قصة الغرانيق و فك الارتباطات

هنا الرد على شبهة الغرانيق او قصة الغرانيق. بحث متكامل نرد فيه على الشبهات حول حديث/قصة الغرانيق. 

ملخص البحث قصة الغرانيق و فك الارتباطات :

يتناول هذا البحث قصة الغرانيق ، وهي أكبر أكذوبة في الطعن في القرآن والنبوة ، وتذهب هذه الأكذوبة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح الأصنام وعظّمها وأجرى الشيطان على لسانه ذلك ، وخطورة هذه القصة القديمة المتجددة ليست في مضمونها فقد قيل في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ما هو مثلها وما هو أكبر منها من الأكاذيب المتهافتة ؛ فرد الله قائليها على أعقابهم خائبين ، وهذه القصة كثيرة الأبعاد متشابكة الجوانب ؛ إذ رُبطت بآيات من سورة الحج والنجم والإسراء والزمر والقصص وطه ربطاً شديدا كما ربطت برجوع المهاجرين من الحبشة ، وليس ذلك فحسب بل ذهب بعضهم إلى أنها كانت آيات منسوخة التلاوة. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن الروايات التي تحمل قصة الغرانيق هذه روايات واهية ومرسلة لا أصل لها ، وذهب ابن حجر إلى أن لها أصلاً ؛ فكثرة الطرق – عنده – تقويها ، ولكنها حسب رأيه تحتاج إلى تأويل مختلف ، وقد ذهب الألباني – في الرد عليه – إلى أن قاعدة تقوية المراسيل بكثرة الطرق ليست على إطلاقها ، وليست مضطردة.وهذا البحث يسعى للرد على هذه القصة ويحاول فك الارتباط بينها وبين الآيات والأحداث الثابتة التي رُبطت بها . وتنقسم آراء العلماء في هذه القصة على قسمين : 

-قسم يرى أنه لا أصل لهذه القصة ولا دليل عليها ؛ وبهذا الرأي قال أبو بكر بن العربي والقاضي عياض وفخر الدين الرازي والقرطبي والبدر العيني والألوسي والإمام محمد عبده والألباني.

– قسم يرى أن هذه القصة لها أصل ، وقد وقعت بصورة أخرى غير التي جاءت بها الروايات ؛ وبهذا الرأي يقول ابن حجر .

ورغم أن الباحث يميل ميلا شديدا للرأي الأول ؛ إلا أنه يرى أن القصة لو وقعت فرضا ؛ فهي متممة لما جاء في الروايات الصحيحة التي تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سجد في سورة النجم وسجد معه المشركون ؛ حتى إذا خرج هولاء المشركون من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بينهم وبين “شيطانهم” عبارة الغرانيق هذه لتبرير سجودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذه العبارة لا علاقة لها بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا بمجلسه ولا بآية من آيات القرآن إطلاقا

توطئة :-

ما من أكذوبة من الأكاذيب ولا أسطورة من الأساطير في الطعن في القرآن والنبوة – قد بلغت من الإحكام والإتقان ما بلغت أكذوبة الغرانيق هذه ، إذ كانت أكذوبة ذات جوانب متعددة وأبعاد مختلفة ؛ حيث استخدم فيها صانعوها بعض الأحاديث الصحيحة فزادوا فيها ، وبعض الآيات القرآنية ففسروها بها ، وبعض الأقوال الجاهلية فأخذوا منها ما يمكن أن يحقق غرضهم في ذلك ، فلما استوت الفرية على سوقها وانتصب قوامها وقوي عودها جعلوا لها من الروايات المصنوعة ما يشيعها ؛ فجاءت هذه الروايات ضعيفة هزيلة ومرسلة منقطعة ، والرواية المرسلة يخفى حالها ؛ لأن الساقط منها مجهول ، فالتقط هذه الروايات من المفسرين والمؤرخين والقصّاص من لا يبالون بما أخذوا صحيحاً كان أو سقيماً ضعيفاً كان أو قوياً .

وممن التقط روايات هذه القصة الإمام ابن جرير الطبري ، والطبري على سعة علمه وعلو مكانته كان لا يبالى في الأخذ بالروايات أيا كان حالها في كتبه ؛ وكأنما أراد جمع العلم لا نقده وفحصه وتمحيصه ؛ يقول : (فما يكون في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة ؛ فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا ، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا)

وقد أخذ هذه الروايات بعض المؤرخين وكتاب السير والمغازي كابن سعد في الطبقات الكبرى وابن الأثير في الكامل والطبري في تاريخه ، وقد رفض ابن كثير رفضاً صريحاً إيراد هذه القصة في سيرته

وقصة الغرانيق الشوهاء هذه قد كانت مثار لغط طويل عند الملحدين والمستشرقين وغيرهم . والغرانيق نوع من الطير، وهي الكلمة التي وردت في تلك العبارة التي قيل إن الشيطان تكلم بها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا سميت تلك العبارة عند المستشرقين وغيرهم بـ (الآيات الشيطانية) وقد سمى بها سلمان رشدي روايته التي أثارت المسلمون ، ولم يعتن المستشرقون بشبهة من الشبه ولا بمطعن من المطاعن اعتناءهم بهذه الشبهة ، إذ أن الهدف المركزي والغاية العليا عندهم هي إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد افترى هذا القرآن من تلقاء نفسه ؛ فغيّره وبدّله حسب ما يشتهي وحسب ما يواجه من ظروف وملابسات .

وقد ذهب بركلمان إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعترف في أول رسالته بآلهة الكعبة الثلاثة ثم تراجع ، وذهب مونتجمري وات إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رتّل تلك العبارات باعتبارها جزءاً من القرآن ثم أعلن أنها ليست جزءاً منه ، وذهب هذا المذهب كثير من المستشرقين نحو الفريد هيوم ووليم مويير وماكسيم رودنسون وشاخت وبوهل وغيرهم.

ولم تقل فرقة من فرقة الإسلام ولا طائفة من طوائفه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ تلك العبارات مادحاً بها الأصنام إلا الكرامية الذين ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في تبليغ هذه العبارة ولم يكن له أن يبلغها ، أما طوائف الإسلام الأخرى فلم تقبلها على تلك الشاكلة إطلاقاً ؛ وإن استغلتها بعض الفرق في الهجوم على بعضها ؛ إذ زعم الشيعة الروافض أن ذلك من خزعبلات أهل السنة وقد رواها البخاري حسب زعمهم ، وهذا كذب محض وافتراء خالص.

روايات القصة :-

لم تأت رواية صحيحة عند أهل السنة وفيها قصة الغرانيق إطلاقاً ؛ وإن كانت بعض الروايات الصحيحة قد أشارت إلى سجود النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم وسجود المشركين معه ، إذ روى البخاري والحاكم وأبو داود وابن حبان والبيهقي وأحمد بن حنبل وابن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد بها ؛ فما بقي أحد من المشركين إلا سجد ؛ إلا رجل واحد أخذ حصى أو تراباً فرفعه إلى وجهه ثم قُتل هذا الرجل كافرا فيما بعد ، وهذه الروايات الصحيحة لم تتعرض لعبارات الغرانيق ولم تشر إليها على الإطلاق ، ولهذا فإنه لا ارتباط ولا علاقة بين هذه الروايات الصحيحة وقصة الغرانيق .

ولكن هنالك روايات ضعيفة ومنقطعة ومرسلة قد رواها ابن جرير وابن المنذر والبزار والطبراني وابن مردويه وابن سعد في الطبقات ، وهذه الروايات تذكر أن سبب سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قرأ : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) ألقى الشيطان على لسانه : (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى) .

وملاحظ أن لا علاقة البتة بين الروايات الصحيحة والضعيفة إلا سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة سورة النجم ، إلا أن الروافض قد أدخلوا هذه في تلك فهاجموا أهل السنة والبخاري.

أعجوبة النسخ في عبارة الغرانيق:-

ذهب بعض العلماء نحو سعد الدين التفتازاني والإيجي ونظام الدين القمي والكشميري مذهباً عجيباً غريباً ؛ إذ ذهبوا إلى أن المقصود بالغرانيق هي الملائكة ؛ إذ أن للملائكة أجنحة كما لهذه الطيور والأصنام ما لها من أجنحة ؛ ومن ثم ذهبوا إلى أن تلك العبارات كانت قرآناً ؛ فلما توهّم المشركون أن المقصود بذلك أصنامهم ووجد الشيطان طريقاً للتلبيس عليهم رُفع هذا القرآن ونُسخت تلاوته ، وليس ذلك فحسب بل ذهب الكشميري إلى أن ما يؤيد كونها قرآناً نُسخ – أن ابن حجر والبدر العيني قد أوردا في ذلك روايتين صحيحتين ، وقد رد عليه المباركفوري رداً شديداً ؛ وذهب إلى أن ذلك : (خطأ فاحش ووهم قبيح) ويبدو أن الكلبي هو أول من قال بأنها كانت من القرآن فنُسخت ، وقد رد عليه القشيري بأن هذا غير سديد

ولا يرى الباحث فرقاً كبيراً بين هذا الاتجاه وبين اتجاه المستشرقين إلا من حيث أن هولاء قد ذهبوا إلى أن العبارة لم تقصد الأصنام ، والمستشرقون ذهبوا إلى أن العبارة تقصد الأصنام وقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم تقرباً لقومه ، وهولاء العلماء ذهبوا إلى أنها كانت من كلام الله فنُسخت ، والمستشرقون ذهبوا إلى أنها كانت من كلام محمد صلى الله عليه وسلم فغيّر رأيه فيها ، وقد ذهب أولئك العلماء هذا المذهب لقوة الربط في أذهانهم بين القصة آية الحج : (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) ، ولكن يبدو واضحاً أن النسخ قد وقع على ما يلقى الشيطان لا على ما ينزله الله ،سواء كان ما يلقيه الشيطان كلاماً أو وسوسة أو أوهاماً أو شبهات كما سيأتي .

ولا شك أن ضعف الروايات وتهافتها مغن عن كل تأويل فيها ، ولهذا كان لابد من نقد هذه الروايات أولاً وبيان أحوالها وفك الارتباط بينها وبين ما ألصقت بها من آيات وأحاديث.

نقد روايات القصة :

سبق أن قصة الغرانيق هذه قد رواها الطبري وابن المنذر وابن مردويه وابن سعد والبزار والطبراني ، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الروايات الواهية ضعيفة ومرسلة ومنقطعة ، ولم ترد عن أحد من الصحابة إلا ابن عباس ، وإذا كانت القصة قد وقعت في السنة الخامسة من البعثة لارتباطها بهجرة الحبشة – فإن ابن عباس قد وُلد بعد وقوع القصة بخمس سنوات ؛ مما يدل على أنه لم يشهدها ، هذا وإن كانت مراسيل الصحابة في حكم الموصول ، لكن هذه القصة لو وقعت ورواها ابن عباس لرويت عن غيره من الصحابة أيضاً ، وحادثة بهذه الخطورة لا يمكن إغفالها ، ورغم كل ذلك إلا أن الرواية عن ابن عباس ليست موصولة ؛ ولهذا ذهب القاضي عياض إلى أن القصة لا أصل لها وإنما أولع بها المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، وهي رواية لم يخرجها أحد من أهل الصحة ولا رواها ثقة بسند سليم .

والحق أن روايات هذه القصة مضطربة جداً وهي مختلفة الأشكال والتعابير والكلمات والأحوال ؛ فمرة قال النبي صلى الله عليه وسلم تلك العبارة في الصلاة ، ومرة في نادي قومه ، ومرة حين أصابه النعاس ، ومرة حين سها ، ومرة حدّث بها نفسه ، ومرة قالها الشيطان ، ومرة قرأها النبي صلى الله عليه وسلم ، والعبارة التي فيها الغرانيق أيضاً مختلفة متنوعة ؛ فمرة (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى) ، ومرة (الغرانقة العلا إن شفاعتهم لترتجى) ومرة (أنها لهي الغرانيق العلا) ومرة (تلك الغرانيق العلا منها الشفاعة ترتجى) ولهذا قال ابن خزيمة عن هذه القصة : (إنها من وضع الزنادقة) .

ولكن ابن حجر قد ردّ رداً شديداً على من ذهبوا إلى أن القصة لا أصل لها ؛ فذهب إلى أن لها أصلاً وفيها من الأحاديث المراسيل ما يقوي بعضها بعضاً ، وقد قال البزار بعد أن ذكر حديثاً في الغرانيق هذه : (لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد) وهو : عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، ولهذا قال ابن حجر (وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع ، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا) .

إلا أن رواية البزار هذه قد تفرّد بنقلها مسندة أمية ابن خالد ، أما غيره فيرويها عن سعيد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر ابن عباس ؛ إلا أن رواية البزار نفسها قد ضعفها القاضي عياض لأنه قد وقع الشك فيها وما وقع فيه الشك فلا يوثق به ولا حقيقة معه.

إلا أن ابن حجر قد ذهب إلى أنه لا ضعف فيها أصلاً وأوهم السيوطي كذلك بصحتها ؛ إذ ذهب إلى أنها رويت (بسند رجاله ثقات) فأوهم أنها غير معلولة

ولكن عند النظر بدقة في كلام ابن حجر يتبين أنها عنده أيضاً غير موصولة ، إذ لو كانت موصولة لجعلها عمدته فردّ بها على القاضي عياض ، ولكنه ذكر أن كل الروايات في هذه القصة (مراسيل) ؛ ولهذا ذكر عند رده على القاضي عياض في هذا الحديث أن غايته أن يصير مرسلاً وهو حجة عند عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة وهو حجة إذا اعتضد عند من يرد المرسل وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات ؛ وبهذا فقد سلّم ابن حجر بأن الحديث مرسل ولكن ذهب إلى تقويته بكثرة الطرق ، ولهذا يقول الألباني عن ذلك الحديث (وبالجملة فالحديث مرسل ولا يصح موصولاً عن سعيد بن جبير موصولا بوجه من الوجوه) ، والحق أن الحديث المرسل ليس حجة عند المحدثين ، إذ لا تقوم الحجة إلا بالأسانيد المتصلة ؛ ولهذا فإن اتصال الإسناد من شروط صحة الحديث ؛ يقول الإمام الترمذي : (والحديث إذا كان مرسلاً فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث) وقال الحاكم : (المراسيل واهية عند جماعة أهل الحديث)

ورغم أن ابن حجر قد اشتد على القاضي عياض وابن العربي وغيرهم وشنّع القول عليهم إلا أنه وافقهم فقال بما قالوا به في قصة الغرانيق هذه ، إذ ذهب أولا إلى أن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلت على أن للقصة أصلا ، ويبدو واضحاً تأثير الصنعة الحديثة في هذا القول ؛ إلا أن الألباني قد رد عليه من داخل الصنعة نفسها فذهب إلى أن القاعدة التي أشار إليها ليست على إطلاقها وقد نبه على ذلك غير واحد من العلماء المحققين ، وتلك الطرق كلها ضعيفة فلا يقوى بها هذا الحديث أصلا

وبعد الخلاف الطويل العريض ذهب ابن حجر إلى ضرورة عدم حمل الحديث على ظاهره ؛ لأن هذا الكلام الذي فيه الغرانيق لا يمكن إطلاقاً أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم لا عمداً ولا سهواً ؛ ثم مال إلى قول مخالفيه وهو أن الشيطان قد تكلم في سكتة من سكنات النبي صلى الله عليه وسلم بين الآيات والفرق بين ابن حجر ومخالفيه أن المخالفين قد أنكروا القصة من حيث أصلها وهو قد أنكرها بتأويلها ، ولهذا كان موقفه ضعيفاً في الرد عليهم .

وبهذا فقد انهار أقوى دليل من أدلة الغرانيق هذه ، أما الروايات الأخرى فضعفها وما فيها من إرسال ووهن مغن عن تفصيل الحديث عنها ، فروايات الطبري فيها من الضعفاء والمدلسين أبو معشر وابن إسحاق وأبو معاذ سليمان بن أرقم ورواية الطبراني فيها ابن لهيعة ورواية ابن مردويه عن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وهو طريق ضعيف جداً ، وهو ما سماه بعض العلماء بسلسلة الكذب ، ورواية ابن سعد فيها محمد بن عمر الواقدي ولهذا قال النحاس فيها : (هذا حديث منقطع لا سيما من حديث الواقدي)

نقد القصة:-

إن تلك الروايات التي تذهب إلى أن الشيطان قد أجرى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم عبارات الغرانيق تلك قد رفضها العلماء ورد عليها جماعة منهم ؛ نحو أبي بكر بن العربي والقاضي عياض وفخر الدين الرازي والقرطبي والبدر العيني والألوسي والإمام محمد عبده ، وقد أفرد الألباني لهذه المسألة رسالة مهمة خاصة سماها : (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) والحق أن هذه القصة الواهية تكذبها أمور كثيرة ؛ منها الآتي:-

– لو تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العبارات وفيها من مدح الأصنام ما فيها لانفصمت عرى الدين ولانفض الناس من حوله ولانتصرت قريش واليهود الذين كانوا يتربصون به وبدينه الدوائر.

– ذكر ابن عطية أن سبب نزول سورة النجم أن المشركين قالوا أن محمداً يتقوّل القرآن ويختلق أقواله ، فمن المستحيل جداً والأمر كذلك أن تنزل السورة لتنزهه عن ذلك فيقع فيها ما نزهه الله عنه.

– سورة النجم هذه نزلت بعد سورة الإخلاص التي تدعو إلى التوحيد الخالص ، وسورة النجم قد جاءت معضدة لذلك ، وسورة الكافرون كانت قبل الإخلاص بسورتين – إذ بينهما المعوذتان – وقد أنزل الله الكافرون بسبب أن قريشاً قالت للنبي نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة فجاءت السورة مؤكدة الرفض القاطع ، فكيف ينزل بعدها ما يوحي بمدح الأصنام ، وهذه السورة المكية سلسلة من تأكيد التوحيد وتثبيته .

– ليس هنالك من دليل أن سورة النجم قد نزلت جملة واحدة ؛ فهي قد نزلت مفرقة منجمة كغيرها من السور الكثيرة ، وفي حديث البخاري وغيره أنه قرأ النجم حتى بلغ موضع السجود فيها – وهو آخرها – فلا يُتصور والحال كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ عبارة الغرانيق وحسبها جزءاً من السورة ؛ خاصة وأنه حفظ السور بتمامها قبل تلك الواقعة فلا يمكن أن يلتبس ذلك عليه إطلاقاً.

– النبي صلى الله عليه وسلم له من العلم ما يتحقق به من الوحي ، ولو صح أن ذلك قد تشابه عليه لارتفعت الثقة من الشرع كله ولما عرفنا حقاً من باطل.

– ذكر الله تعالى في أول سورة النجم عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ وحيه ؛ وأنه لا يخرج كلامه عن الحق ؛ وأكد ذلك بالقسم ؛ قال تعالى : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وقصة الغرانيق لا تناسب هذا السياق الذي حاولوا إدراجها فيه ، ثم إن ما جاء في نفس السورة – بعد الموضع الذي زعموا أنه ذكرت فيه هذه الفرية – هو ذم أصنام المشركين “مناة، واللات، والعزى” والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) ، وكل ذلك يكذّب هذه القصة من أساسها، ولو كانت هذه القصة صحيحة لارتبطت بما قبلها وما بعدها، ولو دخلت في هذا السياق لكان التركيب مفككاً، والكلام بعيد الالتئام، متناقض الأقسام متخاذل التأليف والنظم ممتزج فيه المدح بالذم.

فك الارتباط بين قصة الغرانيق وآية الحج:-

ذهب كثير من العلماء إلى الربط بين هذه القصة وبين قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وقد جاءت روايات كثيرة بهذا الربط أيضا كما في رواية البزار والطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقد ذهب هولاء العلماء إلى أن الآية شديدة الارتباط بهذه القصة ؛ إذ تبيّن هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ثم يرفع الله ما يلقى الشيطان ويبطله ويحكم الآيات (القرآنية) كما أنزلها الله ، وقد فسروا (الأمنية) في الآية بالتلاوة ، وتمنى : أي قرأ وتلا ، وكلمة (في) في قوله تعالى : (في أمنيته) أي : عند ؛ كقوله تعالى : (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) أي عندنا ، واستدلوا على أن معنى الأمنية هي التلاوة والقراءة – بقوله تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) أي إلا قراءة دون فهم ، كما استدلوا أيضا بقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لا في حمام المقادر

ولكن ذلك فيه نظر :-

– قصة الغرانيق لارتباطها بهجرة الحبشة قد وقعت – عند من يقول بها – في السنة الخامسة من البعثة ، وسورة النجم تتناول حادثة المعراج التي وقعت في السنة العاشرة من البعثة ، وسورة الحج التي فيها الآية السابقة مدنية نزلت بعد الهجرة ؛ ولهذا كان ربط هذه الأمور ببعضها زمانياً أمراً متعذراً جداً.

– واضح جداً أن آية الحج لا تتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ؛ وإنما تتناول أحوال الأنبياء والمرسلين عامة في مدافعة الباطل.

– استغرب ابن عاشور من أن يكون التمني بمعنى القراءة والتلاوة ؛ فذهب إلى أن ذلك شاذ مخالف لظاهر اللغة فهو عنده ادعاء لا يوثق به وفي صحته شك عظيم

– إن بيت الشعر المستدل به ينسبه أكثر العلماء لحسان بن ثابت رضي الله عنه ، ولم يجده الباحث في ديوان حسان ، ولكن بعض العلماء كالقرطبي والسيوطي وابن عطية الماوردي والشوكاني قد نسبوه لكعب بن مالك ونسبه ابن عادل مرة لحسان ومرة لكعب

– ذهب ابن تيمية والنيسابوري إلى أن هذا البيت قد استدل به أبو عبيدة معمر بن المثنى على هذا المعنى ، ولكن الباحث لم يجد أحداً من أهل المعاجم قد نسب هذا الاستشهاد إلى أبي عبيدة ، وقد طالع الباحث كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة ولم يجده تعرض لكلمة (تمنى) في سورة الحج ولا (أماني) في سورة البقرة.

– يروى البيت باختلاف كبير في المصراع الثاني ؛ إذ يروى هكذا (تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لا في حمام المقادر) ، ويروى (تمنى كتاب الله أول ليلة تمني داود الزبور على رسل)

– فسر بعض العلماء آية الحج تفسيراً يبعدها جداً عن قصة الغرانيق ؛ وذلك نحو أبي حيان والشوكاني وابن العربي وابن عاشور ، فذهب ابن عاشور إلى أن معنى الآية: أن النبي من الأنبياء إذا تمنى هداية قومه ووجد العناد منهم – ألقى الشيطان في خاطره اليأس من هداهم عسى أن يقصر في دعوتهم ؛ فلا يلبث النبي أن ينقشع عن خاطره اليأس الذي ألقاه الشيطان ، وذهب أبو حيان إلى أن الآية لما وردت في سياق قوله تعالى : (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وهي الآية التي قبلها – فإنها تدل على أن الأنبياء والمرسلين كانوا يتمنون هداية أقوامهم فيلقى الشيطان بالشبهة للناس ويزيّن لهم الكفر ؛ فإذا أراد الله هداية الناس نسخ هذه الشبهة وأزالها شيئاً فشيئاً ثم يحكم آياته أي يظهر معجزاته ويحكمها في القلوب.وهو تفسير معقول مقبول إلى حد كبير ، ولكن ذهب ابن حزم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى هداية عمه أبي طالب ، وهذا عند الباحث بعيد جداً ؛ لأن الآية مدنية بعد الهجرة وأبو طالب مات بمكة قبل الهجرة

فك الارتباط بين قصة الغرانيق وآية الإسراء :-

ربط السيوطي وأبو الليث السمرقندي وابن أبي حاتم بين هذه القصة وبين قوله تعالى : (وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) و جاء هذا الربط كذلك في رواية ابن جرير وابن سعد الضعيفتين ، وهذا فيه نظر للآتي:-

– هذه الآيات ترد القصة من أساسها فلا يمكن أن تربط بها إطلاقاً وهي تناقضها ؛ إذ إن الآيات تتناول تثبيت الله تعالى لنبييه : (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ) وأمر الله لا راد له ولا معقّب عليه ، ثم قال تعالى بعدها : (إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) وهي كقوله تعالى : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) وما ذكره الله من جزاء على الركون والتقوّل لم يحدث مما يدل على أن الركون والتقوّل لم يقعا ، والآية في تصور الباحث دالة على الاستحالة أكثر من دلالتها على التهديد أو الجزاء ، ومعنى الآية الثانية موجه للكافرين أي لو كنتم تقولون : إن محمدا تقوّل القرآن على الله – فالله أولى منكم بأن يغار على انتهاك حرمة رسالته وأن يدافع عن جلاله ، أما آية الإسراء فالغرض منها تيئيس الكفار من استجابة النبي صلى الله عليه وسلم ولو في أمر يسير ، وقد ذكر الله هنا الركون ، والركون دون الاستجابة ثم قلل هذا الركون بقوله (شيئا يسيرا) ثم نفاه بـ(كدت) ثم جعله مستحيلا بالعصمة والتثبيت ،والمعنى : لو هم النبي صلى الله عليه وسلم هما يسيرا جدا في هذا الركون – وحاشاه – فلينظر ماذا يفعل الله به ؛ فلا تنتظروا منه شيئا من الاستجابة .

– هذه الآية تشبه في معناها آيات كثيرة فلا مبرر لربطها بالقصة دون سواها ، فهي كقوله تعالى : (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ) والآية تتناول استحالة إضلال النبي صلى الله عليه وسلم فالإضلال يقع على أصحاب الإضلال أنفسهم لا على النبي صلى الله عليه وسلم

فك الارتباط بين القصة وآية الزمر :-

ربط كثير من المفسرين بين هذه القصة وبين قوله تعالى : (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) وذلك لأنهم فسروا الآية بأنه : إذا ذكرت الغرانيق والآلهة مع الله استبشر الكفار وفرحوا وإذا ذكر التوحيد كرهوا ذلك ، وهذا فيه نظر للآتي:-

– الآية ليست فيها للغرانيق ذكر ولا إشارة ؛ وإنما تتحدث عن قوم من المشركين كرهوا التوحيد واشمأزوا من ذكر الله وحده وإذا ذكر غيره استبشروا وفرحوا ، والملاحظ أن كلمة “ذُكر” مبنية للمجهول ، وليس هنالك من دليل على أن الذاكر لله والذاكر لمن دون الله هو النبي صلى الله عليه وسلم ، بل من الواضح جدا أن المقصود أن هولاء المشركين يكرهون التوحيد إذا سمعوه من الموحدين ويستبشرون للشرك إذا سمعوه من المشركين أمثالهم ، والتوحيد له أناس والشرك له أناس آخرون غيرهم .

– هذه الآية كآيات كثيرة من القرآن تدل على ذلك المعنى كقوله تعالى : (وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) وقوله : (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ)

فك الارتباط بين القصة وبين آية القصص :-

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 − 12 =