نقد الخطاب السلفي وغياب القيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمن الظواهر الفكرية البينة في ساحتنا المعاصرة: التوجه إلى نقد الخطاب السلفي، وتقييم تجربته في قيادة المجتمع فقد توالت من هنا وهناك كتابات عديدة تقصد إلى فحص ذلك الخطاب، وتحديد ما تلبس به من أخطاء معرفية ومنهجية في تصور الناقدين حتى غدا الخطاب السلفي متهما بقائمة طويلة من التهم يصعب على المرء متابعتها فضلا عن البحث في تحديد قيمتها المعرفية والواقعية.
وقبل أن نلج في تفاصيل ما يتعلق بتلك الموجة الناقدة لا بد لنا أن نعطي تعريفًا مختصرًا للخطاب السلفي ونحن نقصد به هنا الخطاب الذي يعتمد على الانطلاق من الكتاب والسنة، ويقوم على مركزية اعتبار فهم السلف الصالح في التعاطي مع القضايا الدينية ويبني مواقفه على ما تقتضيه تلك المنطلقات ويكون المقابل للخطاب السلفي بهذا التصور كل خطاب لا يجعل الكتاب والسنة وفهم السلف منطلقًا أوليًّا له كالخطاب الاعتزالي والأشعري والصوفي والشيعي والعصراني فضلا عمن جعل العقلانية الغربية منطلقا له.
وقد اتسمت الانتقادات الموجهة إلى الخطاب السلفي بتنوع ظاهر في مسميات من تستهدفه بالاحتجاج عليه فتارة يوجه النقد إلى الصحوة الإسلامية وتارة يوجه إلى الخطاب السلفي مباشرة وتارة يوسع التوجه فيكون شاملا للاتجاه الشرعي بجملته ومحصل تلك المسميات راجع فيما يخص الحالة الداخلية إلى الخطاب السلفي ؛ لأنه الخطاب الأصل الذي قامت عليه الصحوة المعاصرة وهو الذي يمثل الاتجاه الشرعي المتعمد فيها.
كما اتسمت بسمة أخرى وهي تنوع الممارسين لها فقد اشترك في توجيه التهم طوائف عديدة مختلفة في اهتماماتها واجتهاداتها من ثم مقاصدها.
فمن الحقائق الواقعية التي يجب علينا التسليم بها، وعدم التنكر لها أو التعالي عليها: أن المنتقدين للخطاب السلفي ليسوا سواءً بل هم متنوعون تنوعات تصل إلى درجة التنافر والتناقض أحيانا ويمكن أن نصنفهم إلى صنفين:
الصنف الأول: من ينقد من الخارج فلا شك أن عددًا من المشاركين في الاحتجاج على الخطاب السلفي ليسوا من المتبنين إليه وإنما هم ينطلقون من مناهج أخرى يسيرون في مجالها وهؤلاء أيضا منقسمون فمنهم من ينتمي إلى خطابات شرعية لها أصولها الدينية والعلمية المعروفة ومنهم من ينتمي إلى خطابات مادية لها أصولها الفلسفية المعروفة.
الصنف الثاني: من ينقد من الداخل بمعنى أنه مسلم بصحة الأصول التي قامت عليها المدرسة السلفية ومتبن لها في الجملة فمن البين أن عددًا من أبناء الخطاب السلفي ممن تربى في أحضانه بدا له مواطن في خطابه تحتاج إلى مراجعة النظر فيها وتستلزم التقويم والتصحيح وهؤلاء الأتباع ليسوا سواءً فإذا شئنا أن نوغل قليلا في فحصهم فإنه يمكن لنا أن نقف في الواقع على تنوعات عديدة فيهم فمنهم من يظهر في سبب نقده التسليم لضغوط الواقع وتغيراته أو التأثر بأطروحات فكرية خارجية أو داخلية ومنهم من لم يكن من هذا النوع ولا ذاك، وإنما ينطلق في نقده من محض البحث عن الحقيقة، وضرورة التسليم بها ووجوب النصح للمنهج والحرص على بلوغ النموذج الأمثل.
ولا بد لنا أن نفرق بوضوح بين تلك التنوعات فمن المتحتم أن نفرق بين الناقد من الداخل، وبين الناقد من الخارج، وبين الناقد المناوئ، وبين الناقد المحب الصادق ولو كان من الخارج وبين الناقد الباحث عن الحقيقة والناقد الهاوي التابع للموضة فليس كل من نقد الخطاب السلفي يلزم بالضرورة أن يكون مناوئا أو معاديًا أو حاسدًا أو عميلا أو خارجًا عن الخطاب أو متأثرًا بالمعادي أو مستسلمًا لضغوط الواقع أو قليل الديانة أو له مقاصد ومآرب خفية فهذه المعاني ليست ملازمة لكل نقد موجَّه إلى الخطاب السلفي.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه ليس عدلاً ولا حقًّا أن نأتي إلى كل من مارس النقد للخطاب السلفي، ونجمعهم في سلة واحدة، ونحشرهم في خندق واحد ونصدر عليهم أحكامًا متَّحدة أو حتى متقاربة.
وحين نقرر هذا الكلام لا نريد أن نصل إلى نفي أن يكون في قائمة النقاد من هو حاقد على الخطاب السلفي، أو مناوئ له، أو من يريد تصفية حسابات سابقة ولا نريد أن ننفي وجود من لديه مشكلة مع النص الشرعي نفسه ولكن غاية ما نربوا إليه الوصول إلى رؤية واضحة في التفريق بين أصناف المحتجين على الخطاب السلفي.
ومن السمات التي اتسمت بها ظاهرة النقد للخطاب السلفي: التنوع في مجالات النقد والتعدد في موضوعات الاحتجاج فقد توسعت ساحة النقد حتى شملت قطاعات واسعة من الأفكار التي يتبناها الخطاب السلفي فاندرج في قائمة التهم مسائل عقدية وفقهية وأصولية وسلوكية وتربوية وسياسية واجتماعية وغيرها.
وقد أثارت تلك الموجة النقادة حراكًا فكريًّا عارمًا في الساحة الداخلية أدت إلى ترتيب الصفوف، وتجميع المشجعين، وحدوث معارك صاخبة لا تسمع فيها إلا الضجيج حتى إن بعض المتابعين من الخارج وصف تلك الحالة بالمراهقة الفكرية وتناولت أقلام عديدة تلك الظاهرة بالتحليل والتفكيك، وخاضت فيها من جهات متنوعة: من جهة البحث في أسبابها وعللها ومن جهة تحديد أصناف الممارسين لذلك النقد وتحديد هويتهم ومن جهة الموقف من تَقَبّل ما وجِّه من احتجاج وبيان قيمته المعرفية ومن جهة استشراف مآلات وأبعاد ذلك النقد.
والمراقب المنصف يدرك بوضوح أن قدرًا كبيرًا من تلك الخطابات الناقدة تعاني من غياب الانطلاق من القيم المنهجية التي تبنى عليها الاحتجاجات البناءة فالمطالع يدرك أنه غاب عنها البحث في الأسئلة المركزية التي تسهم في بيان القيم التي يجب مراعاتها في تقييم المشاريع المعرفية والعلمية والسلوكية وتسهم في الوصول إلى الحالة الفكرية المشرقة فلم يعد للأسس المنهجية التي يقوم عليها النقد الموضوعي تأثيرها في تلك الموجة النقدية فهي بالتالي تعاني من فقدان البنية التحتية التي تقام عليها المنهجيات النقدية البناءة.
وحين نقرر أن الخطابات الناقدة تعاني من أزمة غياب القيم لا يعني هذا تبرئة ساحة الخطاب السلفي من التلبس بالآفة فلا شك أن أصواتاً عديدة من الأصوات المعبرة عن الخطاب السلفي والمدافعة عنه تعاني بالفعل من أزمة غياب القيم فقد اشتركت تلك الأصوات مع الخطابات الأخرى في جريمة التعدي على قيم الحوار والنقاش ومع هذا فالبحث لا يقصد إلى الموازنة بين تلك الخطابات المتعددة وإنما يقصد إلى رفع الظلم عن الخطاب السلفي بالخصوص، وتسليط الأضواء على مواطن الخلل في الخطابات المحتجة عليه وهو- في تصوري- حق مشروع تقر به منهجية كتابة البحوث والمقالات.
العدل بوصفه القيمة الأم:
لا يكاد يتنازع اثنان في أن القيمة الكبرى التي تقوم عليها منهجيات البحث والمناظرة والتعاطي مع مقالات الناس وتصرفاتهم -تقييما ووصفا ومدحا وقدحا- ترجع إلى قيمة العدل فهذه القيمة – بلا شك- معتبرة في كل شيء فالعدل نظام كل حدث في هذا الوجود وهي قيمة أصيلة في الشرع المطهر فالكتاب والعدل متلازمان وقد كرر ربنا سبحانه وتعالى الأمر بها والتأكيد عليها، كما قال سبحانه في الحديث القدسي:( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا…) وقد بلغ من تجذر هذه القيمة في الشريعة أن جاء الأمر بها حتى مع المخالفين لنا في أصل الدين كما قال تعالى:( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فالمسلم مأمور بالعدل في كل شيء، ومع كل أحد وكلما ازداد المسلم امتثالا لهذه القيمة الشرعية ازداد عبادة لله تعالى، وقربا منه سبحانه وكلما انتقص منها افتقد عبادة من أشرف العبادات وكم في النصوص الشرعية من تأكيد على هذه القيمة وكم لعلماء الإسلام من بيان لفضلها وشرف منزلتها فالله سبحانه يحب الاتصاف بها وهي من أفضل الحُلل التي يتحلى بها المسلم خصوصا إذا نصب نفسه حاكمًا على مقالات الناس وأديانهم وأفكارهم فإن الحكم بين الناس في مقالاتهم أعظم من الحكم بينهم في شؤون دنياهم.
فهذه المؤكدات تستوجب على الناقد المسلم أن يبذل جهده الواسع في الاستمساك بقيمة العدل وعدم الخروج عنها ؛ لأنه بذلك يتعبد الله تعالى بعبادة من أجل العبادات وهو بذلك يحقق أصلا كبيرًا من الأصول التي تقوم عليها المنهجيات الفكرية البناءة التي توصل إلى الغد المشرق الذي يحقق للناس استقرارهم الفكري والديني والعملي.
ومن مؤكدات الاستمساك بهذه القيمة ما نسمعه صباح مساء من الخطابات المتنوعة المهتمة بنقد الخطاب السلفي في تبرير نقدهم: أن المستوى المعرفي للناس لم يعد كما كان من قبل، وأن إدراكهم للأمور ارتقى بمراحل عما كان عليه فهذا الوعي والارتقاء لدى الناس يستلزم أيضا الإتقان العلمي والانضباط المعرفي والاتساق المنهجي في سجالاتنا الفكرية ويوجب علينا احترام منهجيات النقد وأصول الحوار الصحيح وإلا غدونا في محرقة التناقض الفكري التي لا نتكسب منها إلا الاختناقات والضبابية.
وإن المسلم الحريص على الالتزام بالقيم المنهجية التي جاءت الشريعة بالدعوة إليها وتأكيد منزلتها والحريص أيضا على أن يبدو بمظهر الملتزم بأصول المنهج الراقي ليعتريه الحزن على ما يشهده من خفوت الالتزام بمستلزمات قيمة العدل بل واختفائها أحيانا كثيرة في قدر من الخطابات المحتجة على الخطاب السلفي.
وهذا الغياب له مظاهر عديدة من أبينها:
المظهر الأول: انعدام المطابقة:
فالعدل يستلزم بالضرورة ألا ينسب المرء شيئا إلى من يحتج عليه إلا إذا كان متأكدًا من مطابقة ما ينتقده لحال المنقود وإلا وقع في الخلل المنهجي فضلا عن وقوعه في مستنقعات الظلم المحرم وقد عانى الخطاب السلفي من هذا الظلم كثيرًا فكم نسبت إليه من مقالة بصورة ليست على الصورة التي يقولها وكم أضيف إليه من قول ليس موافقا لقوله فإنك تجد في قائمة التهم أن الخطاب السلفي يشرع الاستبداد السياسي ويدافع عنه وتكتشف أن هذا القول ليس على ما صُور وتقف فيها على أن الخطاب السلفي يجرم دراسة العلوم الخارجة عن دائرة العلوم الشرعية وتكتشف غير ذلك
وتجد فيها أن الشغل الشاغل للخطاب السلفي هو مسائل الصفات وبدع القبور والموالد وتكتشف أن الأمر ليس كذلك وتقف فيها على أن الخطاب السلفي منشغل بالجزئيات التاريخية على حساب القضايا الواقعية التي تهم الأمة وتكتشف غير ذلك ويبرز لناظريك أن الخطاب السلفي محارب للعقل ومعاد للتجديد وتكتشف غير ذلك وتجد فيها أن الخطاب السلفي معادِ لطائفة من العلماء ممن ليس داخلا في نطاقه وتكتشف غير ذلك وتجد فيها أن الخطاب السلفي يحرم كل نوع من الاختلاط وتكتشف أن تحريمهم متعلق بأنواع مخصوصة والقائمة التي من هذا النوع طويلة جدا.
والعدل يستلزم كذلك الاعتدال في مقدار الحكم الذي يُوجه إلى المنقود بحيث تكون صورة الحكم متطابقة مع مقدار ما يراه خطأ فلا يزيد عليه ولا ينقص ولكننا نفاجأ بأن الأحكام الموجهة إلى الخطاب السلفي أكبر بكثير مما يذكر من خلل فتجد أحدهم يسرد ما يراه خللا في الخطاب السلفي، ثم يصدر حكمه الجائر فيقول: إنه هو الذي أضاع الأمة، أو أنه هو الذي كرس المشروع الأمريكي في المنطقة، أو أنه سيؤدي لا محالة إلى نتائج كارثية أو أنه هو الذي عرقل تطور الأمة وكان حجر عثرة في طريق تقدمها أو أنه هو الذي أضاع حقوق الناس، وساعد على تكريس الظلم أو أنه هو الذي تنكر للحوار مع الآخر ولم يحترم قوله أو أنه هو الذي أحدث التأزم في المجمع وإذا ما طالعت ما اعتمد عليه في أحكامه تلك تجده لا يخرج عن دائرة المبالغة في التوصيف والتعدي في الحكم!.
المظهر الثاني: غياب استصحاب ” الموازنة الشعورية “:
ليس خافيا أن من الأصول الكبيرة التي يقوم عليها النقد العادل لأفكار الناس وأحوالهم استصحاب الناقد للموازنات بين الأمور المؤثرة في تحديد قيمة الأقوال والمشاريع.
وهذا أصل عظيم استعمله القرآن في مواطن عديدة كمثل قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤديه إليك….) وكقوله تعالى:(ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس…).
وليس المقصود بهذا الأصل وجوب التلازم الذكري بين المحاسن والمساوئ في كل سياق فليس المراد منه أن يلتزم المرء بذكر إنجازات من ينقده في كل نقد يوجه إليه فهذا المعنى ليس مرادًا وليس هو طريقة القرآن فالقرآن كثيرًا ما يوجه النقد إلى المخالفين من غير أن يشير إلى شيء من محاسنهم.
وإنما المراد بذلك الأصل الاستصحاب الشعوري الذي يستوجب اعتبار حال المنقود، وعدم الغفلة عما قدمه من إنجازات واتصف به من صفات حميدة، وما بذله من جهود صالحة فهذا الشعور يجب أن يستصحبه المسلم في كل ممارسة نقدية لكل أحد.
فهناك إذن فرق بين التلازم الذكري بين المحاسن والمساوئ واستشعار ذلك التلازم فالأول لا يجب في كل حال وإنما هو خاضع للمصالح والمفاسد وأما الثاني فإنه يجب في كل حال ومع كل أحد.
وإذا عاش المسلم ذلك الشعور في نقده فإنه لا محالة سيؤثر في لغته التي يعبر بها عما يراه خطأ، وفي طريقته لبيان نقده وفي كيفية إظهاره وفي مستوى تفعيله له وفي مقدار الحكم الذي يصدره على من ينقده وفي حفظه لحقوقه ومنزلته.
وقد بدأ نفس الموازنة في عدد من الكتابات الناقدة للخطاب السلفي بوضوح فتراه يعترف ابتداء بأنه قدم للأمة الشيء الكثير من المنجزات ولكن الناظر في قدر آخر من الممارسات النقدية الموجه إلى الخطاب السلفي يلحظ فيها غياب ذلك الاستشعار للموازنات فيخيل إليه حين يطالع النقد الموجه إلى الخطاب السلفي أن هذا الخطاب لم يعمل خيرًا قط وكأنه لم يقدم أي إنجاز للأمة في المجال الفكري أو العلمي أو السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي أو التربوي أو السلوكي ويخيل إليه أيضا أن الخطاب السلفي هو الخطاب المتخلف فقط وأنه هو الذي يعاني من الخلل الفكري وكأن الخطابات الأخرى المتدافعة معه لا تعاني مما يعاني منه أو أكثر وكأنها استطاعت أن تقدم للأمة حلولا تخرجها من الأزمة التي تعاني منها!
والمراقب العادل إذا أراد أن يتماشى مع المنهج القرآني في الموازنة فإنه سيتجلى أمام ناظريه أن إنجازات الخطاب السلفي أكبر – من حيث عمقها في المجتمع وتنوعها وأثرها – بكثير مما ينتقد عليه ويدرك بوضوح أن هذا الخطاب يمتلك مواصفات واقعية تؤهله – إن أحسن استثمارها- للخروج من الأزمة الخانقة بنجاح ومن أدلة ذلك: قوة المستند وحيوية الأصول التي يقوم عليها وسعة الانتشار والتنوع المعرفي الذي يتمتع به والاندراج في العمل المؤسسي ومراكز البحث بصورة مكثفة وما غدا يتمتع به من توسع في دوائر الاتصال بالمجتمع على اختلاف طبقاته وما يمارسه من تفاعل مع مجريات الواقع وتطوراته ومستجداتها -الإعلامية خاصة – وباحترافية في عدد من المجالات.
المظهر الثالث: عدم مراعاة مقدار الأزمة:
لم تتفق آراء الباحثين العرب على شيء اتفاقها على أن الواقع العربي والإسلامي يعاني من أزمة حادة مستعصية على الحلول وهذه الأزمة مكتسحة لكل المجالات تقريبا – المجال الفكري والسياسي والاقتصادي وغيرها- وهي بطبيعة الحال تختلف في الحدة من بلد إلى آخر.
وقد أدى إلى حدوثها أسباب عديدة لعل من أفتكها:
1- التخلف السابق: فالعالم الإسلامي عاش في القرنين الماضيين أنواعا من التخلفات وقد كان لها أبعاد واسعة على
واقعنا المعاصر فالأمة الإسلامية لم تتعاف من ذلك التخلف بعد وهي تحتاج إلى عقود لتتخلص من رواسبه.
2-التغير المذهل في مجريات الواقع: فواقعنا المعاصر فاجأ العالم بالتغيرات المذهلة التي وقعت فيه فقد تغيرت القوى
المؤثرة في القرار وتغيرت تبعا لذلك مناطق الضغط السياسي والاقتصادي واتسم كذلك بضخامة الاكتشافات العلمية التي غيرت من وجه الأرض وأحدثت معها إشكاليات دينية ومعرفية وفكرية كثيرة وازداد واقعنا تركيبا وتعقيدا وازداد سرعة في التغير والحدوث.
وقد تجاوزت آثار تلك الأزمة إلى مجالات عديدة متعلقة بحياة الإنسان كالمجال السياسي والمجال الاقتصادي والمجال الفكري والشرعي ويتجلى أظهر آثارها على القضايا الفكرية والشرعية في الأمور التالية:
1- غياب التأصيل الشرعي والفكري الكافي عن عدد من نوازل العصر- خاصة السياسية والاقتصادية – فبناءً على التتابع السريع بين مجريات الواقع وكثرة الترابطات بين الأحداث غدا من الصعب جدا تتبع كل جزئيات المسائل بالبحث المؤصل وغدا من الصعب أيضا على كثير من المفكرين وطلبة العلم أن يكوّن الملكة العلمية التي تؤهله لخوص البحث في تلك النوازل بحيث يخرج فيها بصورة ناضجة وهذا ما يفسر لنا الإحجام عن الإقدام على بحث تلك المسائل فنتج بذلك بلا شك فقدان التأصيل الواضح لبعض تلك النوازل أو ضعفه في بعضها.
ولما لم يراع عدد من الممارسين لنقد الخطاب السلفي طبيعة الأزمة وما أحدثته تداعياتها أخذ ينتقده بأنه أهمل مسائل كثيرة من البحث المؤصل الكافي والخروج فيها برؤية ناضجة وهذا في حقيقة الأمر غفلة بل تعالٍ على طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي بكل أطيافه فالأزمة لم تدع مجالا لمتابعة ما يضخه العالم الحديث من إشكالياته المتنوعة.
2- كثرة الخلافات والتشققات فالمتابع لقدر من الإشكاليات التي ارتبطت بهذا العصر يلحظ أنها اتسمت بالاشتباه والتعقيد والغموض وهذه الأوصاف تؤدي عادة -متى ما توفرت في قضية ما- إلى حدوث الخلاف بين الخائضين في حلها.
ولما لم يراع بعض الممارسين لنقد الخطاب السلفي طبيعة الأزمة أخذ يحكم على الخطاب السلفي – بله الشرعي كله- بأنه يعاني من التشرذم والانشقاق نتيجة اختلاف مواقفه في قدر من نوازل العصر وهذا في الحقيقة غفلة عن طبيعة القضايا التي أحدثها عصرنا الحاضر فليس من المستغرب أن يختلف السلفيون في المسائل الغامضة والشائكة ؛ فهم مختلفون بالضرورة في مقدار استيعابهم وقوتهم العلمية والإدراكية.
3- التنوع في المواقف ؛ ففي عالم سريع التغير والتبدل في مظاهر منتجاته الحضارية وأشكالها فإنه لا محالة ستنصهر فيه المواقف الثابتة وهو بلا شك ما تقتضيه الحكمة والعقل فضلا عن الشرع فليس صحيحا أن يبقى المرء على رأي اتخذه من منتج حضاري ما ويتصلب عليه مع أن هذا المنتج قد تشكل تشكلات أخرى مختلفة اختلافات مؤثرة عما كان عليه في صورته الأولى.
ولكن بعض نقاد الخطاب السلفي يأبى اعتبار هذه الحقيقة ويأخذ في التشغيب بأن الخطاب السلفي تناقضت مواقفه في عدد من المنتجات الحضارية والمثال الذي يمكن أن يكوّن صورة مقاربة لما نحن فيه: الموقف من ( الدش) فبدل ما كان يحرم الدش ويصدر الفتاوى في التحذير منه غدا رواد الخطاب السلفي يتهافتون على اقتنائه، أو غدوا مسالمين له على الأقل وهذا في الحقيقة تعالٍ على الواقع، وتغافل عن التطورات التي حدثت في موضوع البحث فالموضوع الذي وقع فيه التنوع في المواقف لم يعد في صورته كما كان عليه في أول خروجه وإنما حصلت فيه تغيرات كبيرة أدت بالضرورة إلى أن يغير بعض الخطاب السلفي موقفه منه ولكن بدل أن يكون هذا تفاعلاً ممدوحًا مع الواقع وتفهما له أضحى تناقضا ودليلا على ضبابية المواقف في بعض النقاد !!.
المظهر الرابع: عدم مراعاة التنوعات المؤثرة:
لا شك أن كل خطاب معرفي أو سلوكي لا بد أن يرضخ تحت وطأة التنوعات التي تؤثر في تحديد المواقف المتخذَة من قبل أتباعه وكلما ازداد الخطاب اتساعًا وشيوعًا في المجتمع ازدادت تلك التنوعات تأثيرًا في تحديد مسار ذلك الخطاب.
والتنوعات المؤثرة في الخطابات عديدة من أعمقها:
التنوع المعرفي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في وعيهم بالأصول التي يبنى عليها خطابهم، ولا بمدى مستلزمات تلك الأصول، ولا بمقدار تفهمها وتمثلها في الواقع بل هم مختلفون فيها اختلافات واسعة.
ومنها: التنوع النفسي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في أمزجتهم النفسية فهم بلا شك متفاوتون فيها بين الحاد جدا وبين الأقل حدة وبين الهين اللين ولا شك أن المزاج الشخصي له تأثير ظاهر في طبيعة القرارات الدينية أو الدنيوية التي يتخذها في حياته.
ومنها: التنوع الاجتماعي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في أحوالهم اليومية التي يتلبسون بها فهم يختلفون فيها كثيرًا وهذه الأحوال لها آثار بارزة فيما يتخذه الأشخاص من مواقف.
والمحتم على الناقد الذي يهمه إصابة الحق والاتصاف بالموضوعية والعدل في نقده أن يراعي تلك التنوعات فيما يوجهه من نقد ومتى ما خلا النقد من مراعاتها فلا بد أن يقع في الآفات المضرة.
ولا شك أن الخطاب السلفي يعد من أكثر الخطابات شيوعًا وتجذرًا في المجتمع وهذا يعني أن تأثير التنوعات فيه سيكون أكثر من غيره.
ومن أظهر الممارسات التي تنافي اعتبار واقعية التنوعات: تعميم الأحكام وإطلاق الأوصاف العامة الشاملة لكل أفراد الخطاب المعين من غير مراعاة لما يشهده من تنوع علمي أو نفسي أو اجتماعي.
وإن المتابع لقدر من الاحتجاجات الموجهة إلى الخطاب السلفي يجد أنها تلبست بتلك الآفة فما إن يرى بعض النقاد قولا قرره طيف من الخطاب السلفي، أو فرد من أفراده، أو مفت بارز فيه إلا ويبادر مباشرة إلى توجيه الحكم إلى كل الخطاب ولا يحاول أن يتعب نفسه قليلا ويجيب على سؤال ملح في النقد وهو: هل هذه المقالة التي ينقدها يقول بها كل الخطاب السلفي أم أكثره أم أقله ولكنه – للأسف – يعمد مباشرة إلى الخطاب السلفي بجملته، وينصبه على خشبته المائلة، ويأخذ في سرد ملاحظاته التي رآها من بعض الأفراد الذين يعيش معهم في مدينته أو إقليمه، أو قرأ لهم في بعض المجلات والمواقع الإلكترونية، أو سمع عنهم من بعض أصدقائه، أو تناظر معهم في بعض حواراته، أو استمع له وهو يفتي في بعض القنوات.
ونحن حين نؤكد على ضرورة مراعاة التنوعات ونحذر من التعميم، لا نقصد بالضرورة أن نمنع استعمال صيغ العموم على كل حال، أو نحكم على كل تعميم بالخطأ، أو نقرر أن الخطاب السلفي أو غيره من الخطابات لا يمكن أن يجتمع على فكرة أو مقالة ولكن غاية ما نريده أن نحرر المقياس الحقيقي الذي ينضبط به استعمال صيغة التعميم بحيث لا يكون مستعملها خارجًا عن الموضوعية والعدل ثم نسعى بعد تحديده إلى ممارسته فعليا على الواقع.
مع أن الطريقة الأكمل من ذلك كله هو أن تتوجه احتجاجاتنا إلى المقالات نفسها –سواء في الخطاب السلفي أو في غيره – وتدور الحوارات في نطاقها ويقام النقد والتقييم والحكم عليها ابتداء ولا نخرج عنها إلا في حالات معينة وظروف خاصة ولكن مشهدنا السجالي انقلبت فيه المنهجية رأسا على عقب فغدت نقطة الارتكاز فيه على صاحب المقالة لا المقالة نفسها، مما اضطرنا إلى التلبس بآفة التعميم والتشرب بآثارها.
المظهر الخامس: الرضوخ للاختزال:
إن من المظاهر المؤلمة التي يشهدها المراقب لاحتجاجاتنا الفكرية رضوخ أكثرها تحت وطأة الاختزال فيخيل للقارئ حين يقرأ بعضها أن حل مشاكل الأمة كلها مرتبط بحبل سري مع مشكلة واحدة بعينها متى ما حُلت فإن مشاكلنا الأخرى ستنحل تلقائيا وهذه النظرة في تقييم الأمور هي في الحقيقة نظرة ضيقة وقعت فيها خطابات عديدة فالخطاب الإصلاحي السياسي يصرخ بأصواته المرتفعة في نوادينا، ويُظهر لنا في خطابه أن الحل السحري للتخلص مما نحن فيه من تخلف يكمن في إصلاح الحكومات المستبدة التي لا تطبق الديمقراطية ! ولا يحفظ فيها المال العام ولا توزعفيها الحقوق بالتساوي ويختزل حلول الأزمات الأخرى فيا اقتنع به وخطاب الإصلاح الفكري يُظهر لنا أن الحل السحري للتخلص مما نحن فيه يكمن في متابعة الأفكار الغربية الوافدة وتتبعها نقدًا وتقييمًا وهكذا دواليك في عدد من الخطابات.
والقدر المشترك بين تلك الاختزالات يكمن في افتراض التزاحم بين مجالات الإصلاح واستحالة السير في خطوط متوازية في سبيل الخروج من الأزمة ويكفي هذا تبيانًا لخطأ تلك النظرة وإظهارًا لمخالفتها للتاريخ والواقع.
ونتيجة لتلك النظرة الضيقة أخذ عدد من نقاد الخطاب السلفي يصوره على أنه خطاب يغرد خارج السرب وأنه يعمل في منطقة الخلاء التي لا ينتفع بها أحد وأوهم أنه ينازع في أهمية المجالات الأخرى التي تم اختزال أزمات الأمة فيها.
والمتابع الفطن يدرك أن الواقع مختلف عن ذلك فتلك الخطابات لا ينازعها الخطاب السلفي في أهمية الإصلاح السياسي مثلا أو الإصلاح الفكري أو نحوه فالكل متفق على أن تلك المجالات وغيرها تعاني من أزمة حادة وكلها ثغور تحتاج إلى أن تنفر طائفة من المؤمنين لإصلاحه وترميمه ونزاعهم يدور في دوائر أخرى أضيق من دائرة أصل الأهمية والضرورة وحاصلها يرجع إلى كيفية تناول الإصلاح في تلك المجالات وفي تحديد الأولويات فيها وهذه الدوائر لا تخرج عادة عن ساحة الاجتهاد والموازنة بين المصالح والمفاسد وهي غالبا تتلبس بالغموض والدقة وهذا ما يفسر لنا كثرة الخلاف فيها في الفكر الإسلامي منذ قرن من الزمن تقريبا فليس غريبًا بعد ذلك أن تختلف فيها المواقف بين المعاصرين.
هذه المظاهر الخمسة- في نظري- هي أهم الآفات التي تلبست بها الموجة النقادة للخطاب السلفي في واقعنا المعاصر وتسبب في بروز أعراض مرضية عديدة أنهكت السجالات الفكرية وأودت بها إلى المهالك كما هي العادة المطردة في الاحتجاجات التي لا تلتزم بالقيم العليا ولا تقوم على البنى التحية الناضجة فإنك لا تشهد معها إلا مزيدًا من التشتت الفكري ومزيدًا من ضياع البركة ومزيدًا من كثرة الصخب والضجيج في الحلبة المعرفية ومزيدًا من تخييم الضبابية على المنطقة الوسط ومزيدا من ضياع القصد الأصلي من الاحتجاج وبدل أن يكون السجال سبيلاً مؤديًا إلى الخروج مما نحن فيه من أزمة يغدو جزءًا معضلاً منها يساعد على تكريسها.

2010

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × أربعة =