبيلهم بإحسان والدعاء لهم بالغفران فقال تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم..} وقال تعالى {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا}…

كانت السنة والسلفية قبل البدعة والطائفية:

ومضى الصدر الأول والسلف الصالح من الصحابة وآل البيت على هدي القرآن والسنة وعلى الإسلام والإيمان والإحسان لا يعرفون إلا بذلك ولا يعرف ذلك إلا بهم قبل وجود الطوائف والفرق والمذاهب والبدع.

ثم كان عامة علماء الأمة من التابعين بعدهم يقتدون بهم ويهتدون بهديهم ـ إذ إنهم إنما أخذوا الإسلام والقرآن والسنن والعلم والعمل عن الصحابة رضي الله عنهم ـ إلا من خالف برأي أو نجم ببدعة فاشتهر بها فصار يرمى بها ويعزى إليها.

فلما كثر أهل الأهواء واشتهروا بأهوائهم التي خالفوا فيها الكتاب أو السنة أو ما كان عليه سلف الأمة كمن قالوا بنفي القدر في أفعال العباد وأن الأمر أنف فرد عليهم ابن عمر والصحابة قولهم واشتهروا بالقدرية، وكذا من كفروا المسلمين كالحرورية الذين خرجوا على علي لما رضي بالتحكيم فرد عليهم علي رضي الله عنه والصحابة كلهم بدعتهم واشتهروا بالخوارج والحرورية، وكمن ادعوا النص على علي وغلوا فيه وطعنوا في الخلفاء قبله ونفوا أن يكون الأمر في الخلافة شورى فرد عليهم علي رضي الله عنه والصحابة قولهم واشتهروا بالرفض، ومع ذلك كله أثبت علي رضي الله عنه والصحابة معه للجميع على اختلاف بدعهم حكم الإسلام والإيمان وأحكام أهل القبلة، وأنهم لا يخرجون بهذه البدع عن دائرة الإسلام والإيمان، حتى قال حين سئل عن الحرورية ـ الذين كفروه وكفروا معاوية ومن معه وكفروا كل من خالفهم ـ أكفار هم؟ فأجاب علي (من الكفر فروا) قيل له أمنافقون هم؟ قال (إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا) قيل ما هم فقال (قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا)!.

وقد اشتهر في المقابل علماء الأمة في آخر عصر التابعين ومن بعدهم باسم (أهل السنة والجماعة) كما جاء في مقدمة صحيح مسلم عن إمام التابعين محمد بن سيرين (كانوا لا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فمن كان من أهل السنة أخذوا عنه ومن كان من أهل البدعة تركوه) والمراد بالفتنة على الصحيح فتنة المختار بن عبيد أو فتنة الحجاج والقراء.

وقد أطلق ابن سعد في طبقاته هذا الوصف على عدد من صغار التابعين وأتباعهم فقال عن زائدة بن قدامة (ت160) (صاحب سنة وجماعة) وعلى حمزة الزيات (ت156) (صاحب سنة).

وكذا وصف العجلي في ثقاته إسماعيل بن أبي خالد (تابعي ثقة صاحب سنة) والحكم بن عتيبة (صاحب سنة واتباع وكان فيه تشيع) وزهير بن معاوية (كوفي ثقة صاحب سنة واتباع) وسفيان الثوري (صاحب سنة واتباع وكان من أقوى الناس بكلمة شديدة عند سلطان يتقى).

وأقدم من وصفه العجلي بأنه صاحب سنة الحسن البصري وعاصم بن أبي النجود.

فمصطلح (من أهل السنة) و(صاحب سنة) في هذه الفترة لا يعني طائفة بعمومها إذ لا وجود للطائفة آنذاك، بل يطلق فقط على من اشتهر من العلماء في أواخر عصر التابعين آنذاك بالعناية بالسنن وروايتها، وعدم الطعن في الصحابة، ومن اشتهر باتباع السنة خاصة في باب الاعتقاد، وهي طريقة سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم في الإيمان والتسليم للنصوص بعيدا عن الجدل والخصومة في الدين التي اشتهر بها علماء الحرورية والقدرية والشيعة والمرجئة الذين بدؤوا في تقرير أصولهم ونصرتها بالجدل وبالحجج العقلية والنظرية الكلامية.

فبقي المسلمون أمة واحدة يجمعهم اسم الإسلام العام قبلتهم واحدة ودينهم واحد ومساجدهم واحدة ومقابرهم واحدة وانقسم أهل العلم إلى أقسام أهل البدع والأهواء على اختلاف أهوائهم وافتراقهم، وأهل السنة والجماعة واجتماعهم واتفاقهم وهم عامة علماء الأمة، وذلك للزومهم السنة والجماعة وما كان عليه سلف الأمة، ثم شاع في عصر أتباع التابعين وفي نصف القرن الثاني استعمال هذا اللفظ حتى قال عبد الرحمن بن مهدي (إذا رأيت حجازيا يحب مالك بن أنس فهو صاحب سنة، وإذا رأيت بصريا يحب حماد بن زيد فهو صاحب سنة، وإذا رأيت الشامي يحب الأوزاعي وأبا إسحاق الفزاري فهو صاحب سنة) وكان حماد بن سلمة البصري (ت167 هـ) صاحب سنة شديدا على أهل البدع، وكذا أبو بكر بن عياش، وعلي بن مسهر، وليث بن أبي سليم، وشريك بن عبد الله، وأبو الزناد المدني، وجرير بن حازم البصري..الخ.

ومع ذلك فقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين شيخ الإمام أحمد يتشيع وكان إذا قال عن رجل بأنه مرجيء فهو من أهل السنة! لأنهم كانوا يستثنون في الإيمان فيقولون مؤمنون إن شاء الله ولا يقطعون!

وكان وكيع بن الجراح وهو شيخ الإمام أحمد يتشيع فلم يحدثه زائدة بن قدامة لذلك وكان لا يحدث إلا صاحب سنة!

وذلك لأن تشيع بعض أهل السنة كان فاشيا في الكوفة وهو تفضيل علي على عثمان قبل أن يستقر القول عندهم على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وأن من فضل عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار الذين اختاروا عثمان بالشورى والاختيار.

إلا أن الأصول العامة التي تجمع عامة أهل السنة والجماعة ـ مع اختلافهم الجزئي في بعض هذه المسائل ـ تنقسم إلى قسمين رئيسين :

القسم الأول : الأصول الدينية العقائدية والفقهية.

والقسم الثاني : الأصول الشرعية السياسية.

وهذا بيان موجز لهذه الأقسام :

القسم الأول : الأصول الدينية العقائدية والفقهية :

وهي لزومهم الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فيما أجمعوا عليه، وعدم الخروج عن مجموع أقوالهم فيما اختلفوا فيه، في قضايا الدين أصولا وفروعا، وهذا هو الأصل الذي بنى عليه الأئمة الفقهاء الأربعة في القرن الثاني مذاهبهم الفقهية والأصولية وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد الذي أفتى وحدث قبل سنة 200هـ، وكذا عامة الأئمة في عصرهم كالثوري والأوزاعي والليث بن سعد وداود الظاهري واشتهرت مذاهبهم الفقهية بذلك، ولهذا اشتهرت كلها بمذاهب أهل السنة والجماعة لشهرة هذا الأصل وهو حجية الكتاب والسنة ـ وهذا يوافقهم عليه حتى المخالفون من حيث الجملة ـ وحجية إجماع الأمة وهم الصحابة على وجه الخصوص إذ بعدهم لا يثبت إجماع على التحقيق بل الأمة تبع لهم فيما أجمعوا عليه وفيما اختلفوا فيه.

ولكثرة الصحابة الذين كانوا في حجة الوداع أكثر من مائة ألف، وانتشارهم في كل الأمصار والثغور ينشرون الإسلام، ويبلغون القرآن ويعلمون المسلمين السنن والأحكام، كانت الأمة كلها تبعا لهم في القرن الأول، فشاعت في الأمة طريقتهم وهديهم وعلومهم فكانوا أكثر تابعا ممن خالفهم من أهل البدع، وكذا الحال في القرن الثاني فلشهرة أئمة الحديث وأئمة الفقه وكثرة أتباع هؤلاء الأئمة من العلماء وكثرة أصحابهم ـ كأبي حنيفة (ت 150هـ) والثوري (ت 160هـ) في العراق، ومالك (ت179 هـ) في الحجاز، والليث بن سعد (ت 175هـ) بمصر، والأوزاعي (ت 156 هـ) في الشام ـ صار هؤلاء وأصحابهم من بعدهم ـ كالشافعي وأصحابه وأحمد وأصحابه وابن جرير الطبري وأصحابه وداود الظاهري وأصحابه ـ هم المفتين والأئمة في الدين إليهم يرجع عامة المسلمين في معرفة الأحكام وشرائع الإسلام في عامة الأقطار، وبدأ العلم يفشو ويشيع، وبدأ عصر التدوين والنهضة العلمية فتشكلت المدارس الفقهية التي أمدت الدولة والخلافة بالقضاة والأئمة، والمدارس الحديثية التي عنيت بالسنة النبوية جمعا وحفظا ونشرا، فامتد بامتداد ذلك كله مفهوم أهل السنة ليصبح شعارا ليس لطائفة من أهل العلم كما في أواخر القرن الأول بل اسما عاما لعموم الأمة التي فشت فيهم مذاهب الأئمة الأربعة وأئمة الفقه والحديث الذين بلغ أصحابهم وأتباعهم الآلاف من القضاة والولاة وعلماء الفقه والحديث الذين كانوا يشكلون ثقافة المجتمع الفقهية والدينية، فصار عامة الأمة تبع لهؤلاء الأئمة إلا من خالف من علماء الفرق الأخرى.

ولهذا قال ابن حزم (ت 456 هـ) في تعريف أهل السنة في الفصل في الملل والنحل (2/90) (وأهل السنة، هم الصحابة رضي الله عنهم وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمه الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا، إلى يومنا هذا أو من اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم).

وليس مقصود ابن حزم أن الصحابة كانوا يُسمَّون أهل السنة والجماعة! فهذا لا يقوله أحد وإنما أراد أن الصحابة هم الذين نشروا السنن، وأقاموا الخلافة، وحضوا على الجماعة والاتباع، وحذروا من الفرقة والابتداع، وعنهم أخذ التابعون هذه الطريقة، ثم ظهر مصطلح أهل السنة والجماعة في آخر عصر التابعين، واشتهر في آخر القرن الثاني، ثم صار اسما لكل عامة المسلمين ممن ليس من المخالفين.

ويبين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (2/601) حيث يقول (ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة والجماعة، فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم).

فالمذهب والطريقة هو مذهب الصحابة وطريقتهم وليس أمرا مخترعا، أما الاسم والشعار (أهل السنة والجماعة) فمستحدث بعد عصر الصحابة، وصار يطلق على من لزم طريقتهم بعدهم.

وقال شيخ الإسلام في الفتاوى (3/345) في بيان أن مذهب أهل السنة هو مذهب جماهير الأمة وعامتها (أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية فضلا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق معارضة الكتاب والسنة والإجماع؛ فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة).

وهنا حدد ابن تيمية أمرين:

الأول : من أطلق عليهم الاسم والشعار وهم عامة الأمة وجماهيرها.

والثاني : على من يصدق هذا الاسم؟ وما المعيار الذي يعرف فيه أهل السنة من أهل البدعة؟ وقد حدده بأنه (القول بالكتاب والسنة والإجماع).

وليس المقصود بالقول أي العمل الفعلي إذ عامة المسلمين لا يلتزمون إلا بالحد الأدنى، وقد يقع منهم تقصير وتفريط، وإنما المراد عدم وقوعهم في البدع التي تخرجهم من اسم أهل السنة كالطعن في الصحابة أو نفي الصفات أو نفي القدر أو إكفار الأمة واستحلال دمائها مما يخالف نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.

وقال في منهاج السنة (3/406) بأن أهل السنة والجماعة (متفقون على محبة الصحابة وموالاتهم وتفضيلهم على سائر القرون وعلى أن إجماعهم حجة، وعلى أنه ليس لهم الخروج عن إجماعهم).

وقال في الفتاوى (24/241) (أهل السنة والجماعة، هم سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم بإحسان).

وبناء على هذا التعريف فليس مصطلح (أهل السنة والجماعة) شعارا على طائفة بعينها فقط، بل هو معيار موضوعي في تعريف وتحديد مفهوم (السنة والجماعة) وأنه ما كان عليه الصحابة وهم سلف الأمة، ومن كان على طريقتهم في فهم الدين بلزوم إجماعهم فيما أجمعوا عليه، وعدم الخروج عن مجموع أقوالهم فيما اختلفوا فيه في أصول الدين وفروعه، ويدخل في الصحابة دخولا أوليا آل البيت رضي الله عنهم أجمعين.

فشعار أهل السنة والجماعة هو لزوم السنن النبوية والآثار السلفية القائمة على الاتباع، بخلاف أهل الأهواء والابتداع، الذين صارت العقائد عندهم تؤسس على الحجج النظرية والعقلية تأثرا بالفلسفة اليونانية وهي الآراء (والأهواء) القائمة على الابتداع.

وبناء على هذا المعيار فكل من قال من أهل السنة والجماعة قولا في الدين يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فقوله باطل وإن كان من أئمة أهل السنة، ومن قال قولا في أمر الدين لا يستند إلى كتاب أو سنة أو إجماع، أو قولا لا يعرفه الصحابة رضي الله عنهم فليس قوله حجة بل هو رأي واجتهاد.

ثم لما تطور علم الكلام وتحول الخلاف من صراع سياسي ـ بين الدولة من جهة والخوارج والشيعة والمعتزلة الذين يمثلون الأقلية المعارضة من جهة أخرى ـ إلى صراع عقائدي تستهدف فيه هذه الفرق عقيدة الأمة نفسها لا السلطة فقط ـ حيث اضطرهم الجدل والأخذ باللوازم إلى الخوض فيما جرى بين الصحابة وتحديد الموقف منهم، وما وقع بينهم من خلاف واقتتال، وما جرى في شأن الخلافة، وحكم من وقع في كبيرة..الخ ـ وجد علماء الأمة أنهم في حاجة للتصدي بالحجج والجدل لهذه الشبه دفاعا عن السنة والصحابة وسلف الأمة من جهة، وحماية لعقيدة عامة المسلمين من جهة أخرى، ولصيانة الدولة والخلافة التي ما زالت تقوم بالفتوحات وتواجه التحديات الخارجية من جهة ثالثة، فظهر في القرن الثالث متكلمو أهل السنة والجماعة كابن كلاب وابن كرام وأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي وتصدوا لهذه المهمة، وكان لهم دور كبير في الدفاع عن عقائد أهل السنة وعامة الأمة وإبطال حجج المخالفين، إلا أنهم لم يسلموا من الوقوع في بعض المآخذ في هذا الباب، مما أدى إلى التنازع فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين أهل الحديث من جهة أخرى في أحقيتهم بشعار أهل السنة والجماعة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (2/87) (الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن أصحابه كالحارث ـ أي المحاسبي ـ وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم).

وهنا تجاوز مفهوم (السنة والجماعة) المعيار الموضوعي الذي يحتكم إليه عند الاختلاف، إلى شعار يدعيه كل طرف، وبدأ الخلاف يدب بين الفريقين، في أيهم أحق باسم أهل السنة، خاصة بعد النصر التاريخي على مستوى الفكر الذي تحقق على يد الإمام أحمد وعامة أهل الحديث والفقه في مواجهتهم لتحول الدولة إلى الاعتزال في عصر المأمون والمعتصم والواثق، حيث فشلت السلطة فشلا ذريعا في فرض عقيدة المعتزلة على الأمة، بعد رفض علماء الحديث وعلماء الفقه في كل أمصار المسلمين لهذه العقيدة المتأثرة بالفلسفة اليونانية وعلم المنطق، ودخل أهل السنة بعد ذلك النصر في صراع فكري داخلي فيما بينهم، المتكلمون من جهة وأهل الحديث من جهة، بعد أن كادت تخلو الساحة كلها إلا منهم، حيث بدأ الاعتزال يزول شيئا فشيئا وكذا فكر الخوارج، فصار لمصطلح (أهل السنة والجماعة) ثلاثة إطلاقات:

الأول : استخدام عامي يطلقه عامة المسلمين وهو عندهم في مقابل التشيع فالسني هو من ليس بشيعي.

الثاني : استخدام علمي وسياسي عام يطلق على كل من يثبت الخلافة وأنها بالشورى لا بالنص، ويثبت خلافة الخلفاء الراشدين، ويترضى عن سلف الأمة أجمعين، ويقول بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ولا يرى كفر أهل القبلة، ولا يرى السيف على الأمة، فيشمل اسم أهل السنة والجماعة المذاهب الفقهية السنية المشهورة وأهل الحديث والصوفية من أهل السلوك والمتكلمين من أهل السنة بخلاف من لا يرى شرعية الخلافة كالشيعة الذين يقولون بالإمامة والنص، وكالخوارج وغيرهم من الفرق الذين طعنوا في خلافة عثمان وعلي، وكفروا الأمة ورأوا الخروج عليها بالسيف، وهذا الإطلاق هو الأشهر والأشد أثرا في تاريخ الأمة كله، وهو قول جماهير الأمة، ولهذا يطلق كثير من المصنفين من الشيعة والمعتزلة لفظ مذهب العامة على أهل السنة الذين يمثلون عامة الأمة، وصاروا يطلقون على مذاهبهم وطوائفهم مذهب الخاصة، ولهذا كان مذهب أهل السنة مذهبا شعبيا جماهيرا واقعيا كان له أكبر الأثر في تاريخ الأمة السياسي من خلال وقوفه مع الدولة والخلافة ووحدة الأمة وإقامة الجهاد وهو ما حافظ على الإسلام الدين والإسلام الأمة والإسلام الدولة والإسلام الحضارة أمام كل التحديات التاريخية الخطيرة التي واجهها العالم الإسلامي مدة ثلاثة عشر قرنا.

الثالث : وهو استخدام خاص لا أثر له خارج الوسط العلمي وهو ادعاء كل من أهل الحديث والأشعرية والحنابلة والشافعية أنهم أهل السنة وحدهم ونفيهم هذا الاسم عمن خالفهم.

وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الإطلاقات فقال في منهاج السنة النبوية(2/132) (فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة، والاصطلاح العام هو اصطلاح العامة: كل من ليس برافضي، قالوا: هو من أهل السنة).

وفاته الإطلاق بالمعنى الثاني وكأنه جعل الأول والثاني إطلاقا واحدا، وإلا فقد أطلق ابن تيمية اسم أهل السنة بمفهومه الشمولي العام كما في منهاج السنة النبوية (5/283) حيث يقول (وهذا الفرق بين المحبة والمشيئة هو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء وأكثر متكلمي أهل السنة كالحنفية والكرامية والمتقدمين من الحنبلية والمالكية والشافعية).

وقال في الجواب الصحيح (6/7) (مذهب سلف المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين المشهورين وغيرهم من أهل السنة والحديث من الفقهاء والصوفية والنظار هو إثبات معاد الأرواح والأبدان جميعا).

وقال في الرد على المنطقيين (1/420) (بل القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة والجماعة من السلف والخلف كمن يقول به من الطوائف الأربعة وغيرهم يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة، ويقولون مع هذا بإثبات الحسن والقبح العقليين، وهذا قول الحنفية ونقلوه أيضا عن أبي حنيفة نفسه، وهو قول كثير من المالكية والشافعية والحنبلية).

وقال في العقيدة الأصفهانية (1/103) (إثبات كونه سميعا بصيرا وأنه ليس هو مجرد العلم بالمسموعات والمرئيات هو قول أهل الإثبات قاطبة من أهل السنة والجماعة من السلف، والأئمة، وأهل الحديث، والفقه، والتصوف، والمتكلمين من الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي الحسن الأشعري وأصحابه).

وكل هذه النصوص تؤكد أن اسم أهل السنة والجماعة عنده يطلق على معنى أوسع من المعنى الثالث الذي يقصره على أهل الحديث والأثر فقط، وأضيق من المعنى الأول الذي يستخدمه العامة في إطلاقه على كل من لم يكن شيعيا، بل هو يشمل أتباع المذاهب الفقهية المشهورة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية، وكذا أهل السلوك والعبادة والزهد من الصوفية، وكذلك المتكلمين من أهل السنة كالكرامية والأشعرية والماتريدية، وهو المفهوم الذي عليه أكثر علماء الأمة فيدخل فيه أهل الحديث وأهل الفقه وأهل السلوك وأهل الكلام ممن كانوا على الأصول العامة للسنة وإن خالفوا في بعض الجزئيات.

ومن الأسباب التي جعلت مذهب أهل السنة والجماعة مذهبا شعبيا جماهيريا عاما سوى ما سبق ذكره :

1 ـ أنه كما لا يحتاج الدخول في الإسلام إلا إلى الإقرار بالشهادتين فكذلك اسم أهل السنة والجماعة لا يحتاج الدخول فيه إلا إلى الإقرار الإجمالي بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فكل مسلم على الإسلام العام والإيمان الإجمالي هو من أهل السنة والجماعة.

2 ـ أنه يتوافق مع ظاهر القرآن والسنة ولهذا يلجأ المخالفون إلى التأويل وبناء عقائدهم على الأدلة العقلية التي لا يحسنها العامة بينما عقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على الأدلة النقلية من نصوص الكتاب والسنة فكل من قرأ القرآن وآمن بما فيه إجمالا فهو من أهل السنة.

3 ـ الواقعية والوسطية وكونه الأقرب إلى الطبيعة الإنسانية في عامة أصوله العقائدية والسياسية ـ كما سيأتي بيانه ـ ولهذا كلما كانت الفرق الأخرى أقرب إلى أهل السنة والجماعة كانت أكثر شعبية وقبولا في الأمة من غيرها وقد اضطرت الفرق الأخرى إلى التخلي عن تطرفها وغلوها تحت ضغط الواقع كما سيأتي.

وقد تمثل الغلو والتطرف والتفريط في البدع الخمس المشهورة وهي :

1 ـ الطعن في الصحابة أو بعضهم أو عدم إثبات إمامة أحد من الخلفاء الراشدين وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو نفي أن تكون الخلافة بالشورى والاختيار أو ادعاء العصمة ووجوب الطاعة والاتباع لغير النبي صلى الله عليه وسلم.

2 ـ الحكم بالكفر على الأمة أو على من فعل كبيرة واستحلال قتال المسلمين ومفارقة جماعتهم بالأهواء والآراء والخروج على الأمة بالسيف.

3 ـ نفي القدر وأن أفعال العباد غير معلومة لله قبل وقوعها أو أنها غير مخلوقة وأن الإنسان يفعل منها ما يشاء ويوجد منها ما يريد استقلالا وليس لله فيها قدرة ولا إرادة، أو القول بالجبر وهو نفي قدرة الإنسان ومشيئته وأنه كالريشة في مهب الريح ونفي المسئولية الإنسانية عن أفعاله.

4 ـ نفي الصفات الواردة في الكتاب والسنة عن الله أو الغلو في الإثبات وتشبيه الله بشيء من صفات المخلوقين أو القول بخلق القرآن ونفي أن يكون القرآن كلام الله غير مخلوق.

5 ـ إخراج الأعمال الصالحة من اسم الإيمان وتعريفه بالإقرار والتصديق فقط، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب، أو نفي تفاوته وزيادته ونقصانه، أو القول بأنه شيء واحد إذا ذهب منه جزء ذهب كله .

فهذه القضايا الخمس ـ (الرفض) و(الخروج) و(نفي القدر أو إثبات الجبر) و(نفي الصفات أو التشبيه) و(الإرجاء المحض) ـ هي التي فارق من فارق فيها ما كان عليه سلف الأمة فمن لم يكن من أهل هذه الأهواء فهو من أهل السنة والجماعة، ولهذا كان عامة المسلمين وأتباع الأئمة الأربعة من أهل السنة والجماعة لعدم قولهم بهذه البدع، فصارت السنة مذهب العامة إذ لا يحتاج المسلم إلا إلى خلو الذهن من تلك الأهواء بينما لا يكون من أهلها إلا بالقول بها ومعرفة أصولها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 12/485 (فالمبتدع هو من خالف أصلا من أصول أهل السنة رحمهم الله).

وقال في الفتاوى 35/414 (البدعة: التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما أشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة).

وقال في الفتاوى 24/172 (ومن خالف الكتاب المستبين، والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافًا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع).

تفاوت البدع في درجات الابتداع وشدة الانحراف:

ثم ليست هذه الأهواء والبدع على درجة واحدة من الانحراف بل بعضها أهون من بعض، ولهذا ربما قال ببعض فروعها من هو من أئمة أهل السنة والجماعة ولا تخرجه من دائرتهم العامة، كمن توقف في خلافة علي ورأى زمنه زمن فتنة، أو رأى عليا أفضل من عثمان، أو قال بإرجاء الفقهاء وأخرج الأعمال من اسم الإيمان إلا أنه يوجبها ويرتب عليها أحكامها..الخ.

كما إن اسم الإسلام والإيمان يشمل جميع هذه الفرق فهم جميعا من أهل القبلة.

قال ابن حزم في الفصل في الملل والنحل (2/88) (فرق المقرين بملة الإسلام خمسة وهم أهل السنة والمعتزلة والمرجئة والشيعة والخوارج، ثم افترقت كل فرقة من هذه على فرق، وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا ونبذ يسيرة من الاعتقادات، ثم سائر الفرق الأربعة التي ذكرنا ففيها ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد، وفيهم ما يخالفهم الخلاف القريب، فأقرب فرق المرجئة إلى أهل السنة من ذهب مذهب أبي حنيفة الفقيه إلى أن الإيمان هو التصديق باللسان والقلب معا، وأن الأعمال إنما هي شرائع الإيمان وفرائضه فقط، وأقرب فرق المعتزلة إلى أهل السنة أصحاب الحسين بن محمد النجار، وأبعدهم أصحاب أبي الهذيل، وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمداني الفقيه القائلون بأن الإمامة في ولد علي رضي الله عنه، والثابت عن الحسن بن صالح رحمه الله هو قولنا أن الإمامة في جميع قريش وتولي جميع الصحابة رضي الله عنهم، إلا أنه كان يفضل عليا على جميعهم، وأبعدهم الإمامية، وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبد الله بن يزيد الأباضي الفزازي الكوفي وأبعدهم الأزارقة).

لا تعليقات حتى الآن

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × ثلاثة =