بسم الله الرحمن الرحيم هذا مقال أو بحث مآلات الخطاب المدني للباحث الشرعي ابراهيم السكران .

مدخل :

عشية وداع التسعينات حفل الداخل الإسلامي من خلال مطبوعاته وندواته الخاصة بنقاش غزير ومعالجات متنوعة حول “الحاجة إلى التجديد” و “مشروعية المراجعة” وكان ثمة ترحيب متلهف بأية أطروحات أو استضافات في هذا السياق, وكانت تلك الأطروحات في مجملها أطروحات منتمية تتحاكم للمعايير الشرعية وتطرح “التجديد” مستهدفة تعزيز الحضور الإسلامي وامتداده إلى مناطق جديدة, لا التجديد بهدف إزاحة المحتوى الديني أو تقليص وجوده.

مآلات الخطاب المدني 

إلا أنه وبعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثير من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.

صحيح أنه لاتزال هناك شخصيات تجديدية تحتفظ برزانتها الشرعية واستقلالها السياسي وينتصب أمامها المرء بإجلال صادق -وهم كثير ولله الحمد- إلا أننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة تكاد عيون المراقب تبيض من الحزن وهو يشاهد جموحها المتنامي.

كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم –ويالشديد الأسف- تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم الى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية “الدليل” مرجعية “الرخصة” أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ماهو “إسلامي”, وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.

وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ماهو “غربي” بطريقة لايفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وقورة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لايليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية.. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة والتي سنشير لها في المناقشات القادمة.

ويستطيع المراقب بكل بساطة أن يقرأ في الخط البياني لهذه المضاعفات المتنامية دور التابلويد الإلكتروني في تصعيد هذا الانحراف, بمعنى أن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الامعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولاأظن عاقلاً ينتقم من رب خصمه لكن هذا ماجرى للأسف!

على أية حال.. أظن أن أبسط مقتضيات الوفاء والحب لهؤلاء الشباب هو المبادرة بالمصارحة بمخاطر هذه التطورات, علنا نستعيد وعينا في زحام السجال, ونستيقظ من أن تتجارى بنا مغاضبة الخصوم ومشاحنة الفرقاء إلى خدش علاقتنا بالله ورسوله وخسارة رأسمالنا الحقيقي.

ولا سيما أن هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الاعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لاتقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.

هذه المشهد الأليم يفرض قراءته وتأمله, ومن ثم تحليل الفروض الداخلية لهذا الخطاب التي قادته إلى هذه المآلات الموحشة, بهدف إرضاء الله سبحانه وتعالى, وتواصياً بالحق مع كثير من متابعي هذا الاتجاه, وتعزيزاً للثقة الدعوية في الأوساط التربوية والعلمية للاتجاه الإسلامي أمام سلاطة هذا الخطاب وتجريحه المستمر ودعايته المضادة, ونشاطه في التعبئة الإعلامية وتأليب المؤسسات الأمنية ضد العمل الدعوي والتربوي الإسلامي.

والواقع أن هذا الخطاب المدني الجديد يصفه بعض مراقبيه بتصنيفات لايرضاها منتجوا هذا الخطاب ويعدونها “شتيمة خصوم” أكثر من كونها “تصنيفاً إجرائياً” لذلك آثرنا أن نقفز هذه التصنيفات, ونتعرف إلى هذا الخطاب من خلال معجم مفاهيمه المحورية التي تشكل نسيجه الخاص, كمفهوم الحضارة والانفتاح والآخر والتسامح والنسبية والاستنارة والنهضة والمواطنة والأنسنة ونبذ الأدلجة والإقصاء والوصاية والتسييس والدوغمائية والراديكالية… الخ

حيث تحولت هذه المفاهيم من أدوات دلالية محضة إلى “لافتات فكرية” تدفع باتجاهٍ مشترَك ذي قسمات خاصة, حيث تم شحنها بدلالات جديدة ضمن سياق سجالنا المحلي بحيث صارت تحمل مضموناً مذهبياً مترابطاً أكثر من كونها مجرد تقنيات تفسيرية حرة.

ولم نتجاوز تلك التصنيفات إلا بهدف تحاشي اللبس وسوء الفهم, إذ غرضنا هاهنا الاجتهاد في تقديم مناقشة علمية مختصرة للشبكة المفاهيمية التي تغذي هذا الخطاب وتمده بمنظوره الخاص, وليس هدف هذه الورقة النقدية -يعلم الله ذلك- التجريح والإيذاء, أو إسقاط شخصيات بعينها, او الانحياز لجبهة ما, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتجرد ويعيننا على تجنب الهوى والتحامل.

ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف.

وقد قسمت هذه الورقة إلى جزئين, أولهما: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بأصول الوحي, والجزء الثاني: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بالفكر الحديث, فهذا هو الجزء الأول منهما وسيتبعه باذن الله الجزء الثاني, ونبتدئ الجزء الأول بعرض موجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة, وهذا هو أوان الشروع في المقصود.

قسمات الانقلاب المعياري:

آل الخطاب المدني -ضمن ديناميكية تطوراته المؤلمة التي أشرنا اليها- إلى حالة انقلاب معياري، حتى بتنا اليوم وكأننا نشهد “إعادة تقييم” جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في “جدول القيم” لانستطيع أن نغض أبصارنا عنه أو أن نتجاهله, حتى أصبح “هرم الأولويات” يقف مقلوباً على رأسه!

لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة… بما يعني أن إبرة البوصلة الفكرية قد فقدت قوتها المغناطيسية السابقة تماماً, وكأن دخان سبتمبر قد مد ذراعه إلينا وقلب ساعة الرمل ليعيد دبيبنا إلى الوراء.

لقد تم إنزال التراث من كابينة القيادة إلى قفص الاتهام! فبعد أن كانت هذه الشريحة الشبابية تنظر إلى “التراث الإسلامي” باعتباره النموذج المشع الذي تستلهم منه المثل والقيم وينتصب أمامه المرء بسكينة الانتماء أصبح بعض هؤلاء الشباب ينظرون إلى التراث باعتباره ألبوم التصرفات البدائية المخجلة الذي لايجب أن يفتح إلا مع ابتسامة اعتذار, مع استخفاف عميق بمواقف رجالاته وأعلامه.

وفي أحسن الأحوال أصبح لايقبل من التراث الإسلامي الضخم أي دور إلا أن يزودنا بالأسانيد والحيثيات التي تؤكد نتائج “عصر الأنوار” ليس إلا!

ولذلك يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة “نصوص الوحي” ونصوص “التراث الإسلامي” قراءة مدنية, بمعنى قراءة “موجهة” تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم “المدنية” ثم تؤَوِّل مايتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة “صادقة” تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!

بمعنى آخر: تحويل الوحي من “حاكم على الحضارة” إلى مجرد “محام عن منتجاتها” يبررها ويرافع عنها ولايقبل منه دور غير ذلك! وليس يخفى أن الحكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.

والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ماهي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم اذا كان قصارى مانقوله للغرب هو أن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الاقوال الفقهية لدينا, أويحتمل أن تدل عليها بعض الادلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.

كما قفزت صورة الغرب من شارع الانحطاط إلى منصة الأستاذ القديس الذي لايراجع فيما يقول, وإذا لم نقتنع بما يقوله فذلك لعيب في فهمنا نحن لا لعيب فيه هو لا سمح الله!

وبعد أن كان بعض هؤلاء الشباب يتشرفون بالانتماء للاتجاه الإسلامي ويبرزونه كهوية شخصية في الحياة العامة، أصبح بعضهم ينظر إليه باعتباره عبئاً على المجتمع ليس يبهجهم كثيراً تناميه وتغلغله الاجتماعي!

النماذج التفسيرية للظاهرة:

لازال العاملون للإسلام تتقوس حواجب تساؤلاتهم المندهشة أمام هذه الكارثة الفكرية, ويتساءلون بإلحاح مالذي حدث بالضبط ياترى؟

والحقيقة أن كل خطاب فكري ينطلق من “فروض أساسية” تنبثق عنها التطبيقات و تتحاكم إليها الإشكاليات, سواءً سميت بفروض أساسية أو قيمة مركزية أو “باراديجم” أو “إبستيما” أو غيرها من الاصطلاحات الانثروبولوجية, والتي يعبر عنها في العلوم الشرعية بمصطلح “الأصل” أو “الكلي”, ومنه قولهم “أصول المذهب الفلاني” أي أسسه الضمنية التي تتفرع عنها ماصدقاته.

وقد أشار الإمام ابن تيمية في ملاحظة مبدعة إلى دور استكشاف الكليات والأصول في الاستيعاب والاطمئنان العلمي كما يقول رحمه الله: (فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها.., من أعظم العلوم نفعاً, إذ المرء ما لم يحط علماً بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكة).

والواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو “الانبهار بالغرب”, والواقع ان الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.

وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو “العقلانية”، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في “مصادر المعرفة” بحيث تقدم ما دل عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل وتارة مع النص وتارة مع الذوق الشخصي وتارة مع المألوف وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة, وأعتقد أن تكوين “منظومة عقلانية متماسكة” أكبر بكثير من قدرات هذه الظاهرة وكتابها أساساً.

وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة “المعتزلة”، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيراً, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور, وناضلت الفلسفة الإغريقية بنفس أدواتها, ووصفهم كثيراً من المحققين في علم الفرق بأنهم أصحاب إرادات أي أصحاب نسك وعبادة, وكان لديهم نتاج عقلاني منظم. وإنما سبب زيغهم غلوهم في التنقير بالعقول في الغيبيات وتقديمها على مضامين المرويات, حتى نتجت عن ذلك أصولهم الخمسة المعروفة, لا لأنهم أعرضوا عن الشرائع وانبهروا بأمة من أمم الكفر. فالمعتزلة مدرسة غلو لامدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.

في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي “المغالاة في قيمة المدنية والحضارة”, فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته “غائية الحضارة” و “مركزية المدنية”.

فيمكن القول بكل اختصار أن “الغلو المدني” ينبوع الانحراف الثقافي, حيث يستتبع التحييد العملي للوحي لأنه لايدفع باتجاه المدنية الدنيوية ويتعارض مع كثير من منتجاتها, ويورث الاستخفاف بالتراث الإسلامي لتضمنه جهاز مفاهيمي شرعي يزهد في الدنيا ويربط الإنسان بالآخرة, ويثمر لدى الشاب تعظيماً نفسياً للثقافة الغربية الحديثة لتفوقها المدني على غيرها من الأمم المعاصرة, فيصبح مأخوذاً بعرض منجزاتها, ويتضايق من عرض ثغرات الثقافة الغربية ويميل لتفهمها وإعطائها معنى إيجابيا أو محايداً على الأقل وتسويغها في جنب محاسنها, ويبدأ الشاب في الابتعاد التدريجي عن العاملين للإسلام لانهماكهم بالدعوة بما تتضمنه من تعميق الإيمان في الناس والتفقه في معاني الوحي, ويصبح أساس العلاقة مع الآخر ليس مبنياً على “أساس ديني” بحيث يوالى الآخر بقدر ما فيه من موالاة الوحي والقرون المفضلة, وينافى بقدر مافيه من منافاة الوحي والقرون المفضلة, بل يصبح أساس الولاء تجاه الآخر “أساساً مدنياً” مبنياً على مقدار السعي المشترك لعمارة الدنيا بغض النظر عن حجم الانتهاكات لحمى الشريعة والفضيلة, فيغتفر لصاحب المنجز المدني –سواءً كان مؤلفاً أم اتجاهاً فكرياً أم مجتمعاً معاصراً- كل انحرافاته الدينية وتتفهم في بحر حسناته المدنية, بينما ينظر بعين الامتهان إلى صاحب المنجز الشرعي –سواءً كان مؤلفاً أم اتجاهاً فكرياً أم مجتمعاً معاصراً- مادام أنه غارق في القصور المدني.

وحاول أن تتأمل في لوحة العزوف الدعوي الحزينة المعاصرة, وتتبع خيوط الارتباك الفكري الذي أصاب بعضاً من شباب المجتمع المسلم اليوم, وسترى أن تلك الخيوط جميعاً تلتقي عند عقدة “المغالاة في قيمة المدنية والحضارة” فتصدر عنها وترتد إليها.

وسرح طرفك حيث شئت في الأطياف الفكرية التي تعج بها الحياة الحديثة وسترى أن الميسم الذي منح هذه الأطياف جميعاً ألوانها المتباينة هو “الموقف من الحضارة”, فأخبرني ماهي الدرجة التي تحتلها “قيمة الحضارة المدنية” في سلم القيم عندك أخبرك أين تقع على خريطة الجبهات الفكرية المعاصرة.

فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتماً –كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفاً ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد “مركزية المدنية”, وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من “التمدن المادي”.

فبمجرد أن يتشرب الشاب المسلم فكرة الغلو في قيمة المدنية والحضارة والعمارة والنهضة المادية فإن هرم الأولويات وخريطة القيم تنقلب عنده رأساً على عقب, فمن يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي “تشييد المدنية الدنيوية” فإن الثقافة الغربية في ميزانه ستكون النموذج المتفوق, بينما سيكون عصر القرون المفضلة والحركة الإسلامية المعاصرة نموذج الإخفاق والفشل الذي يجب الاعتذار عنه.

أما من يرى أن الأولوية والقيمة المركزية في سلم القيم هي “التزكية” وتشييد المستقبل الأخروي وأن المدنية الدنيوية مجرد وسيلة, فإن التراث الإسلامي ومن بعده الحركة الإسلامية سيكونان نموذج الفرادة والتميز, بينما ستكون الثقافة الغربية نموذج الانحطاط والتخلف.

ينابيع الغلو المدني:

هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة “غلو مدني” تتعارض مع أصول الوحي, اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه, ألا وهي: مناخ سبتمبر, والضخ الفرانكفوني, وحفاوة وسائل الاعلام, ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويه وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس. وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحاً استثنائياً في فترة قصيرة.

ويبدوا أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتاً ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية, إذ لو كانت “المدرسة الفرانكفونية” تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامراً منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعاً لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأساً على عقب, وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.

على أية حال فإن كثيراً من الشباب الإسلامي الذي أقبل على منتجات المدرسة الفرانكفونية في معارض الكتب وأمام رفوف الوحدة والساقي والجمل لم ينته من التهام تلك الكتابات إلا وقد تشرب “المفاهيم الضمنية” الحاكمة لتلك الكتابات, أو بمعنى آخر “المنطق الداخلي” لهذه الدراسات, وعلى رأس تلك المفاهيم مركزية المدنية وغائية الحضارة.

أولئك الشباب الذين كانو يقرؤون أيام “أزمة الخليج” مجلة المجتمع ومجلة البيان والمودودي وسيد قطب والندوي ومحمد قطب ومحمد الغزالي وفتحي يكن ومحمد أحمد الراشد وجمال سلطان وبالكاد فهمي هويدي ومحمد عمارة, وتكتظ أدراج سياراتهم بكاسيتات العودة والحوالي.. أصبحو “عشية سبتمبر” يقرؤون للمدرسة الفرانكفونية/المغاربية التي كان أشهر عمالقتها محمد عابد الجابري وعبدالله العروي ومحمد أركون وعبدالمجيد الشرفي وعبدالمجيد الصغير, بالإضافة إلى مشارقة محدودين كانو قريبين من هذا الاتجاه كحسن حنفي وخليل عبدالكريم ونصر حامد أبو زيد وعبدالجواد ياسين وطيب تيزيني وحسين مروة وعلي حرب وبرهان غليون وفراس السواح .. وأضرابهم.

هذه الشريحة من الشباب الإسلامي اصطدمت في مقاعد المدرسة الفرانكفونية/المغاربية بـ “سؤال الحضارة” , وبات من نافل القول أن نشير إلى أن الصدمة كانت قاسية وشرسة جداً, لدرجة إحداث ارتجاجات فكرية وفقدان للتماسك الثقافي لدى كثير من هؤلاء القراء.

هذه الشريحة الشبابية -ذات الخلفية الدعوية الإسلامية- حاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة عن “سؤال الحضارة” ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها, وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له بعد أن خضعت لسطوة خطابه, لكنها قبل أن تجيب فكرت كما يفكر خصمها وتبنت منطلقاته.

هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبداً -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تماماً, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور, وأسلوب نظرها للوقائع, وتقييمها للأحداث, من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة, وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم, وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.

السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: مالفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984م) والعلمانية العربية ما بعد (1984م) ؟

فالعام 1984م هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة “نقد العقل العربي” للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية, حيث مثلت الحلقات الأربع من هذه السلسلة والتي نشرت تباعاً بعنوان (تكوين العقل العربي, بنية العقل العربي, العقل السياسي العربي, العقل الأخلاقي العربي) الاكتمال المنهجي النهائي لمجموعة الدراسات المبعثرة التي سبقتها كمدونة “نحن والتراث” له.

ولذلك اعتبر بعض المؤرخين الليبراليين أنه إذا كان “الطهطاوي” هو مؤسس تجربة النهضة العربية الأولى, فإن “الجابري” مؤسس تجربة النهضة العربية الثانية, كما يقول ذلك عالم الاجتماع والناشط المعروف سعد الدين إبراهيم.

بل إن أشهر ناقد صارم لمشروع الجابري والذي كاد يذهب شطر عمره في تتبع شواهده ونقوله وما بين فواصله -وهو المفكر العربي المعروف جورج طرابيشي- يعترف ليس بأثر الجابري في مريديه وتلاميذه فهذا حدث تاريخي يتكرر, ولكن بسطوة الجابري المذهلة في أقرانه التي لم يفلت ناقده طرابيشي منها حين قرأ له أول مرة, ونفوذ المفكر في أقرانه ومجايليه استثناء عزيز في مدونة التاريخ, إذ المعاصرة حجاب.

والحقيقة أن وزن الجابري وكونه منعَطَف يكاد يكون محل إجماع بين المعاصرين, وهذا يعني أن تأريخ ظاهرة العلمانية/التوفيقية بالجابري ليس كثيراً بالقياس إلى وزنه وقدرته على اختراق الحواجز الخرسانية التي عانتها الخطابات التي جايلته من كافة التيارات.

أو بمعنى آخر: مالفرق بين مدرسة صادق جلال العظم وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ومحمد أحمد خلف الله ونظائرهم, وبين مدرسة الجابري وأركون وحسن حنفي ونظائرهم؟

بمعنى ماسر الجاذبية في دراسات العلمانية العربية الحديثة التي خلبت أذهان الشباب الإسلامي وجعلته يقبل بنهم على هذا اللون من الدراسات والأبحاث؟

الحقيقة أن الفرق الأساسي هو التحول من “الاستهداف المباشر للشريعة” إلى “إعادة تفسير التراث” من خلال الأدوات التي تطرحها العلوم الإنسانية الحديثة, أو بشكل آخر القفز من الإشكالية الأنطولوجية إلى الإشكالية الإبستمولوجية.

هذا الفارق هو بالضبط مصدر الجاذبية والإثارة لدى القارئ الإسلامي, وهي اللغة التي يفهمها جيداً,

لقد امتص وتشرب هؤلاء الشباب بصورة ضمنية كثيراً من المفاهيم المشبعة ببنية علمانية مضمرة, أو التي تدفع باتجاه تعزيز التصورات العلمانية, مثل مفهوم: عصر التدوين, والتنصيص السياسي, والعقل المستقيل, والأرثوذكسية الإسلامية, والنص كمنتج ثقافي, وميثية القرآن, وغيرها من أدوات التفكير العلماني.

على أية حال تظل المدرسة الفرانكفونية/المغاربية المعاصرة هي الأكثر تعبيراً عن هذا الشكل من الخطاب, واهتمامها بموضوعيها الرئيسين -إعادة تأويل التراث والتحليل الانثروبولوجي للحركة الإسلامية- كان مصدر الجاذبية والإغراء الذي حقق لها النفاذ إلى أسوار الداخل الإسلامي, ذلك أن الحقول والموضوعات ذات الاهتمام المشترك تمثل دوماً لغة مفهومة ومشتركة, ونقطة تعارف والتقاء, تتحول غالباً إلى حالة تلقٍّ تتحدد بوصلة نفوذها طبقاً لميزان القوى المعرفية, لتنتهي بحالة استعمار ثقافي.

والحقيقة أن لحظة انتقال هذه الشريحة الشبابية بين المدرستين لم تكن مجرد لحظة تفاعل طبيعي مع رافد ثقافي معين, بل شهدت ارتجاجات فكرية مذهلة كانت نتيجة لصدمة انقلاب السؤال المركزي بين المدرستين.

فالسؤال المركزي في مدرسة الفكر الإسلامي كان سؤال “انتصار الإسلام” ويدخل في ذلك سائر ما تم تطويره من “مفاهيم دعوية” تشكل نسيج هذا الفكر: كمفهوم الحل الإسلامي, وتحكيم الشريعة, والتزكية الإيمانية, والعمل الجماعي, وفقه الواقع, والتعدد التنظيمي, والعمل التربوي, وإنكار المنكرات, وتوعية الجاليات, وتفعيل المساجد, والأمن الفكري, وحراسة الفضيلة, والإعلام الإسلامي, وتضميد جراحات المسلمين, وإعداد القوة, ونحوها من المفاهيم الإسلامية وصيغ العلاقات العريقة في هذا الخطاب.

أما السؤال المركزي للمدرسة الفرانكفونية فقد كان “سؤال الحضارة” ومن ثم محاسبة التراث, والإتجاه الإسلامي, والمجتمع العربي, والدولة العربية الحديثة: على أساس الاقتراب والابتعاد عن “النموذج الغربي الحديث”, حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن, وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك.

هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية, وسطوة جهازها المفاهيمي, واكتظاظ لغتها الباذخة, وترسانة شواهدها التراثية, ومايتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة, وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة, وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر, وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو “لا غربي”: نجحت في اختطاف التفكير المتوازن, وتصديع الانتماء الدعوي, وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية, والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور, والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.

مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية –موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالاً خطياً تراكمياً من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ماكان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.

أزعم أن الجزء الأكبر من فاتورة الارتباك الفكري لدى هذه الشريحة الشبابية المحلية تتحمله الإجابات الخاطئة عن سؤال الحضارة, والتي كانت نتيجة الاصطدام ببريق الخطاب الفرانكفوني تحت ضغوط الحادي عشر من سبتمبر والتي كان وسطنا الثقافي فيها أشبه بالمسافر اللاهث الذي يتعلق بأقرب حافلة لايهددها قراصنة البيت الأبيض, بغض النظر هل كانت تلك الحافلة ستبلغه غايته أم ستنعطف به إلى غاية أخرى.

ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من “أعواد المنبر” فترة التسعينات إلى “قفص الاتهام” بعد سبتمبر بدد شيئاً من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لاتتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.

وهذا يعني –كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر, تماماً كما أننا نشاهد الهياج والصخب والإدانات العشوائية كأعراض طبيعية تصاحب الوهلة الأولى للحادث المروري ثم تعود الأمور إلى مجاريها وتكمل المسيرة طريقها بمجرد تجاوز آثار الدهشة الأولية.

وقد علَّمنا التاريخ دوماً أن الكساد المرتبط بظروف سياسية ينتهي بنهايتها, ولذلك فإن الجزيرة العربية التي ارتدت لظروف موت الرسول استعاد الخطاب الإسلامي موقعه فيها مباشرة بعد استقرار الخلافة على يد الصديق.

وعلى أية حال ومهما كانت ظاهرة الغلو المدني ظاهرة مؤقتة بحكم كونها مرتبطة بخلفيات حادث أمني فإننا مع ذلك يجب أن نبادر إلى تحليلها وتفكيك بنيتها الداخلية والإجابة على الأسئلة التي تشغلها وتملأ بها مقالاتها الصحفية وسجالاتها الإلكترونية وتعليقاتها الفضائية, ذلك أننا نفترض أولاً وقبل كل شئ أن ثمة عوامل موضوعية منحت هذه التساؤلات المشبوبة معنى معيناً في لحظةٍ تاريخيةٍ ما, وعليه فلا يجوز أن نعاملها باللامبالاة الباردة.

قانون المتوالية الفكرية:

حين تطالع الكتب المعنية بتأريخ الأفكار والمذاهب والمقالات الفلسفية المنقولة عن سائر الأمم فإنك كثيراً ما تصيبك الدهشة من غرابة بعض الأفكار والمقالات في صورتها النهائية وتناقضها مع بدهياتٍ ظاهرة, فيأخذك التساؤل: كيف وصل أصحابها إلى مثل هذه القناعة الغريبة؟! وكيف غابت عنهم الأمور الواضحة؟!

الواقع أن كثيراً من الأفكار والمقالات الممجوجة في صورتها النهائية, أو المتناقضة مع أبجديات الوحي والعقلانية إنما بدأت بالتزام “مبدأ نظري” معين دون الاستكشاف المسبق لكافة آثاره النهائية ولوازمه ومؤداه, وفي ثنايا سجالات الفرقاء ينجرف صاحب المقالة إلى الالتزام التدريجي لمقتضيات هذا المبدأ بهدف الاحتفاظ بعنصر الاطراد وعدم التناقض, فيتجارى به ذلك حتى يصل إلى مستشنعات ما ظن أنه سيصل إليها يوماً ما, وهو ما يمكن تسميته قانون “المتوالية الفكرية”.

وقد كان الإمام ابن تيمية كثيراً ما يشير إلى هذه الظاهرة العلمية لتطور الأفكار في ثنايا مناقشاته للمقالات الفلسفية كما يعبر مثلاً بدقة بالغة فيقول:

(فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم عن النقص والفساد, فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب الأحاديث النبوية) درء التعارض (7/106)

والواقع أن “قانون المتوالية الفكرية” كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعاً في البداية بمقصد حسن نبيل وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:

فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية).

أما أداة “التسييس” فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة, أما أداة “المديونية” فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.

أما الفريق الآخر –وهم الأكثر- فقد استسلم لاشعورياً للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول –بحسن نية أيضاً- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلاً, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث, وأصبح مهموماً بمعاتبة الإسلاميين للظهور بمظهر مدني يتناسب مع الذوق المدني الحديث.

وبطبيعة الحال فمع كل عمليات إعادة التأويل التي مارسها هذا الخطاب على الوحي والتراث بما تتضمنه من استحضار واستبعاد موجَّه لنصوص وأعلام معينين بهدف التوافق مع الصيغة المدنية الحديثة, فإن طبيعة الوحي والتراث في ذاتها تأبَّت على ذلك وبقي المضمون الجوهري للوحي حياً لا يمكن تعتيمه, فمع كل النصوص التي ابتسروها مثلاً عن ابن رشد أو الشاطبي أو ابن خلدون أو ابن حزم أو غيرهم فقد بقيت نصوص هؤلاء ذاتها تنقض النتائج النهائية لهذه المدرسة, فضلاً عن صورة القرون المفضلة, بل فضلاً عن نصوص الوحي ذاتها, وسنحاول إيراد شئ من ذلك في موضع لاحق.

بل لقد أصبحت صورة الخطاب صورة تلفيقية باهتة تعاني في تركيبها الداخلي من هشاشة معرفية عميقة نتيجة كونها تعتمد على الانتقائية والتغييب دون منهجية أو معايير واضحة يمكن التحاكم اليها, بمعنى أنها أصبحت خليطاً من النتائج القابلة لإثبات العكس, فيستطيع خصوم الرؤية الإسلامية إضحاك القارئ عليها بكل بساطة, فالآيات الكثيرة في بيان مركزية الآخرة وذم الدنيا والرفاه, واللغة الغيبية في التعامل مع الظواهر, والمقياس الديني لصيغ العلاقات, وبيان انحطاط الكافر وأنه في منزلة الأنعام والدواب, واعتبار علوم الكفار علوماً ظاهرية, وشكل الحدود الجنائية الصريحة, وغيرها كثير لا تستطيع أن تقاومها كل تعسفات الخطاب المدني في إعادة تفسير التراث.

والمقصود هاهنا الإشارة إلى تطورات هذا الخطاب المدني الجديد وأن أكثر انحرافاته النهائية كانت مضاعفات يجمح بعضها ببعض, مع تفاوتهم فيها تفاوتاً هائلاً.

فبداية كثير من هؤلاء الكتاب –شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحوْل كثيراً بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسو الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلاً عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل “وسيليتها” المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقاً للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يوماً بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.

ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءاً، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في “السنة النبوية” وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيئ إلى أسوأ.

وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.

والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله:

(وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم:ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/483)

بل وطائفة من هؤلاء يشنع أحياناً فيما ليس معه فيه برهان, بل قد يكون الراجح مع من خالفه, كما قال الامام ابن تيمية في واقعة مشابهة:

(وطائفة ممن يقول بأن النبي “رأى ربه بعينه” يكفرون من خالفهم, لماظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة, كما فعل “أبوالحسن علي بن شكر” فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه فيما يدعيه من السنة, وقد يكون مخطئا فيه, إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة, أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده)الفتاوى 16/433

ولكن العاقل لاينحرف عن الشرع انتقاماً من أخطاء بعض المنتسبين له, فإنه ما ضر إلا نفسه, وإنما كمال الإيمان أن ينظر العاقل في النصيحة ويستغفر لمن أخطأ عليه, ويراجع علاقته بربه فإن كان على صواب مضى وإن كان على خطأ أناب.

ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الاعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.

وبعد هذا العرض الموجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة سننتقل إلى المناقشة الموضوعية لإشكاليات هذا الخطاب وعلاقتها بأصول الوحي, وسنحاول أن نركز على استعراض “حقائق الوحي” التي أضاعها هذا الخطاب وضمرت فيه وغابت في زحمة جموحه المدني.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

11 − إحدى عشر =